مسلمو أوروبا ..بين الاندماج ورفض اليمين الشعبوي !!

إميل أمين – كاتب مصري –
emileamen@gmail.com –
تبدو أوروبا في الآونة الأخيرة أمام استحقاق كبير وخطير في ذات الوقت، يتصل برؤاها التنويرية، وقيمها الأخلاقية، لاسيما العدالة والمساواة والإخاء، والتي باتت في مهب رياح الشعبوية التي تجتاحها بفعل عوامل كثيرة، وأصبح المغايرون عرقاً وجنساً سيما إذا كانوا من مسلمي العالم، والشرق الأوسط تحديداً، هم الفئة المرشحة لأن تكون الضحية الأولى بالتأكيد. إذ استغلت الشعبوية اليمينية اللجوء والهجرة والهوية والجوانب الأمنية لإثارة الاسلاموفوبيا والعنصرية وكسب دعم الأوساط الشعبية في أوروبا.

في النصف الأول من مارس المنصرم أطلق وزير الداخلية الألماني الجديد «هورست زيهوفر» تصريحاً مثيراً لغضب مسلمي أوروبا إذ اعتبر أن الإسلام لا يمثل جزءاً من ألمانياً والتي أكد على هويتها المسيحية بالمطلق، رافضاً اعتبار أيام الأعياد الإسلامية إجازة رسمية بشكل مؤكد لألمانيا».
تستدعي تلك التصريحات تساؤلاً جوهرياً عن منطلقها وهل هو المزايدة على التيارات اليمينية الألمانية التي حازت على نحو مائة مقعد في «البوندستاج» الألماني الحالي، ممثلة في حزب البديل من أجل ألمانيا؟ أم أن التصريحات تجيء كتعبير عن رؤية وتوجه حقيقيين متجذرين في النفس الأوروبية، رغم قرون التنوير الأخيرة؟
يستلفت النظر أن تصريحات «زيهوفر» وردت في أطر منافية ومجافية لما سبق وأقرت به المستشارة الألمانية «أنجيلا ميركل»، والتي أشارت إلى أن الإسلام بالفعل جزء من تاريخ ألمانيا، وبالتبعية حاضرها وكذا مستقبلها.
هذا المفهوم أكده الناطق باسم «ميركل» حين أشار إلى أن ألمانيا بلد تقاليده يهودية مسيحية بالفعل، لكن وجود «ملايين من المسلمين» يعني «من وجهة نظرنا قيمنا وقانوننا وديانتنا أن الإسلام يشكل جزءاً من ألمانيا».
ضرب فيروس التعصب والتشدد في ألمانيا، ومعه بات رهاب الإسلام «الإسلاموفوبيا» واقع حال ملموس، ولعل منطقة «حوض الرور» الذي كان يعرف سابقاً باسم «بوتقة الاندماج» أضحت دليلاً سيئاً على الانتكاسة التي تعشيها قيم ألمانيا التقدمية.
تاريخياً كانت تلك المنطقة مصب تجمع للعمال من إيطاليا وإسبانيا واليونان، أولئك الذين احتاج إليهم الألمان لتسيير عجلة الصناعة هناك، فيما القسم الأكبر منهم جاء من مسلمي تركيا. اعتبر «حوض الرور» سابقاً ملاذاً للمهاجرين، فيما اليوم ووفقاً لتقرير جديد نشرته مؤسسة «بروست» الألمانية، بات مثالاً للزيادة المستمرة لظاهرة الإسلاموفوبيا، وعدم الثقة بين المجتمعات المحلية والمهاجرين.
لا تقتصر مخاوف رفض التعايش الواحد على منطقة بعينها في الداخل الألماني، بل تمتد إلى عديد من المدن الكبري في شمال ألمانيا وجنوبها، الأمر الذي دعا العديد من الصحف الألمانية إلى التحذير من الاعتداءات المتتالية على المسلمين في ألمانيا، إذ غالباً ما تشتكي مرتديات الحجاب المسلمات من التعرض للإساءة في الحياة اليومية، ووقوع اعتداءات جسدية أيضاً على البعض منهن، وإن لم توجد بعد إحصائيات مستقلة في هذا الشأن. والسؤال هو هل ساد اليمين الأوروبي المتطرف في الداخل الألماني مرة وإلى الأبد كما يقال؟
الشاهد انه منذ أن اطلق «زيهوفر» تصريحاته تلك، وحالة من الانقسام تتعمق في الأحزاب السياسية الألمانية، بل وتعتري كذلك المسؤولين الألمان من وزراء وعمد للمدن الكبرى، وقيادات سياسية وحزبية.
