الفلسطينيون سينتزعون حقوقهم.. رغم القانون العنصري!!

د. عبدالحميد الموافي –
إذا تمسّك الفلسطينيون بحقوقهم المشروعة وأداروا الصراع بشكل صحيح، وبمساعدة قانونية وسياسية ودعم عربي مخلص فسوف يستعيدون حقوقهم، بما في ذلك إقامة الدولة الفلسطينية، أما إذا استمرت الأوضاع على ما هي عليه واكتفى طرف بالتصريحات الإعلامية، وآخر بتسيير الطائرات الورقية، فإن إسرائيل ستنجح في السير نحو هدفها النهائي.

ليس من المبالغة في شيء القول بأن يوم 19 يوليو 2018 سيظل من الأيام ذات الأهمية الكبيرة في مسيرة ومستقبل الصراع العربي الإسرائيلي بوجه عام، والصراع الفلسطيني الإسرائيلي بوجه خاص، وهي أهمية مزدوجة، أو ذات وجهين متناقضين في الواقع، بالنسبة للفلسطينيين ولإسرائيل، وذلك بكل ما يترتب على هذا القانون السافر في عنصريته، والمكرس للاحتلال والسيطرة الإسرائيلية، والذي ينفي في الوقت ذاته الوجود والحقوق التاريخية والمشروعة للشعب الفلسطيني، ويحوّل الفلسطينيين إلى مجرد مجموعة سكانية لا حقوق لها ولا دور لها في تقرير مصيرها أو في تحديد ما يتصل بمستقبل ومصير المجتمع الذي عاشوا، ويعيشون فيه منذ آلاف السنين وقبل قيام إسرائيل وبعدها، وهو استعلاء عنصري لا يمكن أن يقبله العالم والمجتمع الدولي في القرن الحادي والعشرين! ولا يمكن الاستناد فيه إلى فجوة واختلال القوة الشديد بين إسرائيل والفلسطينيين والعرب، لأنه ببساطة سيظل اختلالا مؤقتا وقابلا للتغير أيضا. وبرغم كل شيء فإن قانون قومية الدولة الإسرائيلية، الذي صدر في التاسع عشر من الشهر الماضي هو ذروة الحلم الصهيوني في فلسطين، وهو يرسم صورة الوضع في فلسطين المحتلة، كما يراه ويسعى إليه اليمين الإسرائيلي والمستوطنون والمتطرفون الإسرائيليون بكل أطيافهم، بزعامة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو زعيم تكتل الليكود، الذي يتوق إلى وضع نفسه إلى جانب ديفيد بن جوريون أول رئيس وزراء لإسرائيل ومناحيم بيجين الذي توصل إلى اتفاقية السلام مع مصر عام 1979. غير أن هذا الحلم، وبرغم كل ما أحاط به من تهليل المتطرفين واليمينيين الإسرائيليين وترحيبهم، واستعجال نتانياهو لإصداره، لا يعني أنه في صالح مستقبل إسرائيل، أو أنه الخيار الأفضل بالنسبة لها في الحاضر والمستقبل. وعلى الجانب الآخر، -أي الجانب الفلسطيني-، فإن القانون يهدف بوضوح إلى نفيهم من أرضهم وأرض أجدادهم والتخلص التدريجي منهم وتحويلهم إلى أقلية تنكمش وتتضاءل باستمرار، وبكل الوسائل الممكنة من جانب إسرائيل بالطبع، حتى تتلاشى أو تقل إلى أدنى قدر ممكن ومن ثم ينعدم تأثيرها -كما تتمني التيارات اليمينية الإسرائيلية- تقريبا، وتكون فلسطين كاملة وخالصة للصهاينة في إسرائيل، وهو مستقبل لا يمكن إلا أن يكون مخيفا، ومثيرا لكل عوامل وعناصر البقاء لدى الفلسطينيين لمقاومة ذلك والعمل على إفشاله بكل السبل الممكنة الحقيقية والقادرة أيضا على تكتيل جهود الفلسطينيين على صعيد النضال الفعال لمنع استئصالهم من أرضهم، وهي مسؤولية فلسطينية وقرار فلسطيني في المقام الأول، برغم الإدراك الكامل لكل العوامل الفلسطينية والإقليمية والدولية المؤثرة والضاغطة على الفلسطينيين، والتي يحاول البعض من خلالها التلاعب بفريق أو منظمة أو مجموعة فلسطينية لتحقيق مصالحه وأهدافه مستخدما