عنصرية إسرائيلية بغيضة

عوض بن سعيد باقوير –
صحفــي ومحـــلل ســـياسي –
أثار قرار الكنيست الإسرائيلي مؤخرا الخاص بقومية الدولة الذي تم التصديق عليه من قبل الكنيست، ردود أفعال واسعة النطاق سواء على صعيد المواقف الرسمية للدول أو من خلال المنظمات المدنية الحقوقية، منددة بالقرار العنصري لحكومة نتانياهو والكنيست.

وقانون يهودية الدولة في إسرائيل، على أسس دينية وعرقية، يعطي مؤشرا على عنصرية بغيضة أولا، واستبعاد ملايين الفلسطينيين وانتهاك حقوقهم واعتبارهم غرباء على اعتبار أنهم ليسوا يهودا، ومن خلال هذا القانون أيضا يتم استبعاد حق العودة لملايين اللاجئين الفلسطينيين في الشتات، ومن هنا جاء هذا القانون الجائر من قبل إسرائيل وهناك شكوك في إمكانية نجاح هذا القانون لاعتبارات سياسية وقانونية وحقوقية.
إن القانون الأخير يعتمد مبدأ التمييز القسري ويقسم فئات المجتمع ويدحض مقولة إسرائيل، بأنها الكيان الديموقراطي الوحيد في منطقة الشرق الأوسط، كما أن قانون يهودية إسرائيل يعطي صورة مزيفة لطبيعة إسرائيل والتفافها على القانون الدولي، مما يستوجب من الأمم المتحدة مراجعة عضويتها في المنظمة الدولية حيث تقوم مبادئ الأمم المتحدة على المساواة بين المجتمعات والمواطنين والبعد عن أي سلوك عنصري وعدم استغلال الأديان في مفهوم الدولة الحديثة.

العرب والتحرك السياسي
لعل أقرب المنصات الدولية في الشهر القادم هي اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومن خلال وجود كل الدول الأعضاء، لابد للعرب أن يفضحوا السلوك الإسرائيلي من خلال إقرار قانون يهودية إسرائيل ولابد من أن تطبق الأمم المتحدة قوانينها حول مسالة التمييز العنصري واستخدام الأديان في التفرقة بين المواطنين بناء على العرق والدين واللون وهذا أمر متاح وينبغي الاستعداد له من قبل الجامعة العربية ومن خلال تنسيق عربي مع منظمات مهمة كالاتحاد الإفريقي واتحاد الآسيان ومجموعة أمريكا اللاتينية، وأيضا مجموعة 77 التي تشكل حركة عدم الانحياز ككتلة سياسية مهمة لمناصرة القضية الفلسطينية .
إن فضح الكيان الإسرائيلي في مناقشات الأمم المتحدة الشهر القادم يعد أمرا حاسما ولابد أن يكون قانون يهودية الدولة حاضرا من خلال مجموعة القضايا التي سوف تستعرضها الجمعية العامة ، وحتى مجلس حقوق الإنسان، حيث إن القانون الإسرائيلي ينتهك مبادئ حقوق الإنسان، ويشرعن للعنصرية والتمييز، كما كان عليه الحال في دولة جنوب إفريقيا حيث التمييز العنصري البغيض والذي انتهى إلى غير رجعة.
إن التحرك الدبلوماسي للعرب لابد أن يبدأ من الآن، ووفق خطة مدروسة، ومن خلال التنسيق مع الاتحاد العام للمحامين العرب، ومن خلال الشبكات القانونية والحقوقية في العالم العربي، وأيضا التنسيق من المنظمات الإقليمية والدولية في هذا المجال حتى يكون التحرك العربي فعالا وتدخل إسرائيل في مازق حقوقي قانوني يجبرها على إلغاء هذا القانون العنصري .
كما أن ذلك التحرك السياسي العربي لابد أن تسانده حملة إعلامية مكثفة في الاتجاه نفسه من خلال استراتيجية موحدة يقرها وزراء الإعلام العرب فقد حان الوقت أن يستخدموا وسائل الإعلام بشكل مهني ومؤثر في خدمة القضايا العربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية وهي قضية العرب المركزية.
يقع على عاتق البرلمانات العربية دور مهم أيضا، من خلال فضح ممارسات الكنيست الإسرائيلي في أروقة البرلمانات الإقليمية والدولية وأيضا عمل اجتماعات مشتركة مع البرلمان الأوروبي والتكتلات البرلمانية الأخرى، ومن خلال هذه التحركات يتم الضغط على الكيان الصهيوني وإجباره على التراجع من خلال تلك الحملات المنظمة.

