تكريس لثقـافة «العزلـة».. وعـودة لزمن «الجـيتو»!

عماد عريان –
لا يمكن بأي حال من الأحوال التقليل من المخاطر الجسيمة للقانون العنصري الصهيوني الأخير الخاص بالقومية اليهودية لإسرائيل وتأثيراته السلبية على الفلسطينيين والعرب، إلا أن استعراضا دقيقا لحقائق التاريخ يؤكد أن إسرائيل ذاتها سيلحقها عاجلا أم أجلا الكثير من الأضرار جراء تبنيها هذا القانون الهمجي !

حقيقة الأمر أن هذا القانون سينطوي على ممارسات عنصرية بغيضة تجاه الفلسطينيين والعرب، ولكنه أيضا يؤكد أن إسرائيل لا تتعلم من دروس التاريخ حيث تضيع الفرص تلو الأخرى كي تندمج بشكل بطبيعي وسلمي في محيطها الشرق أوسطي وتتحول إلى دولة طبيعية تعيش في أمن وأمان داخل حدود طبيعية، وقد أتيحت لها تلك الفرص مرارا وتكرارا خاصة منذ مبادرة الرئيس المصري الراحل أنور السادات عام 1977 ثم مبادرة السلام العربية في قمة بيروت عام 2002، إلا أن إسرائيل فضلت التزام سياسات العدوان والقمع والتصعيد العسكري، ليس ضد الفلسطينيين فحسب ولكن ضد محيطها الشرق أوسطي بأكمله، مستغلة في ذلك ظروفا إقليمية ودولية وداخلية، غير مأمونة الدوام، وصولا إلى قانونها العنصري الأخير الذي يكرس بالفعل سياسات «العزلة» الإسرائيلية بعدما تحولت إلى صوت نشاز في عالم يرفض مثل هذه الممارسات وتلك السياسات، ولعله يمثل بشكل أو بأخر عودة إلى أزمان «الجيتو» حيث حولت إسرائيل نفسها بنفسها إلى «جيتو» ضخم معزول عن محيطه الإقليمي وربما العالمي أيضا!
وبحسب مصادر ومراجع علمية متطابقة فإن كلمة «جيتو» تستخدم بشكلٍ خاص للإشارة لأحياء اليهود في أوروبا، وقد أُقيم أول جيتو يهودي في «روما» عام 1516، وللجيتو أسماء متعددة، من بينها ما أُطلق عليه «الحي الرابع» وهو عبارة عن جزء من المدينة تعمد الدولة إلى إسكان اليهود فيه لتسهيل معرفة تحركاتهم والوقوف على أحوالهم، وسبب التسمية أن المدينة كانت تقَسم إلى أربعة أقسام، أو أربعة أحياء وكان أحد هذه الأحياء يخصص لليهود، كانت هذه الأحياء محاطة بالأسوار العالية، وقد انتشر الجيتو المغلق جدا في نهاية العصور الوسطى في إسبانيا وإيطاليا وأوروبا الشرقية، وكان اليهود يستأجِرون حراسا خصوصيين منهم لحراستهم في الليل.
وتؤكد المصادر ذاتها أن الجيتو كان هو الحِصن الذي يعيشون داخله كي يحافظوا على هويتهم، ويدافعوا عن أنفسهم من «خطر الاضطهاد» المحتمل في أي وقتٍ، وكل هذا كان نابعا من اعتقادهم بأنهم شعب مكروه، فكان اليهودي يرى في حياة الجيتو الأمن والأمان، وهذا ليس بجديد عليهم، فقد تكونت لديهم عقدة الدونية، فهم شعب الله المختار -كما يَزعمون- ويعيشون منبوذين في العالم أجمع، وقد ساعدتهم الحياة داخل هذه الجيتوات على ممارسة شؤونهم الدينية وشعائرهم الخاصة، وإقامة معابد داخل هذه الجيتوات حسب فِرَقهم الدينية، وبعيدا عن عيون الأغيار، إضافة إلى أن الحياة في الجيتو تحفظ الكِيان اليهودي من الذوبان في الشعوب الأخرى، على حد اعتقادهم، ولم يستطع اليهودي التكيفَ مع المجتمع الخارجي بأوضاعه المختلفة، وكان الحلم والملاذ هو «الجيتو» الذي يعيشون فيه، أما الحلم الكبير، فهو جيتو كبير على أرض فلسطين، وهو ما قد وضعته إسرائيل موضع التنفيذ بقانونها الأخير.
