التـجـارة الـعـــالـميــة فـي خـطـر

بسبب الحروب التجارية والعقوبات الاقتصادية –
عمان – وكالات: عقوبات جديدة على روسيا، وإعادة فرض عقوبات اقتصادية على إيران، وحرب تجارية على استحياء تفرضها واشنطن على أوروبا، ومشتعلة ومتبادلة بين واشنطن وبكين، إذن إلى أين يتجه العالم اقتصاديا؟ وإلامَ ستفضي مثل هذه الحروب إلا إلى مزيد من التوترات السياسية والتجارية معا؟.. ويبدو أن البعض لا يفضل الحلول التفاوضية والدبلوماسية، ويتبنى القرارات الفورية الملزمة التي مبعثها بلا شك هو القوة والقدرة.. ولنبدأ من الآخر حيث وصفت السفارة الروسية في واشنطن العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة ضد موسكو أمس الأول بـ”المجحفة والصارمة”، واعتبرت أنها “جاءت تحت ذريعة مختلقة وملفقة ودون تقديم أي مبرر منطقي”.

ونقل موقع “روسيا اليوم” أمس عن البعثة الدبلوماسية الروسية في واشنطن: “أبلغت وزارة الخارجية الأمريكية مستشار السفارة الروسية عن فرضها عقوبات وحشية مجحفة جديدة تحت ذريعة كاذبة وملفقة هي استخدام الحكومة الروسية غاز الأعصاب /‏‏‏نوفيتشوك/‏‏‏ ضد المواطن سيرجي سكريبال وابنته في المملكة المتحدة، على الرغم من انعدام أي حقائق أو أدلة، كما سبق القول”. وقالت إن “ الجانب الأمريكي تذرع بسرية معلوماته، ورفض إعطاء تفسير عندما طلبنا منه ذلك”. وشددت السفارة على أن روسيا “لا تزال تصر على إجراء تحقيق شفاف في الحادث”.
وأعلنت الولايات المتحدة فرض عقوبات جديدة على روسيا، قائلة إنها توصلت إلى قرار نهائي بأن حكومة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تتحمل مسؤولية محاولة قتل الجاسوس الروسي السابق سكريبال وابنته يوليا في بريطانيا باستخدام غاز الأعصاب في 4 مارس الماضي.
وذكرت وزارة الخارجية الأمريكية في بيان أنه وفقا لقانون الحد من الأسلحة الكيماوية والبيولوجية والتخلص منها الصادر عام 1991ـ فقد تأكد أن روسيا “تستخدم أسلحة كيماوية أو بيولوجية منتهكة القانون الدولي”. وقال مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية إنه إذا لم تتمكن روسيا من أن تثبت في غضون 90 يوماً أنها لم تعد تستخدم الأسلحة الكيماوية وتسمح بإجراء عمليات التفتيش، فإن الولايات المتحدة قد تفرض شريحة ثانية من العقوبات.
جاء ذلك عقب إعادة فرض الولايات المتحدة الأمريكية عقوبات اقتصادية على إيران، دخلت حيز التنفيذ يوم الثلاثاء الماضي.
و حذر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العالم من التعامل تجاريا مع إيران مشيدا بالعقوبات التي فرضتها واشنطن واصفا إياها بأنها “الأكثر إيلاما على الإطلاق”، وسط مزيج من مشاعر الغضب والقلق والتحدي في الجمهورية الإسلامية.
وقال ترامب في تغريدة على “تويتر” إن “العقوبات الأمريكية فُرضت رسميا. هذه العقوبات هي الأكثر إيلاماً التي يتم فرضها على الإطلاق، وفي نوفمبر، سيتم تشديدها إلى مستوى جديد”.
وأضاف “إن أي جهة تتعامل تجاريا مع إيران لن يكون بإمكانها التعامل تجاريا مع الولايات المتحدة. لا أسعى إلى شيء أقل من السلم العالمي”.
وسارعت كل من موسكو ودمشق إلى إدانة التحرك الأمريكي، حيث أعربت روسيا عن “خيبة أملها الشديدة” مؤكدة أنها “ستقوم بكل ما يلزم” لحماية الاتفاق النووي وعلاقاتها الاقتصادية مع إيران، في حين وصفت الحكومة السورية العقوبات بأنها “غير مشروعة”.
واستقبل وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف نظيره الكوري الشمالي ري يونغ هو، فيما تواجه بيونغ يانغ ضغوطاً أمريكية للتخلص من أسلحتها النووية.