استغلال الأديان سياسيا
أدخلت إسرائيل العالم في نمط جديد لشكل الدول من خلال قانون قومية الدولة الذي يقضي بأن إسرائيل كيان يهودي قومي بعيدا عن أي هويات أخرى والمقصود هنا الشعب الفلسطيني الذي يمارس حقوقه داخل الخط الأخضر وكما تمت الإشارة فإن القانون يمهد لطرد ملايين الفلسطينيين من ديارهم من داخل الخط الأخضر وإسقاط حق العودة لملايين أخرى في دول الشتات عند حدوث أي تسوية سياسية بحجة أن الكيان الإسرائيلي هو حق لليهود فقط و لا يحق لأية ديانة أخرى أن تعيش في إسرائيل وهذا القانون يعد من القوانين الخطيرة ذات الأهداف والأبعاد غير الأخلاقية التي تستهدف الشعب الفلسطيني بشكل مباشر وهضم حقوقه المشروعة ومصادرة أملاكه تمهيدا لطرده من أراضيه تحت دعوى قانون الدولة القومية اليهودية، ومن هنا فإن التحرك السياسي والإعلامي والبرلماني العربي يعد من الأوراق الأساسية التي لابد من القيام بها وبشكل أسرع خاصة في اجتماعات الجمعية العامه للأمم المتحدة وفي مجلس حقوق الإنسان في جنيف حتى يتم خنق الكيان الإسرائيلي ومحاصرته قانونيا وأخلاقيا وحقوقيا.
إن استغلال الدين من خلال إقامة كيان يهودي بحت هو أمر ينم عن عنصرية واستخفاف بالمبادئ والقوانين الدولية، وعلى اعتبار أن إسرائيل عضو في الأمم المتحدة فإن كسر تلك القواعد الأخلاقية والقانونية واحترام حق المواطنة والمساواة بين الناس يعد خرقا سافرا لتلك المنظومة القانونية والنواميس الدولية.
إن سلوك الكنيست الإسرائيلي يعبر عن تناغم مع حكومة نتانياهو المتطرفة ومن خلال استغلال الضعف العربي والخلافات بين الدول العربية جعل تل أبيب تقدم على مثل تلك الخطوات الاستفزازية غير المسبوقة، وهذا يعطي جرس إنذار للدول العربية بأن عدم التحرك ضد تلك القوانين العنصرية سوف يجعل إسرائيل تقدم على خطوات أكثر ضررا بالقضية الفلسطينية على وجه الخصوص في ظل المساندة غير المسبوقة من الإدارة الأمريكية، وفي مقدمتها نقل السفارة الأمريكية إلى مدينة القدس المحتلة، وهو إجراء غير قانوني، ولا يتماشى مع قرارات عديدة صدرت من مجلس الأمن وأيضا من الجمعية العامة للأمم المتحدة.

المصالحة العربية
ويبدو لي أن الخطوة الأساسية لاستعادة التضامن العربي هو الأساس لأن كل الخطوات الإسرائيلية، والانحياز الأمريكي لإسرائيل هو بسبب الأوضاع العربية، ومن هنا فإن المصالح العربية ومقدرات الشعوب في خطر، وهناك مخططات ضد الأمن القومي العربي، ولا شك أن تلك الخلافات العربية تخدم المخطات الإسرائيلية وتجعل من العرب مجرد سوق للسلاح، لاستنزاف ثرواتهم من خلال الانغماس في حروب وصراعات لا نهاية لها، ومن هنا فإن المصالحة الفلسطينية و العربية تعد من الضرورات القومية لإجهاض المشروعات الإسرائيلية والمساندة الأمريكية التي لم يسبق لها مثيل
قومية الكيان الإسرائيلي على أساس ديني وعنصري لابد أن تجعل العرب في حالة استعداد في ظل شعور إسرائيل بأنها تستطيع تنفيذ مخططاتها في ظل الوهن العربي وفي ظل خلافات مزمنة.
تتحمل الجامعة العربية دورا ومسؤولية كبيرة في لم الشمل العربي رغم ما تعانيه من مشكلات، وترهل في العمل السياسي. ولكن المسؤولية القومية تفرض التنبه إلى الأخطار القادمة ومنها خطط تصفية القضية الفلسطينية من خلال صفقة القرن والتي بدأت تتعرض للرفض بشكل مباشر من الدول العربية شعبيا ورسميا، وهذا تطور إيجابي يعطي مؤشرا بأن الأمة العربية تستطيع أن تقاوم المشروعات التي تستهدف كيان ومصالح الأمة العربية، وعلى ضوء قانون الكنيست الإسرائيلي فإن العرب لابد أن يتحركوا وفقا للقوانين الدولية، ووفقا للمبادئ التي أقرها ميثاق الأمم المتحدة بعيدا عن السلوك العنصري للدول وأن تكون الدساتير معبرة عن وحدة المجتمع ومواطنيه بصرف النظر عن الهوية أو الدين أو اللون وهذه مرجعية مهمة أمام العرب لإفشال المخطط الإسرائيلي من خلال تحرك سياسي ومدني منظم في كل قارات العالم يسبق مناقشات الجمعية العامة للأمم المتحدة في شهر سبتمبر القادم في نيويورك.