وحقيقة الأمر أن ذلك لم يكن ممكنا بدون سياسات متوازية على الضفة الأخرى من الأطلنطي، فلا شك في أن سياسات ترامب المثيرة بشأن اللاجئين والقدس لم يكن ليمهد السبيل لإيجاد حل لمعضلة إنسانية تاريخية طالما أرهقت العالم أجمع حسب قوله، بقدر ما شجع حكومة نتانياهو على تكثيف ومضاعفة انتهاكاتها وخروقاتها بحق الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة عبر التوسع في الأنشطة الاستيطانية، والتغول في شن حملات التوقيف والاعتقال، والإمعان في خروقات هدم المنازل والمنشآت في القدس والضفة ومصادرة الأراضي، حتى أن صحيفة «هاآرتس» الإسرائيلية أوردت في وقت سابق من الشهر الجاري، أن الفلسطينيين لم يتحصلوا إلا على أقل من نسبة 1٪ فقط من أرضهم التاريخية، فمقابل كل دونم تمكنوا من استعادته بالدماء والمعاناة وشق الأنفس، كان النشاط الاستيطاني المحموم يلتهم وحده 370 دونما.
فتوخيا منها لتقنين وشرعنة المساعي والمخططات الإسرائيلية المزمنة والمتواصلة الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية وطمس الحقوق التاريخية المشروعة للشعب الفلسطيني، شرعت واشنطن في نسج خيوط مخطط الصفقة المريبة مع انتخاب ترامب رئيسا للولايات المتحدة في نوفمبر 2016، وتشكيل طاقم إدارته، الذي تصدره صهره وكبير مستشاريه جاريد كوشنير، ومبعوثه الخاص لعملية السلام جيسون جرينبلات، والسفير الأمريكي لدي إسرائيل ديفيد فريدمان، والذين أقدموا على هندسة مشروع الصفقة بالتعاون والتنسيق مع سفير إسرائيل لدى واشنطن رون ديرمر، علاوة على نخبة من الخبراء الأمريكيين بمراكز أبحاث ودراسات على شاكلة مركز بروكنجزسابان لسياسات الشرق الأوسط، والتقدم الأمريكي، ومعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، إضافة إلى خبراء ومسؤولين أمريكيين سابقين لهم باع ودراية عميقة بملفات الشرق الأوسط من أمثال دينس روس ومارتن أنديك وغيرهم.
وعلاوة على ذلك، أطلت برأسها الانعطافة التاريخية اللافتة في صيرورة التفاعلات الإقليمية، فطيلة ما يربو على نصف قرن خلا من الزمن، لم يتسن للمؤامرات ولا حتى التحولات والمنعطفات الاستراتيجية التي اعترت قواعد اللعبة الصراعية في إقليم الشرق الأوسط النيل من حالة الإجماع العربي بشأن وضع إسرائيل في المنطقة والموقف منها، غير أنه بمرور الوقت وعلى وقع الهزات الارتدادية العنيفة لانهيار ما كان يعرف بالنظام الإقليمي العربي إن بسبب غزو العراق للكويت عام 1990، أو بجريرة الاجتياح الأنجلو أمريكي لبغداد عام 2003، وصولا إلى تنامى وتيرة التجييش الإقليمي والدولي ضد إيران جراء سياساتها وطموحاتها التسليحية، بدأت المحاولات والمخططات الإسرائيلية والغربية الممنهجة لخلط الأوراق وإعادة هيكلة الحسابات الإستراتيجية وتحريك بوصلة اتجاهات العلاقات الإقليمية في المنطقة توطئة لتغيير الشكل التقليدي لمعادلات الصراع والتعاون فيما بين دولها مجتمعة، تؤتى أكلها.
ومن رحم ذلك التحول في اتجاهات ومجريات الصراع الإقليمي، ظهر التقاء ما عربي إسرائيلي عند رفض توسع النفوذ الإيراني إقليميا، وتطوير طهران لقدراتها التسليحية، بشقيها التقليدي وغير التقليدي، إلى حد يلامس رغبة، لا تخطئها عين المراقب، في إنتاج السلاح النووي ومنظومات إطلاقه من الصواريخ الباليستية والطائرات أو حتى الغواصات.