ووعد ترامب منذ كان مرشحا للرئاسة، بالانسحاب من الاتفاق النووي الذي أبرمته طهران مع قوى عالمية في 2015 وهو ما قام به بالفعل في 8 مايو الماضي.
وأثار الانسحاب الأمريكي الأحادي استياء الأطراف الموقعة الأخرى، لا سيما الأوروبيين الذين أبدوا تصميمهم على الحفاظ على النص. لكن العديد من الشركات الغربية ترى ارتباطاتها التجارية مع إيران مهددة بفعل العقوبات.
وتشمل الرزمة الأولى من العقوبات الأمريكية التي دخلت حيز التنفيذ تجميد التعاملات المالية وواردات المواد الأولية، كما تستهدف قطاعي السيارات والطيران التجاري.
ومن المرجح أن تكون وطأة العقوبات قاسية على الاقتصاد الإيراني الذي يواجه بالأساس صعوبات أثارت في الأيام الأخيرة موجة احتجاجات اجتماعية ضد معدل بطالة مرتفع وتضخم شديد، وقد تدهور الريال الإيراني فخسر حوالى ثلثي قيمته خلال ستة أشهر.
وقال عامل بناء في طهران يدعى علي بافي لوكالة فرانس برس “أشعر بأن حياتي تتدمر، الوضع الاقتصادي في الوقت الحالي يعني الموت للطبقة العاملة، العقوبات تؤثر من الآن سلبا على حياة الناس. لا يمكننا تحمل تكاليف شراء الطعام ودفع الإيجارات”.
من جهته قال علي فائز، الباحث في مجموعة الأزمات الدولية، في مقابلة مع وكالة فرانس برس في واشنطن الثلاثاء، إنّ الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران وإعادة فرض العقوبات على طهران هو “أحد أكبر الأخطاء في السياسة الخارجية الأمريكية منذ الحرب في العراق”.
وقال الباحث في معهد “كاتو” للدراسات جون جليزر إن الولايات المتحدة تعتبر العقوبات “وسيلة ضغط من أجل أن تعود إيران إلى طاولة المفاوضات، بهدف تعديل شروط الاتفاق بما يناسبها، وهذا لن يحصل”.
وقال روحاني في المقابلة التلفزيونية “إذا كنت عدوا وطعنت شخصا بسكين لتقول بعدها إنك تريد التفاوض، فأول ما عليك فعله هو سحب السكين”.
ولفت روحاني إلى أن بلاده “لطالما رحّبت بالمفاوضات”، لكن على واشنطن أن تثبت أولا حسن نواياها بالعودة إلى اتفاق 2015.
ويُتوقع أن يكون تأثير الحزمة الثانية من العقوبات التي ستدخل حيز التنفيذ في 5 نوفمبر وتستهدف قطاع النفط الذي يعد حيويًا بالنسبة إلى إيران، الأشد وطأة حتى لو رفض أبرز مستوردي الخام الإيراني كالصين والهند وتركيا تقليص مشترياتهم إلى حد كبير.

موقف الحلفاء

وردا على هذه العقوبات أكد وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي فاتح دونماز، أن تجارة الطاقة القائمة بين بلاده وإيران، ستستمر وفق الاتفاقات المبرمة بين الجانبين، طبقا لما ذكرته وكالة أنباء الأناضول الرسمية التركية .وأضاف دونماز في مقابلة مع إحدى القنوات التركية الخاصة، أن بلاده تشتري سنويا نحو 9.5مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي من إيران.
وأشار المسؤول التركي إلى عمق العلاقات التجارية القائمة بين البلدين، مضيفا “الاتفاق المبرم بشأن استيراد الغاز الطبيعي من إيران، مستمر حتى 2026”.
وأضاف أن الحظر المفروض على إيران، “هو من طرف الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، وأن الاتحاد الأوروبي مستاء للغاية من العقوبات الأمريكية المفروضة على طهران”.
وفيما يخص تنقيب تركيا عن الغاز الطبيعي والنفط، في البحر المتوسط، أوضح دونماز أن سفينة تنقيب تركية تقوم بعمليات في البحر المتوسط منذ نحو خمسة أعوام، وأن التنقيب في المياه العميقة سيبدأ لأول مرة هذا العام، وتابع: “للقيام بالتنقيب في المياه العميقة، قمنا بتخصيص سفينة وهي قيد الصيانة حاليا في أنطاليا جنوب تركيا، وخلال مدة أقصاها شهران سيتم البدء بعملية التنقيب”.

