مسلمو أوروبا وتبعات اليمين الشـعبوي.. ألمانيـا نموذجا

إميل أمين –
تبدو أوروبا في الآونة الأخيرة أمام استحقاقٍ كبير وخطير في الوقت ذاته، يتّصل برؤاها التنويريّة، وقيمها الأخلاقيّة، ولاسيّما العدالة والمساواة والإخاء التي باتت في مهبّ رياح الشعبوية التي تجتاحها بفعل عوامل كثيرة، وأصبح المُغايرون، عرقاً وجنساً، ولا سيّما إذا كانوا من مسلمي العالَم، والشرق الأوسط تحديدا، هُم الفئة المرشَّحة لأن تكون الضحيّة الأولى بكلّ تأكيد وتحديد.

والثابت أن الاضطرابات المالية والاختلالات الاقتصادية التي عانت منها أوروبا، وأدت حكما إلى انخفاض قوة الأوروبيين الشرائية، وقد أسهمت بدور واضح في توليد حالة من الغضب لدى جموع الأوروبيين، ونفذ البعض منها إلى الأجانب والمسلمين بخاصة لصب جام غضبهم عليهم؛ إذ استغلت الشعبوية اليمينية اللجوء والهجرة والهوية والجوانب الأمنية لإثارة الإسلاموفوبيا والعنصرية وكسب دعم الأوساط الشعبية.

ألمانيا والإسلام .. إشكالية سيهوفر

في النصف الأول من شهر (مارس) المنصرم، أطلق وزير الداخلية الألماني الجديد «هورست سيهوفر» تصريحا مثيرا لغضب مسلمي أوروبا؛ إذ اعتبر أن الإسلام لا يمثل جزءا من ألمانيا التي شدد على هويتها المسيحية بالمطلق، رافضا اعتبار أيام الأعياد الإسلامية عطلة رسمية.
تستدعي تلك التصريحات تساؤلا جوهريا عن منطلقها، وعما إذا كانت نوعا من المزايدة على التيارات اليمينية الألمانية التي حازت على نحو مائة مقعد في «البوندستاج» الألماني الحالي، ممثلة في حزب البديل من أجل ألمانيا؟ أم إن التصريحات تأتي كتعبير عن رؤية وتوجه حقيقيين متجذرين في النفس الأوروبية، على الرغم من قرون التنوير الأخيرة، وقد جاءت تطورات الأحداث في الشرق الأوسط، وما استتبعها من تيارات هجرة وموجات لاجئين لتمسح عنها الغبار من جديد؟
اللافت أن تصريحات «سيهوفر» وردت في أطر منافية ومجافية لما سبق، وأقرت به المستشارة الألمانية «أنجيلا ميركل» التي أشارت إلى أن الإسلام هو بالفعل جزء من تاريخ ألمانيا، وبالتبعية حاضرها وكذا مستقبلها.
هذا المفهوم أكده الناطق باسم «ميركل» حين أشار إلى أن ألمانيا بلد تقاليده يهودية مسيحية بالفعل، ولكن وجود ملايين من المسلمين يعني «من وجهة نظر قيمنا وقانوننا وديانتنا أن الإسلام يشكل جزءا من ألمانيا».

عن انتكاسة التعايش المشترك

ضرب فيروس التعصب والتشدد ألمانيا، ومعه بات رهاب الإسلام «الإسلاموفوبيا» واقع حال معاصر، ولعل منطقة «حوض الرور» الذي كان يعرف سابقا باسم «بوتقة الاندماج» أضحت دليلا سيئا على الانتكاسة التي تعشيها القيم التقدمية لألمانيا.
تاريخيا كانت تلك المنطقة مصب تجمع للعمال، من إيطاليا وإسبانيا واليونان الذين احتاج إليهم الألمان لتسيير عجلة الصناعة فيها آنذاك، فيما القسم الأكبر منهم جاء من مسلمي تركيا.
لقد اعتبر «حوض الرور» سابقا ملاذا للمهاجرين، فيما اليوم، ووفقا لتقرير جديد نشرته مؤسسة «بروست» الألمانية، بات مثالا للاطراد المتزايد في مشاعر الإسلاموفوبيا، وعدم الثقة بين المجتمعات المحلية والمهاجرين.
لا تقتصر مخاوف رفض التعايش الواحد على منطقة بعينها في الداخل الألماني، بل تمتد إلى عدد من المدن الكبرى في شمال ألمانيا وجنوبها، الأمر الذي دعا العديد من الصحف الألمانية إلى التحذير من الاعتداءات المتتالية على المسلمين في البلاد، إذ غالبا ما تشتكي مرتديات الحجاب المسلمات من التعرض للإساءة في الحياة اليومية، ووقوع اعتداءات جسدية أيضا على البعض منهن، وإن لم تتوافر بعد إحصائيات مستقلة في هذا الشأن.

