حـان الوقـت للخــروج من أفغانستان … وهناك طريقة صحيحة للقيام بذلك

بقلم فريد زكريا –
واشنطن بوست –
من الضروري جداً لواشنطن أن تقرر ما إذا كانت ستتعامل بجدية مع الملف الأفغاني . لا يمكن لواشنطن ، على سبيل المثال ، الاستمرار في تمنية النفس بتغيير النظام في إيران ، في الوقت الذي تتمنى فيه ببساطة أن يكون هناك أمل في التسوية في أفغانستان .

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان قد قاد حملته الانتخابية على اعتبار أنه الشخص الذي يريد إخراج أمريكا من الشرق الأوسط ، لكنه أيضاً ظهر بمظهر الرجل القوي وكان من بين أول ما بدر من تصرفاته الغريزية إظهار القوة وزيادة الحشد العسكري لأمريكا في الخارج ورفع مستوى قواعد الاشتباك في المناطق التي تدير فيها أمريكا حربها، بما في ذلك صناعة قنابل أكبر، وصرح في إعلانه لزيادة القوات المسلحة في أفغانستان قائلاً : إن «هؤلاء القتلة عليهم أن يعلموا أنه ليس لهم مكان للاختباء» .
الآن تردنا تقارير تقول إن إدارة ترامب تبحث في إمكانية الوصول إلى تسوية تفاوضية مع حركة طالبان . الإدارة الأمريكية ، بالرغم من أنها تسلك طرقاً معرّجة ، يبدو أنها تسير في الاتجاه الصحيح . إلاّ أنه طريق صعب المراس.
وأصبحت الحرب في أفغانستان التي اندلعت في عام 2001 اليوم أطول عملية عسكرية في التاريخ الأمريكي . تواجد القوات الأمريكية هناك لا يمكن مقارنته بتواجدها في ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية . القواعد الدائمة في تلك البلدان تم تصميمها لردع العدوان الخارجي (من كوريا الشمالية على سبيل المثال) . أما في أفغانستان فكانت الولايات المتحدة الأمريكية قد جنّدت نفسها لضمان عدم قيام التنظيمات المسلّحة بقلب الحكومة في كابول ، وهذا ما يمكن وصفه بتدخّل قوة خارجية لدعم صديق محلّي في بلاد الآخرين . لهذا السبب بحثت كل من إدارة الرئيسين الأسبقين بوش وأوباما فرص التوصل لمخرج من أفغانستان ، لكنهما وجدتا أن من الصعوبة القيام بمجرّد الانسحاب وإعلان النصر في نفس الوقت . أولاً يجب القبول بأن طالبان تتقدم بينما القوات الأمريكية تنسحب ، وهذا يضع الحكومة المنتخبة ديمقراطياً (في كابول) في موقف خطير جداً . ثانياً ، كانت هناك خشية من أن انسحاب أمريكا سيترك فراغاً من الممكن أن تقوم بملئه أي واحدة من القوى الإقليمية أمثال الهند والصين وإيران وروسيا . وثالثاً ، بالرغم من تعدد الوظائف ، فإن حركة طالبان ليست بحركة واحدة يمكن التفاوض معها مباشرة ، بل عدد من الحركات المنبثقة عن طالبان.
بالرغم من ذلك لا يمكن تصوّر أن الولايات المتحدة ستظل قابعة في أفغانستان للأبد . تواجدنا (في أفغانستان) يشوّه صورة السياسة الخارجية الامريكية ، ويربط العديد من الموارد الحيوية بمنطقة واحدة من مناطق اهتمامنا كأمريكيين. كما أن التواجد الأمريكي في أفغانستان سيزيد من اتكالية الحكومة الأفغانية الضعيفة . الولايات المتحدة تصرف نحو (45) مليار دولار كل عام على الأمن والمساعدات الاقتصادية في أفغانستان ، وهذا أكثر من ضعف الناتج الإجمالي المحلي الأفغاني برمّته .
