نوافذ : العنـف اللفـظـي ..

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

تشكل الظاهرة اللغوية عند الإنسان بشكل عام إحدى المقومات الأساسية التي يستطيع من خلالها أن يقيم حوارا ناجحا، أو حوارا فاشلا، وذلك بناء على معطيات كثيرة للنجاح، أو للفشل؛ حيث تتداخل مجموعة عوامل ظرفية: نفسية، ثقافية، تنشئة اجتماعية، فطرية، خبرات، سرعة بديهة، ذكاء، قوة ذاكرة، تسرع، ارتباك، شدة الموقف، قوة الشخصية المقابلة «الكاريزما» عدم الإلمام بالموضوع، ففي كثير من نقاط تلاقي الحوار تجثم هذه العوامل كلها أو بعضها لتدير دفة الحوار نحو النجاح أو الفشل؛ ولذلك تجتهد الأطراف الموكول إليها حوار ما، عند السعي نحو عقد مؤتمر، أو ندوة، أو مفاوضات أن تختار من تتحقق فيه مثل هذه الصفات أو أغلبها، حتى يظهر للطرف الآخر المتلقي أن من يتحدث هو فعلا صاحب رسالة، أو مفاوض قوي ليس من اليسير التأثير عليه للحصول على مكاسب أكثر، أو حتى لا يظهر للطرف المقابل أنه ليس جديرا لأن يكون على خشبة المسرح ليقدم رسالة ما.
ولذلك يتعايش الناس على هذه الصورة في جميع محطات حواراتهم الرسمية؛ كانت؛ أو الشعبية (الاجتماعية) فحتى في المجالس العامة أو الخاصة، ليس يسيرا أن يتقدم الواحد لقيادة حوار ما حول قضية ما؛ إلا إذا كان ملما بجميع أطراف القضية؛ لأنه بغير ذلك سيكون حواره مرتبكا، وأفكاره متشتتة، ولا يخرج المتلقي بأي فكرة واضحة ومكتملة، فهناك من يداري بضعف حجته في الحوار الذي يقوده إما بتسيير سيل من النكات، أو الخروج بين كل فترة وأخرى عن الموضوع، وطرح فكرة أخرى ليست لها علاقة بالقضية الأساسية، ويتهم؛ غالبا؛ الدبلوماسيين بالأخذ بهذه الطريقة خوف استدراجهم من قبل المتلقي بالإفصاح عن معلومات أخرى، أو خوف الوقوع في الحديث عن قضية أخرى ربما تكون أكثر أهمية؛ ولذلك من يناور في أي حوار كان، يطلق عليه – تقليديا – «دبلوماسيا».
في بيئة الحوارات الشاملة هناك أناس صريحون بصورة مطلقة «يفضفضون بلا وعي»، ولذلك يعابون على صراحتهم هذه، وفي المقابل أيضا هناك أناس متحفظون بصورة مطلقة، وأيضا ينضمون تحت الحكم نفسه، ويندرج تحت الصورة نفسها فئة أناس يتحدثون أكثر من أنهم يكتبون، وآخرون يكتبون أكثر من أنهم يتحدثون، وفي كل الأحوال يحتاج المتحدث إلى ثروة معلوماتية يعتمد عليها في بسط الحجج والقناعات ليعزز موقفه من الموضوع الذي يتحدث عنه، ولذلك نرى في الحوارات المباشرة التي تبثها القنوات الفضائية- على سبيل المثال- التفاوت بين المتحاورين في الإقناع، وهذا التفاوت مرده إلى عوامل أوردتها في صدر المقال؛ ولذا نرى أن أحد أطراف الحوار سرعان ما ينسحب، إما لأنه لا يستطيع مجاراة خصمه بالحجة والدليل، وإما لأن الطرف الآخر يكون في موقف الهجوم الشرس إما لتغطية ضعفه، وإما لضعف شخصيته، حيث يبدأ في استخدام الـ«عنف اللفظي» بصورة جارحة في كثير من الأحيان، الـ«عنف اللفظي»، وهو أسوأ أنواع الحوارات؛ ولا يقتصر فقط على الحوارات الساخنة، وإنما يكون حتى في الحوارات الهادئة، وليس شرطا فقط في وجود أطراف كثيرة، وإنما حتى في وجود اثنين فقط، حيث يطلق أحدهما كلمات جارحة للطرف الآخر، فيميت فيه مواجهة الموقف، فيؤثر الانسحاب، بدلا من المواجهة التي قد تفضي إلى صدام جسدي مباشر، وهذا ما لا يحبذه كثير من الناس.
وتسجل حركات الغمز واللمز على أنها من ضمن الـ«عنف اللفظي»، حيث تضع الطرف الآخر في موقف حرج جدا، فإما يواجه خصمه بعراك جسدي، أو يؤثر الانسحاب احتراما لذاته، ودفعا لوقوع مفسدة أكبر، وفي كل الأحوال سواء جاء الـ«عنف اللفظي» كلمة، أو لمزا، أو غمزا، فإنه يسجل في المقابل ضعف شخصية صاحبه، ووضيع مكانته الخلقية، وإن عد ذلك في بعض وجهات النظر على أنه نوع من المكر والدهاء.