الرأسمالية.. هل تنتهي لصالح أفكار أخرى؟!

إميل أمين – كاتب مصري –
emileamen@gmail.com –
أحد أهم الأسئلة التي طرحت على مائدة النقاش الدولي طوال العقدين الماضيين وتحديدا منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001 وحتى الساعة يتعلق بالرأسمالية ومستقبلها وهل سيقدر لها أن تهيمن على توجهات البشرية خلال القرن الحادي والعشرين أم أن أنساقا أخرى من الرؤى الاقتصادية يمكن أن تحل محلها أو على الأقل تشاركها في ترتيب أوراق المشهد العالمي.

كان أحد كبار الذين أثاروا الغبار حول هذا الموضوع البروفيسور الياباني الأصل الأمريكي الجنسية فرنسيس فوكاياما بحديثه عن نهاية التاريخ إذ اعتبر أن الرأسمالية هي صنو للديمقراطية وأنهما على هذا النحو يمثلان نهاية التاريخ وقمة الإنسان الأعلى، الأمر الذي لم يختلف كثيرا عن رؤى شمولية أخرى عرفتها الإنسانية، كانت آخرها رؤية الألف عام للرايخ الثالث لصاحبها أدولف هتلر الزعيم النازي الذي كبد العالم أكثر من ستين مليون قتيل من جراء توجهاته الدموية.
هل سيقدر للرأسمالية ان تسود البشرية على النحو الذي خبرنا عنه فوكاياما أم أن هناك من يرى أن الرأسمالية تموت، سيما في أجواء تطالب بالاستقلالية والمجتمع الأفضل وبناء عوالم متعددة؟
هذا ما يضمنه البروفيسور الفرنسي «جيروم باشيه» المؤرخ الفرنسي المتخصص في تاريخ العصور الوسطى كتابه الجديد الصادر عن الهيئة القومية للكتاب في القاهرة ومن ترجمة الدكتور عادل مهنى.
فكرة الكتاب الرئيسية تدور من حول وجود العديد من المسارات التي ترسم معالم الحدود المضادة للرأسمالية، وهذه المسارات ليست حكومية، ولا تجعل من الإنتاج السلعي والخدمي غايتها الوحيدة، ولا ترتكز على رؤية غربية.
من بين تلك المسارات ممارسة ديمقراطية راديكالية للحكم الذاتي وفهم لنمط بناء مشترك حر لشكل الدولة، وتفكيك وإزالة المنطق المدمر للتوسع في القيمة وإخضاع الأنشطة الإنتاجية لاختيارات جميع أفراد المجتمع لنوعية الحياة التي يتطلعون إليها، وترك حربة التصرف في الوقت المتاح للأفراد، وفك تخصصية الأنشطة، عطفا على الغزارة الإبداعية للذواتيات، والاعتراف بتعددية المسارات التحررية وتهيئة الظروف لتفاعل ثقافي حقيقي.
يرى المؤلف في مقدمة عمله المتميز هذا أنه لا مفر لنا من الواقع الذي نعيشه ولن نستطيع بأي شكل الهروب منه، إنه يلتصق بنا كرداء لا نستطيع نزعه عن أجسادنا، في عالم يدعي المرونة والتوازن، نجد هذا الواقع وبشكل متناقض يتشكل كمادة متثاقلة الكثافة تتسم بتشابكات معقدة تعكس قدرات بلا حدود او منازع في كل الاتجاهات.
الإشكالية التي يوضحها البروفيسور جيروم هي أن هذا الواقع يفرز فخاخا تزيد من الاضطرار تحت ضغط الحاجة الى التكيف الذي لا مفر منه مع توجهات العولمة التي لا يستطيع أحد مواجهتها أو الانفلات منها. إن الحتمية الممنهجة تهيمن على عالمنا، وكل الحركيات التي لا تفتأ ان تنقطع في عالم متغير يتسم بالسيولة، ما هي إلا تأكيد لهذه الحتمية.