إذاً ، ما هي الاستراتيجية الصحيحة للخروج من أفغانستان؟ في مقال أصدرته مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية قال المفكّر البارز (بارنت روبن) إن أية تسوية سياسية في أفغانستان ستكون صعبة للغاية وستتطلّب مفاوضات مع كل من طالبان والقوى الإقليمية.
الحقيقة المركزية التي لا ينبغي تجاهلها ويجب أن تفهمها واشنطن هي ضرورة السماح لطالبان بتولّي دور رسميّ أكثر في تشاطر السلطة . في تقرير صدر عام 2014 من جامعة راند (بيتسبورغ) قال اثنان من الباحثين في نتائج البحوث إن تاريخ الحركات المسلّحة (الطويلة الأمد في المقاومة) يشير إلى أن إنهاء تمرّد هذه الحركات عادة ما يتحقق بإدخالها في النظام السياسي الجديد .
في محادثة أجريتها معه قدّم (روبن) بعض الخطوط العريضة لمسار ممكن للتسوية السياسية في أفغانستان . أوّلاً حذر (روبن) من ترك الهيئة العسكرية تتولى زمام المفاوضات لأن رسالتهم الصريحة الوحيدة للمسلحين تقول «إما أن تقبلوا بالتسوية وإما أن تموتوا» حسب ما جاء على لسان القائد الأعلى للقوات الأمريكية في أفغانستان (الجنرال جون دبليو نيكولسون) . في تعليقه على هذه التصريح قال (روبن) أن هذه ليست الطريقة الصحيحة لبدء الحوار مع شعب تعتبر مسألة الشرف هي عماد ثقافته ، ومسألة الشرف هذه أكبر بكثير من ما يسمى بـ«الإسلام الإرهابي» .
وأضاف (روبن) إن هذا الصراع ليس له حل عسكري صرف . لو كان مثل هذا الحل ناجعاً لما استمرت الحرب التي دخلت عامها السابع عشر هذه السنة . وأوضح قائلاً إن حتى الإبقاء على التواجد العسكري على ما هو عليه الآن يتطلّب روابط سياسية أفضل مع جيران أفغانستان ، وقال: « انظر إلى خارطة أفغانستان…ستجد أنها محصورة في حدود بريّة » ، وأضاف: أمريكا تحتاج طرق إمدادات ؛«فالدول الثلاث التي يمكنها منح إمكانية الوصول لأفغانستان هي باكستان وروسيا وإيران – وعلاقاتنا سيئة مع كل من هذه الدول الثلاث.»
نصيحة (روبن) الأساسية هي العمل الجاد على المسار الدبلوماسي ، بدءاً بالإقرار بأن هناك دولا أخرى لها مصلحة في أفغانستان ، ويجب التعامل معها . الناتج النهائي إذا أُريد له أن يكون ناجحاً سيكون معتمداً تماماً على مدى المشاركة من جانب كل من الهند وباكستان والصين وروسيا وإيران . (روبن) يقترح تعيين مبعوث خاص ، ويفضّل أن يكون ممن ينالون الشرعية تحت سلطة الأمم المتحدة .
لكن مهما كانت الوسيلة ، فإنه من الضروري جداً لواشنطن أن تقرر ما إذا كانت ستتعامل بجدية مع الملف الأفغاني . لا يمكن لواشنطن ، على سبيل المثال ، الاستمرار في تمنية النفس بتغيير النظام في إيران ، في الوقت الذي تتمنى فيه ببساطة أن يكون هناك أمل في التسوية في أفغانستان . من المهم الانتباه لكون إيران وباكستان أيضاً لديهما وسائل ضمان بقاء أفغانستان في حالة عدم الاستقرار للأبد . أكبر قضية إقليمية بالنسبة لواشنطن هي أن تقرر كيف تتمكن من تحقيق مشاركة الهند ، التي يمكنها تغيير الساحة الاستراتيجية تماماً . هذا هو العمل الدبلوماسي الشاق الذي حاولت إدارة ترامب أن تتجاهله ، بل وتستصغره وتقلل من فعاليته . لكن إذا كان الرئيس ترامب يريد حقاً تخليص الولايات المتحدة من حروبها اللامتناهية ، فإن هذا هو المخرج الوحيد لمعضلة الخروج من أفغانستان .