الصين تدافع عن إيران

وردا على العقوبات الأمريكية قالت وزارة الخارجية الصينية إن روابط الصين التجارية مع إيران منفتحة وشفافة ومشروعة، وكانت إيران قد رفضت في اللحظة الأخيرة عرضا من إدارة ترامب بإجراء محادثات قائلة إنها لا يمكن أن تتفاوض بعد أن تراجعت واشنطن عن الاتفاق النووي الذي أبرم عام 2015 وينص على تخفيف العقوبات مقابل فرض قيود على البرنامج النووي الإيراني. وأقامت الصين علاقات تجارية وثيقة مع طهران خاصة في قطاع الطاقة. وقالت الخارجية الصينية في بيان أرسلته بالفاكس لرويترز ردا على أسئلة بشأن العقوبات الأمريكية الجديدة وتهديدات ترامب للشركات التي تجري أعمالا مع إيران، إن بكين تعارض دوما العقوبات أحادية الجانب و”سياسة الذراع الطويلة”. وأضافت “التعاون التجاري الصيني مع إيران منفتح وشفاف ونزيه ومشروع ولا ينتهك أيا من قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة”.
وتابعت “يتعين احترام حقوق الصين المشروعة”. وتشتري الصين، وهي أكبر مستورد للنفط الإيراني، نحو 650 ألف برميل يوميا من طهران أي نحو سبعة بالمائة من إجمالي واردات الصين. وبأسعار السوق الراهنة تبلغ قيمة هذه الواردات 15 مليار دولار سنويا.
واستثمرت شركتا النفط الحكوميتان مؤسسة البترول الوطنية الصينية (سي.ان.بي.سي) وسينوبك مليارات الدولارات في حقول نفط إيرانية رئيسية مثل حقل يادافاران وحقل شمال أزاديجان وكانتا تنقلان النفط إلى الصين، ووعدت الدول الأوروبية بمحاولة التخفيف من تأثير العقوبات الأمريكية الجديدة من أجل إقناع إيران بمواصلة الالتزام ببنود الاتفاق.
لكن اتضحت صعوبة هذا الأمر مع انسحاب الشركات الأوروبية من إيران قائلة إنه لا يمكنها المغامرة بخسارة معاملاتها مع الولايات المتحدة.
ولدى عدد قليل من الشركات الأمريكية أعمال في إيران لذلك فإن تأثير العقوبات يعتمد على قدرة واشنطن على منع الشركات الأوروبية والآسيوية من إقامة أعمال هناك.
ومن بين الشركات الأوروبية الكبيرة التي علقت خططا طموحة للاستثمار في إيران استجابة للعقوبات التي فرضها ترامب شركة توتال النفطية الفرنسية وشركتا رينو و(بي.إس.إيه) الفرنسيتان لصناعة السيارات.

