افتتاح الندوة التاريخية «الملاح العماني أحمد بن ماجد رائد الملاحة البحرية» بولاية مرباط

المرهون: شهاب الدين نموذج للدور الإيجابي للبّحار العماني الذي قدم للحضارة علماً غزيراً في مجال البحار –
ناقشت سيرته الذاتية ومؤلفاته وتأثيره على الملاحة العربية والأوروبية –

كتب: غانم العمري –

نظمت أمس بولاية مرباط الندوة التاريخية «الملاح العماني شهاب الدين أحمد بن ماجد رائد الملاحة البحرية» التي تنظمها وزارة التراث والثقافة ممثلة بالمديرية العامة للتراث والثقافة بمحافظة ظفار تزامنا مع فعاليات مهرجان صلالة السياحي ٢٠١٨، وذلك تحت رعاية معالي الشيخ خالد بن عمر المرهون وزير الخدمة المدنية.
وقد عبر راعي الحفل عن سعادته بهذه الندوة مشيرا: «إن خلف هذا التاريخ العريض لعُمان ومجدها الأثيل عبر العصور رجالا وهبوا أنفسهم وكل غالٍ ونفيس، وقدموا التضحيات التي استحقت أن تسجل بأسمائهم في كتب التاريخ بماء الذهب، وخلف هذا الدور البحري لعُمان عبر حقب التاريخ في عرض البحار رجالٌ صدقوا بحثهم الدؤوب وسعيهم بالعلم والمعرفة وشمروا عن سواعد الجد، فكان نتاج ذلك إمبراطورية يُفاخر بها أبناؤها جيلا بعد جيل».
وأضاف: «وما شهاب الدين أحمد بن ماجد الذي نحتفي به اليوم إلا واحد من أولئك الرجال بل رمز من رموزهم الذين سادوا البحار، لذلك كانت البحار منذ البداية مصدر الإلهام والفخر والاعتزاز ففي شواطئها خط العُمانيين خطوطهم، وفي خطوط ملاحتها صاغ العُمانيون أعظم الملاحم وأجمل الملامح».
مؤكدا على أن أسد البحار أحمد بن ماجد هو نموذج للدور الإيجابي للبحار العُماني الذي قدم للحضارة علما غزيرا في مجال البحار نفع به أمته والعالم أجمع، وكان هذا الدور منطلقا للإسهامات العُمانية في نشر الإسلام بالأخلاق والقدوة الحسنة، فقد كان البحارة العُمانيون نموذجا للإنسان المُسلم الصادق المتسامح، كما قدمت الأساطيل البحرية الحربية نموذجا أيضا لكفاءة البحارة والحرص على أمن واستقرار المنطقة.
وأردف قائلا: «إن دور عُمان البحري الرائد إنما قام على أكتاف رجال مثل «شهاب الدين» الذي طور الأدوات اللازمة لعلوم البحار، فاعتمد على البوصلة والمغناطيس، كما اعتمد على النجوم والفلك، فكان لهذا المزيج العجيب دور في ريادة العُمانيين على البحار».
وأضاف: «الملاح العُماني العربي الأشهر الذي نحتفي به اليوم هو واحد من الأعلام العرب الذين عُرفوا بغزارة العلم والتأليف المبني على التجربة والبحث والإبحار في آن واحد، وما هذه الندوة اليوم إلا دعوة صادقة للباحثين والمتخصصين لاقتفاء أثر هذا الفُلك الأشم والاهتداء بخرائطه لسير التاريخ عن أمجاد عُمان ومكانتها بين الأمم. وهي دعوة أيضا لأبنائنا للاهتمام بمورثهم الحضاري والاقتداء بما قدمه الأجداد وأخذ ما يقدمه البحر لهم تمجيدا لشخصية أسد البحار أحمد بن ماجد وغيره من الآباء الذين سطروا هذا التاريخ».
