«العمانية للكتاب والأدباء» تناقش أثر مناهج العلوم الإنسانية في الدراسات الأدبية

كتبت: خلود الفزارية –

قدم الدكتور محمد الشحات الناقد والأكاديمي المصري والأستاذ المشارك في النقد ونظرية الأدب أمس الأول في الجمعية العمانية للكتاب والأدباء بمقرها في مرتفعات المطار محاضرة نقدية أدبية حول أثر مناهج العلوم الإنسانية في الدراسات الأدبية والنقدية العربية: قراءة في الإشكالات والسياقات والممارسات.
سعى الدكتور محمد الشحات في الجلسة التي أدارها الشاعر والكاتب علي بن سالم الحارثي إلى طرح استفهامات حول موضوع «أثر مناهج العلوم الإنسانية في الدراسات الأدبية والنقدية العربية: الإشكالات، السياقات، الممارسات»، من خلال استقراء عدد من النصوص المركزية المتتابعة ببعض المحطات من القرن التاسع عشر مرورا ببعض المحطات في القرن العشرين، وهي نصوص تنتمي في غالبيتها إلى حقل الدراسات الأدبية والنقدية وتاريخ الأدب العام والتاريخ الثقافي العربي، واختتم محاضرته ببعض التوصيات والمقترحات.
واستهل الضيف ورقته بتساؤل: هل يمكننا أن ننتج نظرية؟ فقد يطرح البعض: لماذا ننشغل الآن بالعلوم الإنسانية بما أننا ننتمي إلى تخصص دقيق، ولماذا الانتقال من الخاص إلى العام؟ لماذا الخروج من النطاق المحدود الذي لدينا فيه الخبرة والمعرفة إلى فضاء أوسع؟
في حقيقة الأمر الدافع إلى الخروج إلى فضاء العلوم الإنسانية بصفة عامة هو استجابة ذاتية مني وجدت أصداء لها في كثير من القضايا المعاصرة تنادي بالعودة إلى قلب العلوم الإنسانية.
ففي السنوات الأخيرة مع بداية الألفية الجديدة، ومن يتابع حقل الدراسات الحديثة بصفة عامة يلحظ أن التخصصات الدقيقة تكاثرت كالأميبا، فقد أصبح هناك حقول وزوايا دقيقة جدا في قلب النظرية والاشتغال بالإنسانيات والدلالة والنحو والسيميائيات، وأصبح هناك ما يشبه النزوع إلى التحليل المجهري كما يحدث في المعامل، ولكن في الوقت ذاته افتقدنا وافتقرنا إلى أشياء كثيرة أهمها العودة إلى المصدر الأول وهو: علاقة العلوم الإنسانية ببعضها البعض تحديدا ومنها في قلب الأدب والفنون والتاريخ والفلسفة والجغرافيا وعالم الاجتماع وعلم النفس ودراسات التواصل والإعلام، فهل ثمة أزمة معرفية يمكن أن نقول: إنها تواجه كل حقل من حقول العلوم الإنسانية أم أن هذه الأزمة فيها من الافتعال؟
ويضيف الدكتور محمد الشحات أن طرح هذا التساؤل وهذا الشاغل لأن ثمة كتبا وإصدارات ربما تعود إلى الربع الأخير من القرن التاسع عشر وشغل الكثير من المفكرين في القرن العشرين ما يطرح تساؤلا لنا كعرب لماذا لم نستطع نحن العرب حتى هذه اللحظة أن ننتج نظرية عربية؟
مشيرا إلى أنه سؤال يبدو ضخما وطموحا؛ لأنه كالطوفان قد يبتلع حياة مفكر بأكملها، ولكن ما يستعرض من أفكار في محاضرته يعني أنه سؤال مهم لا يجب التغافل عنه، فمن يشتغل في العمل الأكاديمي ويدرس الطلاب ويؤطرهم في الدراسات العليا وتحديدا للماجستير والدكتوراه يدرك أن ثمة مشكلة في فهم أو إدراك السياق الفلسفي للنظريات العلمية التي يعمل بها سواء كان باحثا في التاريخ أو الفلسفة أو في علم الاجتماع أو في علم النفس أو في مجال الدراسات اللغوية والأدبية والنقدية، والدافع هو حب التخصص الدقيق وهي حجة تبدو واهية.
ويبين الشحات أن ديكارت في كتابه المعروف في العربية «المقال في المنهج» كان من أوائل من استخدموا كلمة المقال في المعنى الاصطلاحي الفلسفي هذا إن لم يكن الأول، ومعنى العنوان بالتحديد هو: «خطاب عن المنهج من أجل إرشاد عقل المرء عن حقيقة العلوم»، وهذا يعني أن المعنى لكلمة المقال التي يقصد بها ديكارت هي المقابل لكلمة خطاب وتسجل حضورا أقوى لنشر رسالة واعية من مؤلفها وضرورة الوصول إلى متلقيها.
