مواجهة المخاطر المستقبلية للدولة ثنائية القومية!!

د. صلاح أبونار –
في 19 يوليو الماضي صدر عن الكنيست الإسرائيلي قانون: (إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي)، كقانون أساسي مكمل للقوانين الإسرائيلية التي تقوم مقام الدستور الإسرائيلي.

وعلى الفور توالت ردود الفعل في جدال واسع وعنيف. ولم يكن الأمر مجرد خلافات داخلية، وصلت إلى حد هجوم وزراء من حكومة نتانياهو على القانون. فسوف نجد تصريحات ناقدة من جانب موجيريني مسؤولة الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي، ومنظمات حقوقية دولية من وزن آمنيستي -منظمة العفو الدولية-، وبعض أكبر شخصيات ومنظمات اليهود الأمريكيين، وصحيفة مثل نيويورك تايمز التي نشرت أربع مقالات نقدية متتالية. وكانت أصول هذا الجدل العنيف تختمر قبل سن القانون بفترة طويلة، ووصلت أوج اختمارها قبل صدوره بساعات قليلة، عندما تعرض الكنيست لما يشبه ضغط جماعي مصدره نتانياهو ووزيره نافتالي بينيت والمدعي العام الإسرائيلي، لتغيير مواد رأوا فيها عنصرية فاضحة.
وداخل إسرائيل يمكننا تمييز ثلاث صيغ حكمت هذا الجدال. صيغة رافضة للقرار من منظور تحرري راديكالي يعبر عن الحقوق الفلسطينية والعربية، لا تخطئ في قراءة الوقائع التاريخية، وتضعها عبر منظور تحليلي صحيح يتكون من مفردات: المشروع الصهيوني الاستعماري والاستيطان والعنصرية وإسرائيل كشكل من أشكال الابارتهيد وانتهاك معايير وأسس القانون الدولي. وصيغة ثانية تنتمي إلى يسار الوسط الصهيوني، تتحدث عن نقض القانون لروح المشروع الصهيوني كمشروع تحرري، وخيانته لمبادئ إعلان الاستقلال، وانتهاكه للديمقراطية الإسرائيلية. وصيغة ثالثة وأخيرة تنتمي لليمين الديني الصهيوني الحاكم، وتجادل خصومها بهذا المنطق المباشر: وما الجديد هنا؟ أليس ما أقره القانون هو نفس جوهر المشروع الصهيوني؟ أليس ما نص عليه هو ذات ما نص عليه إعلان الاستقلال؟ ألسنا نسعى إلى تقنين دستوري لحقائق الواقع الذي تحياه إسرائيل بالفعل؟
جاء القانون الأخير من 11 قسما تحوي 22 مادة، تسعى لتحديد الهوية الدستورية العليا للدولة. وتحديد تلك الهوية يعني تحديد معيار يمكن الاحتجاج به على شرعية القوانين والقرارات الراهنة، ويحكم عمليات التشريع التالية. ومن الصحيح أن هذا القانون قد سبقه 13 قانونا آخر. غير أن هذا القانون سيحتل مكانة معيارية وأعلى بالنسبة للقوانين الأخرى؛ لأنه يحدد الهوية الدستورية للدولة كلها، ولان اغلبها فيما عدا قانوني: الكرامة والحرية الإنسانية وحرية الوظيفة، تتناول تنظيم قطاعات الدولة ونشاطها مثل الكنيست والاقتصاد.