وأعرب معالي الشيخ عن شكره للقائمين على هذه الندوة الهامة والإعداد ‏الجيد لها ‏والحرص على إخراجها بالشكل الذي يليق بمكانة شخصية ‏شهاب الدين أحمد ‏ لدى العمانيين مشيرا معاليه إلى أن الندوة تأتي تأكيدا على الحرص السامي من لدن حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – للحفاظ على المكتسبات التاريخية وتمجيد رجالها متوجها إلى الله جلت قُدرته أن يُديم على عُمان وشعبها نعمه ظاهرة وباطنة وأن يُنعم على جلالته – أعزه الله – بموفور الصحة والعافية والعمر المديد.
كما ألقى أحمد بن سالم الحجري مدير عام المديرية العامة للتراث والثقافة بمحافظة ظفار كلمة بهذه المناسبة قال فيها: لطالما جادت التربة العمانية الطيبة بالإسهامات الحضارية المتعددة، تلك الإسهامات التي نفخر ونفاخر بها، ولعل التراث البحري بعلومه ومعارفه ورموزه وشخوصه، غيض من فيض تلك الإسهامات على امتداد الحضارة الإنسانية، فالموقع الجيوستراتيجي لعمان أتاح لها فرصة الانفتاح على حضارات العالم القديم والحديث، وكان البحر الرئة التي تتنفس منها عمان، وتتطلع من خلاله إلى العالم الخارجي للتعرف على عوالمه والاستفادة من مآثره، حتى مخرت سفنهم عباب البحر شرقا وغربا، حاملين معهم عبق روائح البخور واللبان، وبضائع الشرق الأقصى والأدنى وشرق وأفريقيا، وأينما حلوا أو ارتحلوا كانوا دعاة تسامح وسلام، ورسل محبة ووئام.
وأشار إلى أن تنظيم هذه الندوة يعد إسهاما من المديرية العامة للتراث والثقافة بمحافظة ظفار ضمن الفعاليات المصاحبة لمهرجان صلالة السياحي للاحتفاء برمز من رموز الملاحة العمانية ألا وهو «الملاح العماني شهاب الدين أحمد بن ماجد: رائد الملاحة البحرية» من خلال 6 أوراق عمل علمية يقدمها باحثون أكاديميون ومؤرخون مختصون، مساهمة منهم وإضافة إلى جهود من سبقهم في تناول سيرة الملاح أحمد بن ماجد وما تركه من ذخيرة علمية نثرا ونظما في علوم البحر المختلفة باعتباره واحدا من العلماء الموسوعيين الذين ذاع صيتهم وشهرتهم.
وقد افتتح الدكتور سعيد بن محمد الهاشمي أستاذ مشارك في قسم التاريخ بجامعة السلطان قابوس أولى جلسات الندوة قائلا: إن أهمية دراسة تراثنا الوطني، وما أنجزته في المجالات المختلفة لهو جدير بالاهتمام، ومن أعلام عمان أحمد بن ماجد السعدي الذي عاش في القرن الخامس عشر الميلادي. كان مجال ابن ماجد مختصا بالعلوم البحرية، فرصد كل ما يتعلق بالملاحة في البحار الشرقية المعروفة. وابتكر أدوات تعين الملاح على سفينته. وقدم خبرته الثمانين عاما التي قضاها في البحر في عدة مؤلفات نثرية ومنظومة.
وتطرق الهاشمي إلى نسب ابن ماجد وحياته، وعرف بدوره الملاحي من خلال مؤلفاته المتعددة التي أوصلته إلى العالمية، وأصبح صيته على مستوى المكتبات العالمية.