هل يعني ذلك أن الرأسمالية قد باتت قدرا مقدور في زمن منظور ولا مجال للفكاك منها أو الخلاص من تبعاتها؟
بالقطع لا، فقد عاودت الحركات الرافضة للرأسمالية ظهورها في العديد من دول العالم، في منتصف السنوات الأولى من الألفية الجديدة، وقد وصل النقد الموجه الى الرأسمالية ذروته، كما أن غالبية تلك الأصوات تأتي من الجنوب ودوله وقد تحول نقدها إلى انتقاد للتوجهات الاستعمارية الرأسمالية، أي ربط النظام الرأسمالي بالاستعمار، ورفض كل ما هو غربي. لكن هذا النقد لا يكفي في حد ذاته بالرغم من سعيه الى إظهار إخفاقات النظام الرأسمالي، والارتباك الذي يشوب طريقة عمله، وكذلك الصعوبات المتزايدة التي يعيد إنتاجها، حيث يتعين إن يرتكز بالإضافة الى ذلك على الجوانب والاعتبارات الأخلاقية.
ماذا يعني ذلك؟
يعني أن جوهر المشكلة وفحواها يتمثل في نظام يقوم على توزيع الموارد المادية واللامادية بطريقة غير عادلة الى حد كبير مع سعيه في الوقت نفسه إلى إخفاء اللامساواة وعدم العدالة الاجتماعية تحت ستار العدالة الشكلية او الصورية، وكذلك إخفاؤها تحت ستار الإنقاص من قيم الأشياء مستغلا في ذلك حجة ووهم «المصعد الاجتماعي» التي لم تعد عديمة الجدوى، وإذا كان جزء من البشر يمكن أن يقبل بتلك اللامساواة فإن جزءا منهم ليس بالقليل بل أنه في تزايد مطرد يرفضها.
يبين البروفيسور جيروم ضمن سطور كتابه أن هناك خواص مدمرة للرأسمالية ملازمة لها ومنها عدم التاكد حتى من استمرارية الظروف الضرورية لبقاء الجنس البشري، نتيجة بلوغ عمليات النهب ذروتها والتدهور البيئي غير المسبوق، كل ذلك يعتبر احد المرتكزات القوية للنقد الذي يقدمه رافضو الرأسمالية.
لا تدمر الرأسمالية الجنس البشري فحسب بل أنها تسعى في طريق ثلاثي الأبعاد كارثي النتائج : تدمير البيئة، وتدمير الروابط الاجتماعية، وتبديد الخيرات الذاتية،، مما ينتج عنه استفحال الأمراض النفسية والشعور بانتزاع الحقوق من أصحابها، وكذا الإحساس بفراغ هائل في ذات الشخصية.
الكوارث الرأسمالية الثلاث المتقدمة ترتبط ببعضها البعض، فتدمير البيئة هو تدمير للنظام الاجتماعي وزوال للخصوصية التي يستشعرها الفرد داخل نفسه. علاوة على ذلك، هذا الفزع والهلع الذي يمكن ان يصيب الإنسانية عندما تدرك أنها تضع بنفسها أسباب فنائها.
هل أثبتت التجربة أن الرأسمالية تعاني خللا داخليا أثر بدرجة كبيرة على هياكلها البنيوية في العقد الماضي؟
يبدو ان ذلك كذلك قولا وفعلا، وما جرى في الداخل الأمريكي بدءا من عام 2008 دليل على ذلك، فقد كانت ظاهرة التوريق مدخلا رأسماليا ولا شك وقاد الجميع الى الدخول في متاهة من الإفلاس والاضطراب الاجتماعي، ولم يكن ذلك إلا بسبب جشع أصحاب البنوك في تحقيق أرباح خيالية من خلال إعادة الإقراض على الورق في حين إنه لا يوجد في العالم الحقيقي ما يعادل قيمة تلك الأوراق من أصول.
أدرك العديد من الأمريكيين قبل شعوب دول الجنوب أن هناك إشكالية عميقة في داخل الرأسمالية ومن هنا علا صوت البعض بأنه لا يمكننا التعايش معها، ويقول بعضهم لم نعد نريد الاستمرار في إخضاع حياتنا الاجتماعية لمتطلبات الاقتصاد وللاستغلال والسلب وتدمير الكون، وللتنافسية التي تدمر العلاقات بين الأفراد وللتقليل من مكانة الناس لتصبح الإنسانية مجرد عوامل حسابية، عوضا عن أنظمة اكثر إنسانية نمتلك فيها فضاءات للحياة تقوم على التعاون والتكاتف والصداقة والمجانية التي سحقتها المقتضيات الاقتصادية او التي تم تشويهها من الداخل بفعل السلعنة للإنتاج والأدوات.