انقسام تجاه الرؤية إلى الإسلام

إن علامة الاستفهام التي يتوجب طرحها في هذا السياق هي عما إذا كانت ألمانيا بعمومها تمضي وراء الشعارات المتشددة والرافضة للإسلام والمسلمين، أي عما إذا كان اليمين الأوروبي المتطرف قد ساد في الداخل الألماني مرة وإلى الأبد كما يقال؟
الشاهد أنه منذ أن أطلق «سيهوفر» تصريحاته الشوفينية تلك، تتعمق حالة من الانقسام في الأحزاب السياسية الألمانية، وتعتري كذلك المسؤولين الألمان من وزراء وعمد المدن الكبرى، وقيادات سياسية وحزبية. بعض الأصوات تؤجج الصراع، وكأنها تسعى لأن تبقى النيران مشتعلة. ومن عينة تلك العقليات «ماركوس بلوم» الأمين العام للاتحاد الاجتماعي المسيحي البافاري، الذي انتقد في حوار له مع صحيفة «فيلت أم زونتاغ» الدعوات المطالبة بوضع حد للجدل الذي أثارته تصريحات «سيهوفر» قائلا: «لا يجب قمع هذا النقاش، بل يجب مواصلته حتى النهاية».
لكن في المقابل تبدو هناك أصوات أكثر عقلانية واعتدالا من نوعية رجالات حزب الخضر، فقد صرحت رئيسة الكتلة البرلمانية للحزب «كاترين جورينغ– إكارت» أنها تريد «توجيه رسالة واضحة تفيد بأن لا تسامح مع العنف في بلدنا أيا كان مصدره أو الجهة المستهدفة»، واعتبرت أن «سيهوفر» أهان مشاعر المسلمين بتصريحاته عن الإسلام معتبرة الأمر فضيحة.
الذين استمعوا إلى تصريحات وزيرة العدل الألمانية الجديدة «كاتارينا بارلى» ربما التبس عليهم الأمر. لكن بتحليل وتفكيك دقيقين لما قالته يثبت لدينا أن ألمانيا لا تزال دولة ذات مبادئ وإن كانت المخاوف تظلل سماواتها بشكل كبير؛ إذ أشارت إلى أن النقاشات النظرية حول ما قيل قد أجريت على مدار فترة كافية، وأن المهم إيجاد حلول عملية توفر تعايشا مشتركا وحلا لجميع العقبات، وأن القانون الأساسي، أي الدستور، سيظل أساس تعايشنا.
أما «ميركل» فقد اعتبرت تصريحاتها «جوهرة التاج» إن جاز التعبير، إذ جددت تأكيدها على أن «المسلمين ودينهم جزءٌ من ألمانيا».
مسلمون وكاثوليك .. في حوار ألماني

لا تزال هناك في الداخل الألماني «ركب لم تجث لبعل الكراهية»، وأنفسٌ ترفض جرائم العنف والاعتداء على الآمنين، وأصحاب مؤسسات ورؤى تمضي في طريق تعميق الحوار والجوار، بعيدا عن الخصام والافتراق. من هنا يمكننا الإشارة إلى الدعوة التي وجهها مجلس أساقفة ألمانيا الكاثوليك لممثلي الجاليات الإسلامية، بهدف بلورة رؤية جديدة للتلاقي الإيجابي والخلاق.
كانت مدينة فرانكفورت هي حاضنة اللقاء الذي جرى بين رئيس لجنة الحوار ما بين الأديان التابعة لمجلس الأساقفة المحلي المطران «غيورغ باتسنغ» وحوالى مائة شخصية مسلمة مثلت الجاليات المسلمة المختلفة المقيمة في ألمانيا.
الأسقف الألماني أكد على أن هذا اللقاء هو الأول من نوعه، وقد شاءه مجلس الأساقفة الكاثوليك في ألمانيا من أجل تنشيط وتسليط الضوء على أهمية الحوار الإسلامي – المسيحي بالنسبة إلى المجتمع الألماني. وقد كان في مقدمة المشاركين في هذا اللقاء رئيس الرابطة المسلمة الألمانية، ورئيس المجلس الإسلامي في ألمانيا، ورئيس الجماعة المسلمة الأحمدية.
أحد الأصوات الأكثر عقلانية التي شاركت في اللقاء، كان البروفيسور الأب «فيليكس كورنور» أستاذ لاهوت الأديان في جامعة «غريغوريانا» الحبرية في روما الذي ألقى مداخلة أشار فيها إلى الحكمة التقليدية للمسيحية والإسلام، تلك التي تتضح عندما تتعمق حالة الحوار والجوار بين المسيحيين والمسلمين، ويمكنها أن تسهم في صقل العيش المشترك في ألمانيا، كما أن تلك المسؤولية المشتركة قادرة على تغذية آفاق جديدة للفكر الديني وتطويرها، وباستطاعتها أيضا أن تقدم لنا وجهات نظر جديدة على الصعيد الخلقي والأدبي، فضلا عن أفكار جديدة لنقل القيم.
ولعل التساؤل يكمن في كيف يمكن للأديان في ألمانيا أن تكون أداة للم الشمل لا آلية للتفريق؟
المؤكد أنه يمكن لألمانيا أن تتمتع بإسهام التقاليد الدينية المختلفة التي تملك مؤسسات، وهي عبارة عن بيوت للرياضات الروحية، ومدارس للاهوت الروحي، وأماكن للتعليم وتنشئة أشخاص يقفون إلى جانب كل من يبحث عن الله ويساعدونه على النمو.
يمكن للأديان في ألمانيا أن تبحث عن العوامل المشتركة في العمق الروحي، لا التمحور حول الإشكاليات الظاهرية التي تحرف الأنظار عن جوهر القضايا الإنسانية والإيمانية ومركزيتها، وفي عالم يموج بدعاوى الشخصانية والفردية، وكأن الكون مرشح لخدمته دون غيره من بني البشر.