اتجه القانون إلى تحديد هوية الدولة عبر أكثر من مسار. أولها يمكن تسميته بالمسار الرمزي، يتناول التقويم الرسمي والأعياد والعطلات والعلم والشعار واللغة والعاصمة، وجميعها يتسيدها المحتوى الديني اليهودي. وكل هذا كانت تفرضه القوانين العادية، ولكن جعلها إلزاما دستوريا يساهم في تحقيق هدف إبراز هوية يهودية حصرية للدولة. والمسار الثاني يحدد الهوية العليا للدولة عبر تحديد الصلات بين ثلاث مفردات، هي الشعب اليهودي ودولة إسرائيل وارض إسرائيل. الشعب اليهودي هم اليهود في إسرائيل وخارجها، وأرض إسرائيل هي الوطن القومي التاريخي للشعب اليهودي، ودولة إسرائيل هي الدولة القومية للشعب اليهودي. ويفيد تعريفهم انعدام علاقة التطابق، بين الدولة والشعب والإقليم. فشعب الدولة ليس المواطنين المقيمين في حدود الدولة بل اليهود في كل مكان، وإقليم الدولة ليس أرضا تحدها حدودها بل أرض إسرائيل في تعريفها التاريخي التوراتي. وهكذا تبدو الدولة متوسعة جغرافيا خارج حدودها بتعريفها ذاته، وإقصائية اجتماعيا داخل حدودها بجوهرها ذاته. والمسار الثالث يمثل نقطة الذروة في القانون وهو مفهومي حق تقرير المصير والاستيطان. يحدد القانون أن حق تقرير المصير في دولة إسرائيل من حق الشعب اليهودي فقط، وليس أي جماعة أخرى مقيمة داخل حدود الدولة، ولكن العلاقة العضوية التي أقامها المسار الثاني بين مفرداته الثلاث، تجعل هذا الحق بحكم تعريف ارض إسرائيل قابل للامتداد إلى الأراضي المحتلة. وفيما يتعلق بالاستيطان جاء القانون ليرفعه إلى مستوى الإلزام الدستوري، من خلال وصفه بكونه (قيمة قومية) وإلزام الدولة «بتشجيع ونشر وتدعيم» المستوطنات.
ويمكن اعتبار القانون في محتواه السابق امتدادا طبيعيا لما يدعوه الإسرائيليون «إعلان الاستقلال». نص هذا الإعلان الذي كتبه بن جوريون على أن «ارض إسرائيل هي موطن الشعب اليهودي»، وأعلن قيام «دولة يهودية في ارض إسرائيل تدعى دولة إسرائيل»، «مفتوحة للهجرة اليهودية وتجميع المنفيين». إلا أن نفس الإعلان نص أيضا على «ضمان الدولة للمساواة الكاملة في الحقوق الاجتماعية والسياسية بمعزل عن الدين أو العرق أو النوع، وحرية العقيدة والضمير واللغة والتعليم والثقافة، لكل سكانها». وهو تناقض فادح، فمشروع الدولة الإسرائيلية يقوم على الاحتلال والمصادرة والتهجير الإجباري لشعب آخر، وهو أمر لا يمكن أن يستقيم مع التعامل بالمساواة مع بقايا هذا الشعب داخل حدوده. والأصح أننا أمام خطابين سياسيين: خطاب واقعي يعبر عن مشروع استعمار استيطاني، ويسعى لتنظيمه والتعبئة من حوله. وخطاب أيديولوجي موجه إلى المجتمع الدولي، يسعى لكسب الشرعية الدولية للدولة الجديدة في سياق إقليمي يتسم بالتوترات والرفض الإقليمي الحاد، ودولي يشهد تحولات في التوازنات والأدوار الدولية في المنطقة دفعت إسرائيل نحو إعادة بناء تحالفاتها، وتبني خطاب سياسي قادر على منحها مزيدا من الشرعية.
وجاءت التطورات الإسرائيلية في العقود التالية مؤكدة على هذا التناقض. فهي -أولا- أكدت على الطابع اليهودي المسيطر علي المجتمع الإسرائيلي، عبر تغلغل رجال الدين في الحياة الخاصة، ودور مؤسساتهم في صياغة قوانين الهجرة والتجنيد والمواطنة والاستيطان والتعليم وشراء الأرض.
وهي -ثانيا- سجلت صعود أحزاب اليمين الديني إلى قمة السلطة، وقدرتها علي البقاء لعقود متواصلة، ومعها مشاريعها التوراتية وتحالف من الأحزاب الدينية الصغيرة، تساندها قاعدة انتخابية دينية واسعة.
وهي -ثالثا- واصلت سياسات التوسع الخارجي، وفقا لمزيج من الدافع الاستعماري والحافز الديني.
وهي -رابعا- مارست إقصاء وتهميش منهجي للأقلية العربية. نشر المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل (عدالة)، قائمة من 63 قانونا إسرائيليا تمارس التمييز المباشر وغير المباشر ضد عرب إسرائيل والأرض المحتلة، في كل مناطق الحياة من المواطنة إلى المشاركة السياسية والأرض والسكن والتعليم والحقوق الثقافية واللغوية والدينية».