وبالقدر الذي وجد فيه رافضون للرأسمالية في الداخل الأمريكي، هناك أصوات أخرى تعلو اليوم في أوروبا ترفض هذا الكم الكبير جدا من المنتجات المغشوشة واللعب المكسورة في عبوات تكاد تكون مفتوحة ولأشياء تم صنعها من اجل ان يتم إحلالها وتنتهي سريعا في صناديق النفايات.
ومنهم من يرفض الأوهام التي تترتب على جعل البشر مجرد مستهلكين لاهثين وراء السلع والملاهي والمتع الزهيدة التي يتم بها كل يوم مشاغلة العقول والقلوب والأحاسيس في مزاد لمن يدفع اكثر.
لكن السؤال الذي شغلنا والمؤلف معنا: هل هناك طريق واحد لتحرير المربوطين برباطات الرأسمالية؟
يقدم لنا البروفيسور جيروم جوابا مثيرا وهو انه لا توجد طريقة وحيدة لبناء عالم متحرر من الاستبداد الرأسمالي، فكل جماعة بشرية لها ظروفها المناخية، الجغرافية والديموغرافية، كذلك الدينية والإيمانية، أمامها اختيارات متعددة ووسائل تنظيم مختلفة يمكن ان تضعها موضع التنفيذ وتقوم بتصحيحها طوال فترة تجريبها حتى تكتمل.
كما أن إفساح المجال للتعددية المؤسسة للإنسانية التي تعترف بنفسها في وحدتها – تلك الوحدة التي لا ترفض تنوعها الداخلي ولا تعني الانفصال المطلق عما هو غير بشري – يفرض رسم عالمية جديدة، بعيدة كل البعد عن الأضواء التي ما هي إلا تعميم للقيم الأوروبية التي لا تؤكد الكرامة المتساوية لجميع البشر إلا بتجريدهم من خصوصياتهم الحقيقية.
يقول أصحاب الرايات الزاعقة الرافضين للرأسمالية: نحن على الطريق.. لقد نظمنا خروجنا من الرأسمالية بالرغم من قوة منطق السلعنة الذي يمتلك فن امتصاص الطاقات وإعادة تدوير حتى المساعي التي تبدو الأكثر تضادا مع المنهجية.
ومع ذلك فان قوة تحرك هؤلاء وتصميمهم لن يكفي، حيث إنهم يجب ان يواجهوا هيمنة رأسمالية في أوجها، والتي تبدي الروعة المفجعة لحركيتها التاريخية وقادرة على أن تغرس في الجسد المجتمعي الاقتناع الكامل بمشروعيتها.
يطلق بعض المحللين الاقتصاديين على الفترة الحالية اللازمة الأخيرة للرأسمالية، والتي يمكن ان تسهل من مهمتنا بإضفاء صفة الوهن العضال للعدو الرأسمالي، كذلك فان إعلان نهايته يمكن ان ينشئ كذلك مجتمعا متحررا من بربرية لا تزال كبيرة، ولكن من التهور ضمان الفرضية التي تعني التحديد المسبق لمستقبل حتمي والخطر من الاستهانة مرة أخرى بقدرة الرأسمالية على التكيف والتحول.
خلاصة رؤية البروفيسور «جيروم باشيه» هي ان الطريق يبتعد كثيرا عن الوصفات الثورية القديمة حيث تجارب القرن العشرين أثبتت فشلها الذريع، ولكن يمكن أن يتصل الطريق بمسارات أكثر خفاء للشعوب التي عرفت كيف تقاوم ضد القوة المدمرة للاستعمارية وللرأسمالية، وان تبقي على أشكال الحياة وتحافظ عليها جزئيا من العبودية لها.
لا يوجد طريق ممهد ولن يوجد أبدا طريق وحيد، ومع ذلك فقد حان الوقت لإسراع الخطى لأن نكون مستعدين لما لا يمكن التنبؤ به، كرامتنا الآن تجد القدرة اللازمة والضرورية من أجل ان نزعزع أشكال الإذلال والسلب التي قامت المجتمعات الرأسمالية بطبعها على طريقة سلوكنا مدعوما بنزع الشرعية المتزايدة للنظام الرأسمالي وحقيقة جنونه القاتل للإنسانية والإبادة البيئية، شعونا بالمستقبل ينبعث من جديد، غضب الكرامة في مواجهة إهانات الحاضر واللهفة المضطرمة لتجربة وجود آخر فردي وجماعي يتشابك ويتقوى بشكل متبادل.
لا يوجد شيء مكتوب، وإنما على الأقل نحن نعلم بماذا نتمسك.. بالرأسمالية أم بالحياة؟