أحمد بن ماجد في الدراسات الاستشراقية

وقدم الدكتور محمد قاسم بوحجام من جمهورية الجزائر ورقة قال فيها: إن آثار ابن ماجد في الملاحة الأوربية واضحة، لا تخفى على الباحث المنصف. وإن فضله على علم الأوروبيين يقر به العارفون العالمون الحقيقيون. يظهر ذلك جليا، ويبرز قويا في اهتمام الأوروبيين بعامة، والمستشرقين بخاصة بأعمال الملاح العربي الكبير أحمد بن ماجد. يقول عبد الله يوسف الغنيم: «لم تقتصر أهمية أعمال ابن ماجد العلمية على ما قدمته من خدمات للملاحة العربية في المحيط الهندي والبحار المتشعبة عنه، بل إن تلك المعلومات وجدت طريقها إلى أوروبا، بعد أن استولى فاسكودي جاما عام (1497م) على إحدى السفن العربية، وصادر ما فيها من مخطوطات ملاحية، ربما كان لمؤلفات ابن ماجد النصيب الأوفر منها. وقد أرسلت تلك الكتب إلى الملك مانويل، وتداولها علماء إسبانيا والبرتغال، وانتقلت إلى أوربا عبر عدد من الكتب التي تناولت علم البحر وفنونه الملاحية. مثل كتاب (دليل البحر) لروبرت كوبلند(1528م) و(فن الملاحة) لمرتين كورتس الأسباني (1551م)، الذي نقله إلى الإنجليزية ريتشارد أيدن عام 1561م، و(قواعد علم البحر) لوليام بورن (1574م) الذي اعتمد على الكتابات المذكورة السابقة عليه…».
مؤكدا على: «إن إفادة الأوروبيين من علم ابن ماجد كانت كبيرة، بل أساسية وحجر الزاوية في علمهم، ونقطة الارتكاز في صرحه. يقول كراتشكوفسكي عن البرتغاليين: إنهم استفادوا: «منذ لحظة دورانهم حول رأس الرجاء الصالح من التجربة الملاحية العربية، بل إن أقدم ما دونوه في هذا المضمار … يحمل آثار النفوذ العربي بوضوح. أضف إلى هذا أن بعض الاصطلاحات الفنية البرتغالية ليست سوى ترجمة صرفة لمثيلاتها العربية. وإذا كان تأثير أدب الجغرافية الملاحية العربية على أهل الغرب في القرنين الخامس عشر والسادس عشر جليا بهذا القدر، فأولى أن يكون تأثيره على أهل الشرق أوسع وأعمق».

في مؤلفات أحمد بن ماجد

وقدم الباحث سعيد خالد العمري في الجلسة الثانية ورقته عن الجغرافية المكانية في مؤلفات البحار العماني أحمد بن ماجد وتتناول موانئ ظفار ومعالمها البحرية المذكورة في مؤلفاته كأنموذج على ذلك.
وتناول فيها التعريف بالجغرافيا المكانية وإسهامات العلماء العرب والمسلمين في هذا الجانب، كما قدم صورة عن الجغرافية المكانية عن ابن ماجد من خلال استعراض موجز لأمثلة من موانئ المحيط الهندي التي ذكرها ابن ماجد في مؤلفاته ودوره في إثراء المكتبة الإسلامية والعالمية.
وتناول موانئ ظفار ومعالمها البحرية المذكورة في مؤلفات أحمد بن ماجد أنموذجا للجغرافية المكانية عند ابن ماجد في القرن التاسع الهجري/‏‏الخامس عشر الميلادي، ومن هذه الموانئ ظفار ومرباط وحاسك وجنجري وساجر.
كما تطرق إلى ذكر موانئ ظفار في بعض المؤلفات البحرية والجغرافية المعاصرة لابن ماجد التي نقلت عنه، كمؤلفات سليمان المهري في القرن الخامس عشر الميلادي، والوثائق والخرائط البرتغالية في نفس الفترة.
واستعرض موانئ ظفار المذكورة في المرشدات البحرية عند الربابنة العمانيين الذين استفادوا من مؤلفات ابن ماجد وانتموا إلى مدرسته الملاحية، ومنها مرشدات النوخذة سعيد بن حمد التمامي في القرن التاسع عشر الميلادي، وكتاب معدن الأسرار في علم البحار لناصر بن علي الخضوري في القرن العشرين الميلادي.