بعض الأصوات تؤجج الصراع، وكأنها تسعى لأن تبقى النيران مشتعلة، ومن عينه تلك العقليات «ماركوس بلوم» الأمين العام للاتحاد الاجتماعي المسيحي البافاري، الذي انتقد في حوار له مع صحيفة «فيلت أم زونتاغ» الدعوات المطالبة بوضع حد للجدل الذي أثارته تصريحات «زيهوفر» قائلاً: «لا يجب قمع هذا النقاش» بل يجب مواصلته حتي النهاية».
لكن في المقابل تبدو هناك أصوات أكثر عقلانية واعتدالاً من نوعية رجالات حزب الخضر، فقد تحدثت رئيسة الكتلة البرلمانية للحزب «كاترين غورينغ – إكارت» بانها «تريد توجيه رسالة واضحة تفيد بأنه لا تسامح مع العنف في بلدنا أيا كان مصدره أو الجهة المستهدفة»، وقد اعتبرت أن «زيهوفر» أهان مشاعر المسلمين بتصريحاته عن الإسلام معتبرة الأمر «فضيحة».
الذين استمعوا إلى تصريحات وزيرة العدل الألمانية الجديدة «كاتارينا بارلى» ربما التبس عليهم الأمر، لكن بتحليل وتفكيك دقيقين لما قالته يثبت لدينا أن ألمانيا لا تزال دولة ذات مبادئ وان كانت المخاوف تظلل سماواتها بشكل كبير، إذ أشارت إلى ان «النقاشات النظرية» حول ما قيل قد أجريت على مدار فترة كافية، وان المهم هو إيجاد حلول عملية توفر تعايشاً مشتركاً وحلا لجميع العقبات، وان القانون الأساسي «الدستور» سيظل هو أساس تعايشنا.
أما «ميركل» فقد اعتبرت تصريحاتها «جوهرة التاج» إن جاز التعبير، إذ جددت تأكيدها على أن «المسلمين ودينهم جزء من ألمانيا». لا تزال هناك في الداخل الألماني شخصيات ترفض جرائم العنف والاعتداء على الآمنين، ومؤسسات وتنظيمات تمضي في طريق تعميق الحوار والجوار.
من هنا يمكننا الإشارة إلى الدعوة التي وجهها مجلس أساقفة ألمانيا الكاثوليك لممثلي الجاليات الإسلامية، بهدف بلورة رؤية جديدة للتلاقي الإيجابي والخلاق.
كانت مدينة فرانكفورت هي حاضنة اللقاء الذي جرى بين رئيس لجنة الحوار ما بين الأديان التابعة لمجلس الأساقفة المحلي المطران «غيورغ باتسنغ» وحوالي مائة شخصية مسلمة مثلت مختلف الجليات المسلمة المقيمة في ألمانيا.
الأسقف الألماني أكد على ان هذا اللقاء هو الأول من نوعه وقد دعا إليه مجلس الأساقفة الكاثوليك في ألمانيا لتسليط الضوء على أهمية الحوار الإسلامي – المسيحي بالنسبة للمجتمع الألماني، وقد كان في مقدمة المشاركين في هذا اللقاء رئيس الرابطة المسلمة الألمانية، ورئيس المجلس الإسلامي في ألمانيا، ورئيس الجماعة المسلمة الأحمدية.