الحرب التجارية

منذ فترة وجيزة نشبت الحرب التجارية بين واشنطن وحلفائها التجاريين في أوروبا والصين، وخفت حدة هذه الحرب مع أوروبا بينما تفاقمت مع الصين في ظل فرض عقوبات متبادلة بين الطرفين لا زالت أصداؤها تتصاعد، حيث نشرت الولايات المتحدة الأمريكية الثلاثاء الماضي قائمة نهائية للرسوم تستهدف 279 سلعة مستوردة .و هو أحدث إجراء يتخذه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للضغط على الصين للتفاوض على تنازلات تجارية بعد فرض رسوم على سلع بقيمة 34 مليار دولار الشهر الماضي. وتوعدت الصين بالرد بإجراء على نفس الدرجة.و قال مكتب الممثل التجاري الأمريكي إن الولايات المتحدة ستبدأ تحصيل رسوم بنسبة 25 بالمائة على واردات صينية أخرى بقيمة 16 مليار دولار في أغسطس . وتستهدف القائمة الجديدة التي تضم سلعا قيمتها 16 مليار دولار أشباه الموصلات من الصين، وإن كان الكثير من الرقائق الأساسية في هذه المنتجات يأتي من الولايات المتحدة وتايوان وكوريا الجنوبية.
كما ستُطبق الرسوم البالغة 25 بالمائة أيضا على مجموعة واسعة من المنتجات الإلكترونية والبلاستيك والكيماويات ومعدات السكك الحديدية المستوردة من الصين.
وعبرت رابطة صناعة أشباه الموصلات عن خيبة أملها من قرار مكتب الممثل التجاري الأمريكي الإبقاء على القطاع في قائمة الرسوم. وكان مكتب الممثل التجاري رفع عددا من السلع من قائمته الأصلية بعد فترة من فتح الباب للتعليقات العامة والمراجعة على مدى 46 يوما خلص فيها إلى أنها ستسبب “ضررا اقتصاديا جسيما”. وبعد القائمة الجديدة، يصل إجمالي قيمة الواردات الصينية التي تواجه رسوما نسبتها 25 بالمائة إلى نحو 50 مليار دولار في ظل الحرب التجارية التي تتصاعد سريعا وقد تؤدي في نهاية المطاف إلى فرض رسوم على جميع السلع المتداولة بين أكبر اقتصادين في العالم.
ولم يكن الإعلان عن فرض هذه الرسوم المشددة على شريحة إضافية من المنتجات الصينية مفاجئا؛ فالبيت الأبيض أعلن في يونيو عزمه على اتخاذ هذه التدابير العقابية في إطار النزاع التجاري بين البلدين، سعيا لخفض العجز الهائل في الميزان التجاري الأمريكي حيال الصين. لكن الإعلان عن هذه الشريحة الثانية يثبت أن المفاوضات متعثرة بين واشنطن وبكين. ومضى البيت الأبيض الأسبوع الماضي أبعد في تهديداته، إذ أعلن الممثل التجاري الأمريكي روبرت لايتهايزر أن الولايات المتحدة تدرس إمكانية فرض المزيد من الرسوم الجمركية على البضائع الصينية. وقال في الأول من أغسطس “هذا الأسبوع، كلّفني الرئيس النظر في إمكان زيادة الرسوم الجمركية من 10 إلى 25%” على واردات صينية تصل قيمتها إلى 200 مليار دولار. وردت الصين في اليوم نفسه محذرة من اتخاذ تدابير مضادة في حال حصل أي تشديد جديد للرسوم الجمركية . وحذر المتحدث باسم الخارجية الصينية جينج شوانج بأن “الابتزاز والضغوط لا تجدي نفعا مع الصين”. وأعلنت بكين في اليوم ذاته أنها تدرس فرض رسوم مشددة من 5 إلى 25% على 5207 أصناف من المنتجات الأميركية تبلغ قيمتها الإجمالية 60 مليار دولار. وتتراوح هذه البضائع بين اللحوم والنسيج، وتشمل أيضا مركبات كيميائية وطائرات صغيرة والغاز الطبيعي المسيل، وصولا إلى نوع من الواقي الذكري.
وسخر مستشار ترامب الاقتصادي لاري كادلو الجمعة بهذا الرد الصيني الذي وصفه بأنه “ضعيف”.
وتخوض الولايات المتحدة والصين رغم ترابطهما على الصعيدين المالي والاقتصادي، حربا تجارية قد تنعكس على نموهما الاقتصادي وتؤثر على المستهلكين في البلدين. واندلع الخلاف في نهاية مارس حين فرضت واشنطن رسوما جمركية مشددة على الصلب والألمنيوم الصينيين بنسبة 25 و10% على التوالي. وفي 6 يوليو، فرضت شريحة أولى من الرسوم الجمركية المشددة على 34 مليار دولار من البضائع المستوردة من الصين.
وردت بكين بفرض رسوم مشددة على بضائع أمريكية بالقيمة ذاتها.