الغطاء أو الكوفية الفلسطينية، بغض النظر عن مصالح الفلسطينيين في حاضرهم ومستقبلهم، سواء كقضية أو كشعب ينشد فقط الاستقلال والعيش في سلام على أرضه كبقية شعوب الأرض، وبناء حياة كريمة لأبنائه الذين تعرضوا ويتعرضون لبطش أسوأ صور الاستعمار الاستيطاني الذي عرفته الإنسانية، والذي كشف بشكل كامل عن هدفه النهائي الذي جسده قانون قومية الدولة. على أية حال فلعله من الأهمية بمكان الإشارة باختصار شديد إلى عدد من الجوانب، ولعل من أهمها ما يلي:
*أولا: إن قانون قومية الدولة، أو يهودية الدولة الإسرائيلية، يشكل علامة فارقة في حياة وتطور الدولة الإسرائيلية، حسبما يرى نتانياهو نفسه في وصفه للقرار بعد إصدار الكنيست له. وتنبع هذه الأهمية من وجهة النظر الإسرائيلية المؤيدة للقانون، من منظور أن قانون يهودية الدولة الإسرائيلية هو من القوانين الشارعة، أو ذات الصبغة الدستورية. صحيح أن إسرائيل ليس لديها دستور، ولكنها تعتمد على ما يسمي بالقوانين الأساسية، التي يصدرها الكنيست بأغلبية الثلثين، أو تتم الموافقة عليها في استفتاء عام، وهذه القوانين تشكل إطارا للعمل الداخلي في إسرائيل. وقانون قومية أو يهودية الدولة الإسرائيلية هو من تلك القوانين الأساسية، بالرغم من أنه صدر بموافقة أغلبية بسيطة -وليست أغلبية الثلثين- أي بموافقة 62 صوتا واعتراض 55 صوتا وامتناع اثنين عن التصويت. ومع ذلك فإن القانون بحكم صياغته ومواده والنقاط التي يتناولها قد اعتبر معادلا، ومفسرا لوثيقة استقلال إسرائيل، بحكم أنه تناول ما يتصل بهوية الدولة الإسرائيلية ورسم الإطار السياسي لها في علاقتها مع اليهود وفي علاقتها مع الفلسطينيين، وبالطبع مع الأرض الفلسطينية، التي يطلق عليها القانون «أرض إسرائيل» باعتبارها «الوطن القومي التاريخي للشعب اليهودي». ومما له أهمية ودلالة أن إسرائيل تعمد إلى عدم تحديد حدودها الدولية حتى الآن، فيما يتصل بالأراضي الفلسطينية فحدودها تحددت مع مصر بموجب معاهدة السلام عام 1979 والفصل في النزاع حول طابا بعد ذلك، وحدودها تحددت مع الأردن بموجب معاهدة وادي عربة للسلام عام 1993، وحدودها شبه محددة مع سوريا بموجب اتفاقيات الهدنة عام 1949 واتفاقية فض الاشتباك مع سوريا عام 1974، مع استمرار النزاع حول هضبة الجولان المحتلة، ومع لبنان بموجب اتفاقية الهدنة عام 1949 ولا تزال إسرائيل تحتفظ ببعض القرى في جنوب لبنان حتى الآن. وبالتالي فإن إسرائيل تعمل بكل السبل من أجل قضم أكبر مساحة ممكنة من الضفة الغربية، أما قطاع غزة فهي لا تريده لأنه مخزن مشكلات بالنسبة لها. وعلى ذلك فإن هذا القانون الأساسي -قانون قومية أو يهودية الدولة- هو من القوة القانونية بحيث تلتزم به المحكمة العليا في إسرائيل مثلا، بالنسبة للمستوطنات، وبالنسبة لحقوق الفلسطينيين. وإذا كان رئيس الوزراء الإسرائيلي نتانياهو قد جعل من تمرير هذا القانون أكبر إنجازاته على رأس الليكود، وأنه جعل يهودية الدولة الإسرائيلية، وإضفاء الطابع الديني عليها، أمرا واقعا في مواجهة كل الأطراف، فإنه حرص خلال السنوات الممتدة منذ عام 2011، عندما تم طرح مشروع القانون، وحتى الان على كسب قدر كاف من التأييد الداخلي الإسرائيلي لهذا القانون، وكان انتعاش اليمين الإسرائيلي والأحزاب المتطرفة في السنوات الأخيرة عنصرا