بين خيارات التصادم وإمكانيات الالتحام

هل المشهد الأوروبي بعامة وليس الألماني فقط أمام حالة جذرية من الخيار بين إقامة الجسور أو بناء الجدران؟
الشاهد أن هناك تصاعدا ديموغرافيا للمسلمين في أوروبا لا يمكن تجاهله. فأوروبا لن تكون كما عهدناها من قبل، فهي تواجه احتمالات عدة، ترتبط ارتباطا أساسيا بالتغيرات والتطورات السياسية، ففي حال استمر تصاعد تيار اليمين الأصولي المتشدد في أنحاء البلاد كافة، وهيمنته على الساحة السياسية، وحتى إذا قرر أنصار هذا التيار إغلاق الحدود، فإنه لا يمكن لهم إيقاف التغيير؛ لأن معدل نمو السكان الأصليين الأوروبيين هو 1.6 طفل لكل امرأة، أما المعدل عند المسلمين فيصل إلى 2.6 طفل.
أما إذا لم يتم حسم قضية الهجرة في الاتحاد الأوروبي وإخضاعها لرقابة صارمة، فإن النمو الأكثر احتمالا للسكان المسلمين سيصل إلى 11%. وبحلول عام 2050 سترتفع هذه النسبة في المملكة المتحدة إلى 16%، وفي السويد إلى 20%. ويبقى السيناريو الأكثر أصولية وغير الممكن التنبؤ بتحولاته في الاتحاد الأوروبي هو الحفاظ على النمو المحقق في السنوات الأخيرة. أما الحفاظ على الهجرة بالمستوى نفسه، فيعني أنه بحلول عام 2050 سيكون عدد المسلمين في السويد على سبيل المثال 30% من السكان، وفي النرويج المجاورة نحو 17%.

أمام إشكالية الاندماج وقبول الآخر

ماذا تعني الأرقام المتقدمة؟ إنها تقودنا بلا شك إلى القول: إنه لا مناص من السير في طريق الاندماج من جانب المهاجرين الجدد، بمن فيهم من المسلمين، ولا يعني الاندماج هنا ذوبان أو ضياع الهوية الدينية بالضرورة، بل الالتحام الخلاق والفعال بالمجتمع، وفي الوقت ذاته الحفاظ على السيرة والهوية والكيان الإيماني، حتى وإن اكتسى بلمحات ولمسات تفرضها البيئة المحيطة إيكولوجيا وجغرافيا وديموغرافيا.
وعلى الجانب الآخر، لا بد للأوروبيين بعامة والألمان في مقدمتهم، من الإيمان بأن المسلمين بشر أسوياء، يمكن قبولهم من ضمن السياقات الحضارية الغربية، والمواطنة في مقدمة تلك الأطر التي تعزز من قبولهم، وأن التقارب بين المسلمين والأوروبيين يمكن أن يقوم عبر البحث في قدرة الإسلام ودوافعه المؤهلة لأن تكون قريبة من وجهات النظر السائدة في الغرب، وتكثيف الجهود وتعميق الفعاليات المشتركة. هكذا، فإن واقعا جديدا يمكن أن تشهده أوروبا لبناء كيانات إنسانية تتوافر فيها شروط الأنسنة الجديدة والجيدة، بعيدا عن إسقاطات الماضي، أو إحياء النعرات الطائفية والمذهبية الماضية.
قد تكون ألمانيا اليوم النموذج المرشح للحكم من خلاله على مستقبل التعايش والتعاون بين المسلمين والأوروبيين، وقد عرفت العقلية الألمانية تاريخيا بأنها مثالٌ للدقة والتنظيم والالتزام؛ فهل ستنجح في اجتياز هذا الاختبار الحساس؟
يأمل المرء أن يكون ذلك كذلك لخير الألمان والمسلمين والإنسانية جمعاء.
*كاتب وإعلامي من مصر