ويؤكد أنه منذ عرف الإنسان المطبعة كان يشير المقال إلى نص نثري ومكثف وحججي، ويناقش قضية من القضايا؛ بهدف إقناع القارئ العام بمفهوم المقال في ذلك الوقت، وفي الغالب جمهور القراء غير معروف من قراء الصحف والمجلات السيارة، ولكن ديكارت في ذلك الوقت أضفى للكلمة حمولة اصطلاحية فلسفية البحث لديكارت مطبوع في عام 1637م ذات علاقة بالطبيعة الكتابية الفلسفية ذاتها من حيث أنها حججية وتأملية تهدف إلى مناقشة أطروحة مقولة قد تكون بدهية ذات موقع من التفكير؛ لذا ثمة ترابط صغير في كتاب ديكارت بين المقال والمنهج، فالمقال يوازي المقولة أو الخطاب أو الطرح المعرفي؛ لأنه كان مهووسا بالهاجس القديم، وهو: ما المنهج؟ وما طبيعته؟ وما أدواته أو إجراءاته؟، كيف يمكن أن يتحول هذا المنهج، وهو في الأصل قائم على مقولات نظرية قابلة للتفعيل أو الممارسة أو يصبح بشكل من الأشكال ما يعرف الآن بالممارسات الثقافية التحليلية؟
موضحا أنه مع طول المسافة الزمنية بدأ التفكير فيما يسمى بالدراسات البينية أو الدراسات العابرة للحقول المعرفية، واعتدنا في الخطاب النقدي الأدبي أن نتداول بعض المصطلحات المتقاربة إلى حد بعيد والمتقاطعة في بعض الأحيان دون التفات إلى ما تعكسه من فلسفات، فأصبحنا نستعير بعض العلوم الإنسانية من العلوم التطبيقية، وكان هناك جملة شهيرة يقولها محمد عابد الجابري في كتابه «قضايا في الفكر المعاصر»: «الفلسفة تفرض القول إن إطلاق سراحها يقتضي تحمل خطابها حول المدينة» ويحاول بها أن يربط علاقة الفلسفة ليس فقط كمنهج وإنما كطريقة في الحياة وبين المجتمع المدني، كأنه ينفي الفلسفة عن المجتمعات غير المدنية.
أما علاقة الذات بالموضوع في العلم الإنساني فيقول الشحات: إنها تختلف عنها في العلم الطبيعي وتختلف عنها حتى في العلوم البحتة، فلوسيان جولدمان في مفهومه المركزي عن رؤية العالم كان يقصد به طريقة أو إطارا ينطوي عليه المبدع أو الفنان ينفرد في نصوصه وإنتاجه في مسرح راسين في فرنسا بشكل خاص كيف يمكن أن تصبح هذه القضايا وتمثل رؤية لكاتب المسرح، وتتبدى في علاقاته بالنصوص وانشغاله ببعض التأثيرات المختلفة، ولكنه في منطقة أخرى يدرك أن ثمة تقاطعا بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية، فيقول: ليست العلوم الإنسانية والتاريخية كالعلوم الفيزيائية الكيميائية، ليست دراسة لوقائع خارجية عن الناس، بل إنها بالعكس دراسة لهذا الفعل نفسه ولبنيته وللتطلعات التي تحيي التحولات، من كتاب «العلوم الإنسانية والفلسفة» لجولدمان تقدمة يوسف الإنطاكي.
ورغم أن ذلك كان في فترة الستينيات والوعي البنيوي الذي ساد العالم في تلك الفترة إلا أنه لا يزال التساؤل مطروحا حتى في المداخل النقدية الحديثة، ففي كتاب «موسوعة النقد الأدبي» الذي صدر من كامبريدج يقدم مقاربة عن النظرية الأدبية والعلم وفق فلسفة العلم، يقول الناقد الأمريكي كريستوفر نوريس: قد يبدو أن النقد الأدبي وفلسفة العلم لا يشتركان إلا في قليل من الاهتمامات؛ إذ تهتم فلسفة العلم في الأساس وفق معيار من المعايير المتفق عليها بتفسير كيف تؤدي النظريات العلمية إلى التقدم، وذلك بتقديم معارف وصفية مفصلة وتفسيرية عميقة عن الأشياء».
وخلاصة القول يشير إليها الدكتور محمد الشحات في ختام محاضرته بتحديد الإشكالات ثم التوصيات، فالإشكالية الأولى هي التراث والحداثة، والإشكالية الثانية الأنا والآخر وعلاقتي كباحث بمفكر من ثقافة أخرى تبعية أو خضوع أو استقلال أين حدود العقل والنقل هل العقلاني ينسحب على كل شيء، والنص والمنهج، فهل يمكنني كمحلل أن أخلص للنص أم المنهج، ومن ثم تصبح الدراسات في الغالب أزمة الجامعة أنها تنطوي على موظفين إداريين، فليس من مهمة الجامعة تخريج إداريين وإنما باحثين فقط، أما العلوم الأخرى فتحتاج إلى المدارس التقنية، فالجامعة مصدر لإنتاج الأفكار فحسب. أما التوصيات فالتوصية الأساسية ضرورة إعادة النظر جذريا في تقسيم التعليم، وضرورة تدريس مقررات مثل فنون الإحصاء وعلوم الحاسب والرياضيات والفلسفة والأدب في كل التخصصات، بالإضافة إلى ضرورة القضاء على طرق التدريس المعتمدة على الحفظ، كما أن هناك ظاهرة انتشرت وهي استسهال أخذ المعلومات من الإنترنت دون البحث، بالإضافة إلى تخصيص معامل بحثية خاصة بالدراسات الإنسانية.