اهتمـام واسـع بقضـايا الشـباب

حيدر بن عبدالرضا اللواتي –
haiderdawood@hotmail.com –

على المؤسسات الرسمية في الدولة أن تفتح مجالات العمل للشباب وتسهيل مهامهم وأعمالهم الخاصة دون فرض أية عقبات أمام انطلاقتهم في الأعمال الريادية والتجارية، وتقليل الرسوم والضرائب بحيث ينطلقون في أعمالهم ومشروعاتهم .
لا يختلف اثنان على أن فئة الشّباب في أية دولة تعتبر من أهمّ وأكثر الفئات التي يمكن من خلالها تفجير طاقات أفراد المجتمع، والعمل على بنائه وتنميته بصورة إيجابية. فهذه الفئة – وأقصد بها الشباب – تعتبر العمود الفقري من الجسم حيث تعمل على بناء وتنمية المُجتمع مهما كان حجمه وقدراته من حيث العدد وحجم الثروة، ولا يُمكن الاستغناء عن هذه الفئة باعتبارها تملك الكثير من المقومات التي تؤدي إلى نهوض أفراد المجتمع، وبانتكاستها تنتكس قوة أفراده أيضا. فهذه الفئة تمتلك خصائصَ عدة منها الرجولة والقوّة والحيويّة والطّاقة والقدرة على التحمّل في مختلف الظروف والأوقات والصعاب، وقدرتها على الاستمرار في العملية الإنتاجية والتغيير والتطوير وغيرها من المفردات المعمول بها في العمل الإداري والفني. كما أن لها أدوارا أخرى تخص جميع المجالات الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة، وغيرها من المجالات التي تهم قطاعات التّنمية والإنتاجية في المجتمع.
وقد قيل الكثير عن الشباب العماني والقضايا التي يود التركيز عليها لخدمة مجتمعه، بالرغم من أن الدراسات الوطنية في هذا الجانب ربما تكون قليلة، إلا أننا نشير هنا إلى بعض ما توصلت إليها إحدى الدراسات الحديثة بعنوان «الاحتياجات المعرفية المستقبلية للجمهور العماني من برامج التوعية» (لعام 2017)، وهي دراسة مسحية تم إعدادها من قبل مجموعة متميزة من أعضاء فريق البحث بجامعة السلطان قابوس ووزارة الإعلام ممن ساهموا في مراحل الإعداد لهذه الدراسة المتميزة التي تتناول الكثير من القضايا التي تهم الجمهور العماني ومنها «قضايا الشباب». فقد أشارت هذه الدراسة إلى أن قضية فرص العمل تصدرت لدى الجمهور العماني ضمن القضايا التي يبدي الجمهور العماني اهتمامه ويعطي الحرص لها وبنسبة بلغت 28.4% من اهتمامات المبحوثين في هذا المجال، حيث تناولت الدراسة خمس قضايا محلية تهم الشباب، فيما احتلت قضية المخدرات والإدمان المرتبة الثانية وبنسبة 24.4%، الأمر الذي يعكس أهمية هذه القضية وخطورة آثارها على الشباب، وضرورة الاهتمام بها من قبل المخططين لبرامج التوعية الإعلامية.
أما القضايا الشبابية الأخرى التي تهم الجمهور العماني فهي تتعلق باختراعات وإبداعات الشباب، وتغير العادات والتقاليد لديهم، بالإضافة إلى مشاركتهم السياسية. واللافت للنظر من نتائج هذه الدراسة وجود ضعف لاهتمام المبحوثين بقضية المشاركة السياسية حيث احتلت هذه القضية المرتبة الخامسة والأخيرة بين قضايا الشباب من قبل الجمهور العماني وبنسبة 9.6% فقط.
ووفقا لرأي هؤلاء الخبراء فإن هذا المستوى من الاهتمام المتدني بالقضايا السياسية قد يعكس حساسية هذه القضايا عادة، أو ضعف درجة الاهتمام الإعلامي بها، لكنه في المقابل لا يعكس حالة التطور التي يمر بها المجتمع العماني على المستوى المحلي المتمثل في المجالس البرلمانية (الشورى والبلدية)، أو على المستويين الإقليمي والدولي مثل العلاقة بالمنظمات السياسية الإقليمية والعربية والعالمية.
وعموما فإن للشباب تأثيرا كبيرا على الأمور السّياسية، ولهم أدوارٌ مهمة حيث يمثلون القوّة السياسيّة الأكبر، ويمتلكون القُدرة على تحقيق الأهداف وفي تغيير السّياسات، وتفعيل دورها بشكل أكبر داخل مجتمعاتهم، والتّأثير على جميع القوى السياسيّة. ومع وجود المؤسسات التعليمية العالية في البلاد والتخصصات في مجال السياسة والاقتصاد وغيرها، فإن الوعي بهذه القضايا والمشاركة السياسية سوف تنال المزيد من اهتمامات الجمهور خلال السنوات المقبلة، وسيكون هناك حرص أكبر في مَعرفة الحقوق والواجبات والسعي للمُطالبة بها، والتّعامل معها، وتحقيقها، وتطبيقها بالشّكل الأمثل. كما أن البيئة المتاحة للشباب العماني والأسس التي تم وضعها يعطي لهذه الفئة القدرة على المُشاركة في العملية الانتخابية للمجالس السياسية والجمعيات المهنية والمؤسسات الرياضية والثقافية والمجتمع المدني من الدخول في التنافس الشريف للانتخابات التي تجريها تلك المؤسسات بين فترة وأخرى. وهذا يتطلب بأن يكون للشباب موقف إيجابي منها لتحديد مُستقبل البلاد من خلال المشاركة السياسية في تلك الانتخابات.