أحد الأصوات الأكثر عقلانية التي شاركت في اللقاء، كان البروفيسور الأب «فيليكس كورنور» أستاذ لاهوت الأديان في جامعة «غريغوريانا» الحبرية بروما، والذي ألقى مداخلة أشار فيها إلى الحكمة التقليدية للمسيحية والإسلام، تلك التي تتضح عندما تتعمق حالة الحوار والجوار بين المسيحيين والمسلمين، ويمكنها أن تساهم في صقل العيش المشترك في ألمانيا، كما ان تلك المسؤولية المشتركة قادرة على تغذية وتطوير آفاق جديدة للفكر الديني، واستطاعتها أيضاً أن تقدم لنا وجهات نظر جديدة على الصعيد الخلقي والأدبي، فضلاً عن أفكار جديدة لنقل القيم. ولعل التساؤل.. هو كيف يمكن للأديان في ألمانيا أن تكون أداة للم الشمل لا آلية للتفريق؟
المؤكد أنه يمكن للأديان في ألمانيا أن تبحث عن العوامل المشتركة في العمق الروحي، لا التمحور حول الإشكاليات الظاهرية التي تحرف الأنظار عن جوهر القضايا الإنسانية والإيمانية ومركزيتها، وفي عالم يموج بدعاوي الشخصانية والفردية وكأن الكون مرشح لخدمته دون غيره من بنى البشر. ولكن هل المشهد الأوربي عامة، وليس الألماني فقط، يقف أمام حالة جذرية من الخيار بين إقامة الجسور أو بناء الجدران؟
الشاهد أن هناك تصاعداً ديموجرافياً للمسلمين في أوروبا لا يمكن تجاهله، فأوروبا لن تكون كما عهدناها من قبل، وهنا فهي تواجه عدة احتمالات، ترتبط ارتباطاً أساسياً بالتغيرات والتطورات السياسية، ففي حال استمر تصاعد تيار اليمين المتشدد في كافة أنحاء القارة، وهيمنته على الساحة السياسية في عدد من دولها، وحتي إذا قرر أنصار هذا التيار المتشدد إغلاق الحدود فانه لا يمكن لهم إيقاف التغيير لان متوسط خصوبة السكان الأصليين الأوروبيين هو 1.6 طفل لكل امرأة، أما المعدل عند المسلمين فيصل إلى 2.6 طفل.
أما إذا لم يتم حسم قضية الهجرة في الاتحاد الأوروبي وإخضاعها لرقابة صارمة فإن النمو الأكثر احتمالاً للسكان المسلمين سيصل بنسبتهم إلى نحو 11% من عدد السكان، وبحلول عام 2050 سترتفع هذه النسبة في المملكة المتحدة إلى 16% وفي السويد إلى 20% من عدد السكان .
ويبقى السيناريو الأكثر أصولية وغير الممكن التنبؤ بتحولاته في الاتحاد الأوروبي وهو الحفاظ على النمو المحقق في السنوات الأخيرة، أما الحفاظ على الهجرة بنفس المستوى فيعني أنه بحلول عام 2050 في السويد على سبيل المثال سيكون عدد المسلمين نحو 30% من السكان، وفي النرويج المجاورة نحو 17% من السكان.
ماذا تعني الأرقام المتقدمة؟
بلا شك أنها تقودنا إلى القول بانه لا مناص من السير في طريق الاندماج من جانب المهاجرين الجدد، بمن فيهم المسلمون، ولا يعني الاندماج هنا ذوبان أو ضياع الهوية الدينية بالضرورة، بل الالتحام البناء والفعال بالمجتمع، وفي الوقت ذاته الحفاظ على السيرة والهوية والكيان الإيماني، حتي وأن اكتسى بلمحات ولمسات تفرضها البيئة المحيطة إيكولوجيا وجغرافيا وديموغرافياً.
وعلى الجانب الآخر لابد للأوروبيين عامة والألمان في مقدمتهم ، الإيمان بان المسلمين بشر أسوياء، يمكن قبولهم ضمن السياقات الحضارية الغربية، والمواطنة في مقدمة تلك الأطر التي تعزز من قبولهم، والتقارب بين المسلمين والأوروبيين يمكن فقط عبر البحث في قدرة ودوافع الإسلام المؤهلة لان تكون قريبة من وجهات النظر السائدة في الغرب، وحال تكثيف الجهود وتعميق الفعاليات المشتركة، فإن واقعاً جديداً يمكن أن تشهده أوروبا، من التعاطي المزدوج لبناء كيانات إنسانية تتوافر فيها شروط الأنسنة الجديدة والجيدة، وبعيداً عن إسقاطات الماضي، أو إحياء النعرات الطائفية والمذهبية الماضية.
قد تكون ألمانيا اليوم هي النموذج المرشح من خلاله الحكم على مستقبل التعايش والتعاون بين المسلمين والأوروبيين، وقد عرفت العقلية الألمانية تاريخياً بانها مثال للدقة والتنظيم والالتزام، فهل ستنجح في اجتياز هذا الاختبار الحساس؟ لعله يكون ذلك كذلك لخير الألمان والمسلمين وسائر شعوب الإنسانية.