وبناء عليه، هرع الإسرائيليون لاستثمار ذلك التلاقي الاستراتيجي الظرفى والاضطراري بين تل أبيب والعرب بشأن ما اصطلح على تسميته «التهديد الإيراني» بغية تعزيز الجهود الإسرائيلية الحثيثة والمزمنة لاصطياد عصفورين بحجر واحد، حيث تقويض مشاريع إيران التسليحية الطموحة، وإزالة بعض الحواجز التاريخية بين الإسرائيليين والعرب في ذات الوقت، فكان ترويج الشائعات عن لقاءات سرية بين مسؤولين سياسيين وعسكرين إسرائيليين بنظراء لهم عرب في أوربا وأمريكا للبحث في تفاهمات بشأن تقويض التطلعات التسليحية والتوسعية الإيرانية.
وبالتوازي، لاحت في الأفق تحركات إسرائيلية وأمريكية نشطة لتهيئة الأجواء من أجل استبدال أي صراع محتمل بين العرب والمسلمين السنة من جهة وإيران والمسلمين الشيعة من جهة أخرى، بالصراع الاجتماعي الوجودي الممتد والقائم بالفعل بين العرب والصهيونية، ومن ثم لم تكف دوائر غربية وإسرائيلية عن تسويق طروحات تفيد بأن ما كان يعرف بالصراع العربي – الإسرائيلي قد بدأ يتلاشى أمام انبعاث ما يزعم البعض انه الصراع العربي – الإيراني،أو العربي- الفارسي ،أو السني – الشيعي، وهو ما بدا جليا في دعوات متوالية، والتي انبعثت مجددا هذه الأيام لتشكيل ما يسمى «ناتو أمريكي عربي سني» في مواجهة إيران، قد لا يستثني إسرائيل من عضويته.
مثل هذه الأجواء التي يتم الترويج لها، تعد مثالية بالنسبة لإسرائيل من أجل تنفيذ صفقة القرن توطئة لتصفية القضية الفلسطينية، علاوة على تأبيد ومفاقمة محنة النظام الإقليمي العربي وتغذية أزمة العمل العربي المشترك، ففي ظل عدم وجود دستور مكتوب لدولة إسرائيل حتى الآن على الرغم من أن ما يسمى بـ(وثيقة الاستقلال)، كانت قد أكدت على ضرورة وضع ذلك الدستور وألزمت المجلس التأسيسي بالإسراع في إعداده، لن يستعصى على قانون القومية الشائن أن يشق طريقه لينضم إلى حزمة القوانين الأساسية للدولة العبرية، التي تعد بمثابة دستور البلاد كونها تتعامل مع تشكيل ومهام مؤسسات الدولة الرئيسية، والعلاقات بين السلطات، وحماية الحقوق المدنية، خصوصا بعدما اعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو قانون القومية هذا لحظة فارقة في تاريخ إسرائيل والحركة الصهيونية.
غير أن تنفيذ إسرائيل لقانون القومية العنصري ضمن سياق مساعيها لتحويل صفقة القرن إلى واقع عملي، بالتوازي مع تجدد التوترات والصدامات بين قوات الاحتلال الإسرائيلي والناشطين الفلسطينيين في الأرض المحتلة، سيكون كفيلا برفع منسوب تأزيم الوضع في المنطقة كما يزيد احتمالات تجدد الصراعات المسلحة فيها، على نحو يخلف تداعيات استراتيجية خطيرة على السلم والأمن الدوليين، حسبما وضح جليا في تحذيرات الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، الذي دعا الفلسطينيين والإسرائيليين قبل قليل إلى تفادي (نزاع مدمر جديد) يهدد أمن منطقة الشرق الأوسط والاستقرار العالمي قاطبة، ولكن هذا التوتر والأضرار الواقعة على الفلسطينيين لا يخفي أن إسرائيل لا تستفيد من دروس التاريخ وأنها فرضت بنفسها على نفسها مزيدا من العزلة وعادت مجددا إلى زمن «الجيتو»!