عطر : الصداقة أقوى من الحب

رندة صادق –

حاجة الإنسان للعلاقات الإنسانية حاجة فطرية، فهو كائن اجتماعي بطبيعته، لا يمكنه أن يعيش إلا في تجمعات بشرية، يتفاعل معها ويفكر وينتج فكرا وتطورا وتغيرا، وهو يحتمي بها ويؤمن بمعتقدها ويدافع عنها، إنّه جزء من كل، قطعة بلوحة وجودية تكاملية، يرغب دائما في علاقات تدعمه وتؤكد قدراته وتتفاعل معه وتصفق له، يستمد قوته من هذه العلاقات وأحيانا كثيرة يتأثر بنقد المجتمع له، يعتبر نفسه بلا سقف إن اعتزل الناس، وتسكنه الغربة إن ابتعد أو اضطر للابتعاد.
خلف كل هذا، رغبة دفينة وجينية، تسعى للاحتواء والذوبان في المجموعة وتوحيد المصير وصناعة الحياة وتجاهل الموت، ولعل العلاقات التي تنشأ بين الإنسان وأقرانه في المجتمع كثيرة، منها: علاقات الجيرة والعمل والحب والصداقة، وكل واحدة من هذه العلاقات هي ضرورة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها أو تجاهلها، وقد يتعرض الإنسان لنكسة نفسية إن أخفق في أحدها، ولكن من وجهة نظري أجد أن الصداقة هي أهم العلاقات وأعمقها وأكثرها حاجة للإنسان، لأنها علاقة تجعل الحياة أفضل وأجمل وتساعد الإنسان على الاستمتاع بتفاصيل الحياة وتعطي بعدا مختلفا للذاكرة، حيث يتشارك الأصدقاء تفاصيل طفولتهم وشبابهم ويتشاركون تفاصيل أيام الدراسة. وتعتبر الصداقة من أهم العلاقات الاجتماعية التي تدعم الصحة النفسية للفرد، حيث أنها تقضي على الإحساس بالوحدة، وتجنب الإنسان الوقوع في الانطوائية، كما أنها تبني قاعدة قوية توافقية منزهة عن المصالح الخاصة. ولقد قال الله عز وجل في كتابه الكريم عن التعارف وبناء العلاقات الإنسانية الاجتماعية: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّـهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).
بالطبع الصداقة ليست دائما مثالية أو مبنية على أسس حقيقية، لذا اختيار الصديق له شروط واعية بعيدة عن العاطفة العمياء. أساس هذه العلاقة انتفاء الأنانية والمصالح المادية، فالصديق هو من صدقك القول وكان الملاذ الآمن لك، وقدم لك الدعم النفسي والمعنوي وأحيانا المادي. قالت الصداقة للحب :”أنا آتي بعدك لأضمد ما تركته من جراح” في هذه الجملة نجد الجواب الشافي والكافي لمن يتساءل: أيهما أقوى الحب أم الصداقة؟.
الحب حاجة مختلفة فيها الكثير من العاطفة الغامضة التي لا تسير وفق قوانين معينة، والتي تنمو في فوضى المشاعر وضبابية الرغبة، لذا غالبا قد يفشل الحب أو يمرض وينتكس ويهزل ليضمحل ويصبح ذاكرة مؤلمة أو جميلة، حين يجرحنا الحبيب نلجأ الى الصديق الذي نطلب منه أحيانا بدمعة أو بكلمة النصيحة والمساعدة، الصديق الحقيقي هو مَن يكون بجانبنا عندما يَرحل العالم كلّه عنا. هو من لا يطلق الأحكام علينا ولا يلومنا أو يقسو علينا، عندما تغلق الأبواب بوجوهنا، ويعلن العالم توجيه ضربة لنا، هو من يدافع عنا ويرضى لنا ما يرضاه لنفسه، هو إن أخطأنا لا يجلدنا بل ينصحنا، وإن أصبنا يصفق لنا ويشجعنا، هو نسمة في عمر قد يتصحر فجأة، هو غيمة ماء ترطب جفاف الألم اليومي للحياة.
هو أشياء كثيرة تحدث لنا، ونحتاجها بإلحاح. بإمكان الحياة أن تمنحنا حبيبا عابرا خاصة أن الحب حالة لها بداية ولها نهاية، ولكن من الصعب أن تمنحنا صديقا وفيا مخلصا يقف بجانبنا ومعنا على السراء والضراء، لذا أهمية الصديق في حياتنا أمر أساسي، ومن لا يملك صديقا حقيقيا حتما يعيش بنقص لا يمكن تعويضه، فكم من مرة قرصتنا الحياة ولم نجد يدا تحنو علينا إلا يد ذاك الصديق، لذا أجرأ وكلي إيمان على التأكيد أن الصداقة أقوى وأهم من الحب.

randanw@hotmail.com