مساعدا على ذلك. ولعلنا نذكر أن شرط نتانياهو للعودة إلى المفاوضات كان اعتراف الفلسطينيين بيهودية الدولة الإسرائيلية، وكان ذلك، ولا يزال، شرطا تعجيزيا يعرف هو تماما أن الرئيس عباس يرفضه، وقد رفضه علنا من قبل. أما الآن، وبعد صدور القرار بشكل رسمي من الكنيست، فان الأمر أصبح أكثر صعوبة بالنسبة للفلسطينيين، لأن هذا القانون أصبح على الطاولة، بمعنى أن المفاوض الإسرائيلي سيتعلل به لرفض أية مطالب فلسطينية، أو حتى اتخاذ مواقف تنقذ عملية السلام التي أجهز عليها هذا القانون العنصري.
*ثانيا: إنه بالرغم من الهالة الكبيرة التي يتم إضفاؤها على قانون قومية أو يهودية الدولة في إسرائيل، إلا أن هذا القانون يظل في الواقع، وبموجب القانون الدولي، قانونا هشا إلى حد كبير. فبالرغم من أن هذا قانون أساسي بالنسبة لإسرائيل إلا أنه في النهاية قانون إسرائيلي داخلي. وبحكم تراتبية العلاقة بين القانون الدولي والقانون الداخلي، بمعنى أن القانون الدولي يعلو القانون الداخلي عادة، وأنه ليس ممكنا أن تقوم دولة، أو برلمان إحدى الدول، كنيست أو مجلس شيوخ مثلا، بإصدار قرارات تتناقض، أو تتعارض مع القوانين الدولية . وهذه النقطة تحديدا تهز قرارات الكنيست الإسرائيلي، بالنسبة لضم القدس الشرقية المحتلة، وضم الجولان المحتلة، بالنسبة للقانون الأخير، و كذلك قرار الكونجرس الأمريكي الاعتراف بالقدس الموحدة عاصمة لإسرائيل، تهزها من الأساس، ولكن هذه مسألة ستحتاج بالتأكيد إلى جهد قانوني دولي رفيع أمام محكمة العدل الدولية، التي ينبغي الاحتكام إليها، وبالطبع أمام الأمم المتحدة، خاصة وأن هناك اعتبارات تم إقرارها عند الموافقة على قرار تقسيم فلسطين، وعند قبول إسرائيل عضوا في الأمم المتحدة، ومن أبرزها الحفاظ على مبادئ الحرية والمساواة وحقوق القوميات والأقليات في فلسطين. صحيح أن إسرائيل تمارس البلطجة السياسية والقانونية الآن، ولا تعطي بالا لقواعد القانون الدولي، بالرغم من أن وجودها ذاته استند على تلك القواعد التي تضرب بها عرض الحائط الآن، اعتمادا منها على التأييد الأمريكي، ورغبة في إيجاد واقع جديد مستثمرة حالة الانهيار العربي والفلسطيني على مدى السنوات الأخيرة. ونظرة سريعة إلى نصوص القانون، ومنها على سبيل المثال ما يتصل بالقدس، (الكبرى والموحدة عاصمة أبدية لإسرائيل) وما يتصل بحق تقرير المصير وقصره على اليهود فقط، وتجاهل اللغة العربية، وشرعنة الاستيطان وجعله (قيمة قومية) ينبغي دعمها وإلزام الدولة بتشجيعه، هذه كلها وغيرها تعطي انطباعا واضحا وقويا بأن إسرائيل التي تسيطر بالفعل على الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية المحتلة، منذ أكثر من نصف قرن، تكاد لا تصدق ذلك أو أنها تريد التأكيد على أن هذا الوضع لن يتغير، وهو أمر نفسي يفضح المغتصب والسارق عادة. أما مسألة الحقوق التاريخية اليهودية القديمة، فإنه حتى لو تم التسليم بذلك جدلا، فإن الحقوق التاريخية الفلسطينية قائمة وثابتة أيضا، ولا يمكن النظر إلى التاريخ بمنطق انتقائي، بمعني قبول الادعاء الإسرائيلي ورفض الحق الفلسطيني، والبديل هو التعامل مع الاثنين معا، أما نفي الفلسطينيين من أرضهم، فإنه أمر لن يتحقق، مهما حاولت إسرائيل، ولن يسعفها قانون القومية العنصري الذي أصدره الكنيست الشهر الماضي.