القيمة العلمية لمؤلفاته

وفِي الجلسة الثانية قدم الباحث حسين بن علي المشهور باعمر تهميدا وخمسة أبواب، إذ تطرق في الباب الأول إلى مصنفات وأراجيز ابن ماجد وتسليط الضوء على الموجود منها والمفقود، بينما تناول في الباب الثاني أثر تلك المؤلفات في التاريخ الملاحي، وفي الباب الثالث استعرض مكانة تلك المؤلفات ودورها في ترسيخ ووضع أسس علم البحر، ومن ثم استطلع في الباب الرابع أهمية مؤلفات وأراجيز ابن ماجد في الجغرافيا الملاحية مع أخذ بعض النماذج من أراجيزه الأدبية التي استخدمها ابن ماجد كوسيلة تواصل مع الربابنة وركاب البحر لإرشادهم وتوجيههم، وتوقف في الباب الخامس عند كتاب الفوائد في أصول البحر والقواعد متناولا الدلالة والقيمة لذلك المؤلف الذي يعتبر باكورة أعمال هذا العالم الجليل الذي يعود له الفضل والدور الأبرز في مجالات علوم البحر والفلك.

قراءة في أرجوزة حاوية الاختصار في أصول علم البحار

وألقى الشيخ حمود بن حمد بن جويد الغيلاني ورقته في المحور الثاني من الجلسة الثانية قائلا: يعتبر العمانيون من أكثر الشعوب ولعا بالبحر والأسفار، فأولوا علوم البحار اهتماما كبيرا نتج عنه إرثا ناصعا يشار إليه بالبنان، ويؤكد الكثير من الدراسيين العرب وغيرهم للعلوم البحرية عبر مسارها الزمني العمانيين أنهم أكثر الشعوب تدوينا لعلوم البحار وفنون الإبحار، كما اعتبر المعلم الربان أحمد بن ماجد العماني أول من اهتم بهذا الجانب تصنيفا اعتمادا على تجاربه الملية ومساره العلمي.
وأرجوزة حاوية الاختصار في أصول علم البحار من أهم المدونات في علوم البحار؛ لما تحتويه من معارف وفنون البحرية، وتأتي في المستوى الثاني بعد كتاب أحمد بن ماجد (الفوائد في أصول علم البحر والقواعد).
وتهدف هذه الورقة إلى إلقاء الضوء على أرجوزة حاوية الاختصار في أصول علم البحار التي تنال الاهتمام الكافي من الباحثين والدارسين..».

جهود المؤسسات الرسمية في التعريف بشخصيته

واختتم خالد بن محمد بن عدي الرحبي جلسات الندوة بحديثه عن الجهود الرسمية في التعريف بشخصية الملاح أحمد بن ماجد حيث قال: شهاب الدين أحمد بن ماجد أحد أبرز الأعلام الذين أنجبتهم الحضارة العمانية؛ ليقدموا خدمات جليلة للإنسانية لا تزال شاهدة حتى اليوم؛ لذلك اهتمت المؤسسات الرسمية العمانية بمختلف تخصصاتها الإعلامية والثقافية والتعليمية وغيرها بالتعريف بهذه الشخصية البارزة وإبرازها كشخصية تاريخية وطنية.
وتتبع جهود المؤسسات الرسمية في التعريف بهذه الشخصية تاريخيا منذ النهضة العمانية المباركة عام 1970م. وتحليلها من حيث نوع العمل المقدم (تربوي تعليمي، إعلامي،..إلخ) والفئات المستهدفة بكل عمل من هذه الأعمال (على المستوى الوطني وعلى المستوى الخارجي)، وطبيعتها من حيث كونها مرئية أم مسموعة أم مقروءة أم عبارة عن تسمية مؤسسات باسم هذه الشخصية أم غير ذلك.
وعمل الباحث على جمع المعلومات من خلال تتبع المصادر المتعددة كالكتب الدراسية والإصدارات الرسمية المختلفة كالمجلات والنشرات والإصدارات المرتبطة بالاحتفالات الرسمية والأعياد الوطنية أو المناسبات الأخرى، إضافة إلى تتبع الأرشيف الإعلامي للإذاعة والتلفزيون وكذلك المقابلات الشخصية مع بعض المسؤولين القائمين على إنتاج الأعمال التي تعرضت لهذه الشخصية، كما تتبع المنهج التحليلي للوصول إلى النتائج المتوقع أن تبرز جهود هذه المؤسسات في تقديم أعمال مختلفة قدمت هذه الشخصية على المستوى الوطني والمستوى الخارجي.
جدير بالذكر أن جلستي الندوة أدارهما الدكتور محمد المهري وسعود الخالدي.