وإذا كان الأمر كذلك ما هي حاجة إسرائيل لإصدار قانون يثير هذا الاعتراض الواسع تأكيدا على ما هو موجود؟ يمكننا هنا أن نميز بين عدة عوامل متفاوته الأهمية.
أولها يتعلق بتطورات أوضاع عرب 48. رغم أن نسبتهم من السكان لا تتعدى الآن 20%، يتمتعون بمعدلات نمو عالية تجعلهم قادرين خلال عقود قليلة علي الاقتراب من وضع الأغلبية. واقترن هذا بتطور عميق في تكوينهم التعليمي والمهني، ودخولهم المجال السياسي الرسمي بما أهلهم أن يصبحوا من قوى الكنيست وعنصر قوي قي تشكيل توازناته السياسية. وقد ربطت تصريحات إسرائيلية عديدة بين الخوف من تداعيات النمو العربي المستقبلية، والمهددة بخلق دولة ثنائية القومية، وسعي القانون لحصر حق تقرير المصير داخل اليهود.
وثانيها يتعلق بتحولات إيجابية داخل المجال السياسي الإسرائيلي الرسمي، باتت تشكل خطرا على الطابع اليهودي للدولة. فلقد صدرت قوانين أساسية ذات طابع ليبرالي، وبالتحديد قانون الكرامة والحرية الإنسانية 1992 وقانون حرية الوظيفة 1994. الأمر الذي أتاح لحقوق الأقلية العربية درجة من الحماية، ونموذج ذلك حكم المحكمة العليا سنة 2000 في القضية التي أقامتها أسرة عربية ضد الصندوق القومي اليهودي، والذي نص علي تغيير قواعد عمله المانعة لبيع الأرض للعرب. وتفاعل ذلك مع تأثير تيارات ما بعد الصهيونية والمعادية لها داخل يهود إسرائيل، الأمر الذي مهد لإصدار المحكمة العليا عدة أحكام اعتبرت مهددة للطابع اليهودي للدولة. وحتي الآن لا يزال الخطر في بداياته، لكنه ينذر بمخاطر مستقبلية أكبر.عبر عن هذا التخوف ياريف ليفين عضو الكنيست بقوله: الإجماع المشكل لأساس دولتنا أخذ في التلاشي مؤخرا تحت تأثير أحكام عديدة للمحكمة العليا. وفي هذا السياق سعى القانون لوضع إلزام دستوري على المحكمة العليا لحماية يهودية الدولة، وهو ما عبر عنه آفي ديختر الراعي الأول للقانون منذ عام 2011 عبر إشارة مباشرة للعرب بتصريحه: القانون رد على من يعتقدون أن الطابع اليهودي للدولة مؤقتا. كل ما يمكن أن يتواجد هو أقلية تنعم بالمساواة، وليس قومية تنعم بالمساواة، ولن تصبح إسرائيل ملكا لجميع من فيها.
وثالثها: التحولات الجارية علي مستوى التسوية السياسية. تدخل هذه المحاولات مرحلة جديدة، سماتها الأساسية تخطي فكرة الدولتين والتوسع الاستيطاني. وحاليا يجري تسريب تصورات محددة للشكل القادم للتسوية في ظل هذه الشروط، لكن رغم كل هذا اللغط لا يبدو أن تلك المخططات لديها أي فرص عملية للنجاح. والمرجح حدوثه هو مسار فرض الأمر الواقع، في ظل علاقات إذعان سياسي من أطراف مختلفة، مع سعي إسرائيل لإعلان حل نهائي من طرف واحد. وهنا يرجح احتياج إسرائيل للنص الخاص بالمستوطنات، من اجل إطلاق مكثف لعمليات الاستيطان دون عوائق داخلية، والأهم من أجل تحصينها دستوريا بما يعوق أي تفكير في التنازل عنها. وبالتوازي مع ذلك سيتقدم حق تقرير المصير، لكي يوظف في لحظة فرض الحل النهائي من طرف واحد، كممارسة لحق تقرير المصير في نطاق من أرض إسرائيل من جانب شعب إسرائيل.