*ثالثا: إنه بالرغم من أن نتانياهو ينظر إلى القانون العنصري، على أنه أبرز إنجازاته، وإنه بذلك ضمن النجاح في الانتخابات القادمة في إسرائيل، خاصة إذا تمت خلال الأشهر القادمة، إلا أن هذا القانون الذي يواجه انتقادات من داخل إسرائيل ذاتها، من شأنه أن يحدث هزة كبيرة داخل إسرائيل خلال الأشهر القادمة، وعندما تمارس إسرائيل تطبيق القانون. وإذا كان الدروز داخل إسرائيل قد بدأوا في الاعتراض، وتحدث كثيرون عن أن القانون يهدم ادعاء إسرائيل بأنها دولة ديمقراطية، وأن سياسة التمييز العنصري ضد الفلسطينيين لن تمكن إسرائيل من السيطرة عليهم، بل أنها ستدفع نحو مزيد من الاحتكاك والتوتر، هذا فضلا عن أن صورة إسرائيل الليبرالية قد تحطمت بالفعل، فإن هذا القانون لن يوقف في الواقع التطور الديموغرافي للفلسطينيين داخل إسرائيل، والذي يمثل القانون حاجزا وقائيا له، بقصر حق تقرير المصير على اليهود في إسرائيل، ومعاملة الفلسطينيين كأقلية من الدرجة الثانية وحرمان عرب 48 وهم مواطنون إسرائيليون من هذا الحق.
من جانب آخر، فإنه إذا كان توقيت صدور القانون ليس مصادفة أبدا، بحكم الأوضاع الفلسطينية والعربية، وما يتردد حول احتمال التوصل إلى هدنة طويلة بين حماس وإسرائيل، فإنه لا يمكن استبعاد فرضية أن القانون هو إحدى أدوات ما يسمى صفقة القرن، التي تأجل الإعلان عنها ربما إلى نهاية العام على الأقل، فإنه من المهم والضروري للفلسطينيين والعرب ولمستقبل المنطقة أيضا أن يتم استعادة المصالحة الفلسطينية وبشكل حقيقي وعملي على الأرض لمواجهة هذه الخطوة والخطوات والإجراءات المترتبة عليها، كما أنه من المهم والضروري الاستعداد العربي، عبر جامعة الدول العربية وبجهد مصري أيضا، لتكوين فريق من خبراء القانون الدولي لمباشرة طرح القضية أمام محكمة العدل الدولية والدفع بعدم قانونية الإجراءات الإسرائيلية، وبطلان القانون الذي يخالف التزامات انضمام إسرائيل لعضوية الأمم المتحدة، وينتهك كل قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالحقوق والقضية الفلسطينية. وإذا تمسك الفلسطينيون بحقوقهم المشروعة وأداروا الصراع بشكل صحيح، وبمساعدة قانونية سياسية ودعم عربي مخلص فسوف يستعيدون حقوقهم، بما في ذلك إقامة الدولة الفلسطينية، أما إذا استمرت الأوضاع على ما هي عليه واكتفى طرف بالتصريحات الإعلامية، وآخر بتسيير الطائرات الورقية، فإن إسرائيل ستنجح في السير نحو هدفها النهائي من هذا القانون العنصري على حساب الأرواح والدماء والحقوق الفلسطينية المشروعة والكرة في ملعبنا فلسطينيين وعربا.