وما يحرص عليه الشباب العماني اليوم هو مدى تمكنهم من الحصول على فرصة العمل في بلادهم. وفي هذا الصدد، تشير إحدى الدراسات الصادرة عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات بعنوان «الشباب والعمل» إلى أن أكثر من ثلاثة أرباع الباحثين عن العمل هم من الشباب العماني حيث تتراوح أعمارهم ما بين 18 إلى 29 عاما وبنسبة 76.5% من إجمالي الباحثين عن العمل من مختلف الأعمار، وأن حوالي ثلثي الشباب الباحثين عن عمل هم من الإناث. فقد بلغ إجمالي عدد العمانيين الباحثين عن عمل في السلطنة 43858 باحث عام 2016 ، وأن حوالي %63.9 هي نسبة الإناث من إجمالي الباحثين عن عمل، والنسبة الأكبر من الباحثين عن عمل هم من حملة الشهادة الجامعية. ووفقا للبيانات فقد بلغ عدد سكان السلطنة في منتصف عام 2016 نحو 4.4 مليون نسمة، شكل العمانيون منهم 55%، مقابل 45% من الوافدين. وتبلغ نسبة الذكور في السلطنة من فئة الشباب التي تتراوح أعمارهم ما بين 18 إلى 29 عاما نحو 65.4% مشكلين ما نسبته 27.6% من إجمالي عدد سكان السلطنة. أما عدد المشتغلين في القطاعين العام والخاص فقد بلغ في منتصف عام 2016 نحو 2.26 مليون شخص، شكلت العمالة الوافدة منهم الشريحة الأكبر من المشتغلين في السلطنة حيث بلغت ما نسبته 81% من إجمالي المشتغلين. ويعتبر القطاع الخاص المشغل الأكبر في السلطنة، وأن حوالي ثلث الشباب العمانيين العاملين في القطاع الخاص لا يحملون أي مؤهل تعليمي، فيما يتفوق عدد الشابات العمانيات العاملات في القطاع الخاص الحاصلات على درجة الماجستير عن الذكور. وجميع هؤلاء الشباب من الفتية والفتيات يتطلعون إلى الأمان الوظيفي في الوظائف التي يعملون بها حاليا ورغبتهم بالاستقرار في العمل، والحصول على الراتب الجيد بطريقة منتظمة، وعدم التعرض للفصل أو أي عقاب آخر بشكل فجائي أو غير مبرر.
وهنا تأتي مسؤولية الجهات المعنية بإيجاد الطرق الكفيلة للقضاء على أي قلق يشعرون به في أعمالهم اليومية، واطمئنان الأجيال المقبلة بأن فرص العمل لهم متاحة مستقبلا في التخصصات التي يحملونها من خلال التخطيط ودراسة المشاريع المستقبلية وتنفيذ سياسة التعمين بوضعيها الأفقي والعمودي.
إن فئة الشباب في العالم هم الأكثر طموحا في أي مجتمع، حيث لا تقف عمليّة التّغيير والتقدُّم لديهم عند حدود معينة باعتبار أن هؤلاء هم أساس التّغيير والقوّة القادرة على إحداثه، الأمر الذي يتطلب جذبهم واستقطابهم لاستغلال طاقاتهم وتوظيفها في الأعمال المتاحة، وبحيث يكون هذا الأمر ضمن أولوية المُؤسّسات والشركات العمانية وغيرها من مؤسسات المجتمع المدني. فهذه الفئة من الشباب هي الأكثر تَقبُّلا للتّغيير، والتجديد والتّعامل مع أي أمر جديد والإبداع فيه، حيث تملك الحماس الفكريّ والطّاقة والحيويّة للتفاعل مع جميع المُعطيات السياسيّة والاجتماعيّة المُتغيّرة. ففي العمل الاقتصادي فإن للشّبابِ أدوارا مهمة في تنمية اقتصادات الدّول ورفع مستوى الإنتاجية وتحسين نتائج العمليات والأداء. ومن خلالهم يمكن الإبداع في مختلف المجالات والحصول على الأفكار الرياديّة الخلاّقة، وبالتالي العمل على تطوير المؤسسات وزيادة إنتاجها اليومي ودخلها، الأمر الذي يمكن أن يضمن الاستمرارية والنّجاح الدائم للعاملين بها وانعكاس ذلك على أفراد المجتمع.
فالشباب عموما يسعى دائما إلى التّغيير الحقيقيّ من خلال التّعبير عن آرائهم بمُختلف الطّرق، خاصّةً وأن البيئة العمانية والخدمات التي تقدمها مؤسسات الاتصالات في البلاد وفرت معظم الوسائل التكنولوجيّة الحديثة التي يمكن من خلالها تزويد ورفع حصيلتهم الثقافية والمعرفية وإجراء المزيد من الأبحاث والتوجه نحو الابتكار والإبداع والريادة. وبقي على المؤسسات الرسمية في الدولة أن تفتح مجالات العمل لهم وتسهيل مهامهم وأعمالهم الخاصة دون فرض أية عقبات أمام انطلاقتهم في الأعمال الريادية والتجارية، وتقليل الرسوم والضرائب بحيث ينطلقوا في أعمالهم ومشروعاتهم . وهذا هو الضمان الأكبر الذي يمكن من خلاله تقليل عدد الباحثين عن عمل، باعتبار أن نجاح أي منهم سيؤدي إلى تشغيل مجموعة أخرى مستقبلا.