نوافذ :الوجه الإنساني.. يظل مشرقا

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –
في أيامها الماجدة المستمرة تسجل الإنسانية مواقف رائعة، ومشرفة لحقيقتها الإنسانية، بغض النظر عما يحدث في عالمها على امتداد الكرة الأرضية، والإنسان بطبيعته محمل بالخير ومحمل للخير، والاستثناء الوحيد هنا، إذا تعرض لشيء من ما يقوض هذه الصفة البيولوجية فيه، حيث يخضع هنا لأمر آخر مختلف، أما في حالة بقائه نقيا دون أن يتعرض لأي ضغوط تحيده عن جادة الصواب، فإن إنسانيته تظل كما هي حيث تلقي بخير مودتها إلى الآخر، بغض النظر عن هذا الآخر وانتماءاته المختلفة: عرقية، أو لونية، لو دينية، أو جغرافية، حيث تذوب هذه الفوارق، ولا يبقى إلا الوجه الإنساني المشرق، الذي فطر الله الناس عليه، وهذا ما يبعث على الاطمئنان في أي بقعة جغرافية تكون فيها.

نقرأ هذه الإشراقة الإنسانية في حوادث الشعوب؛ وما أكثرها؛ في هذا العالم الحي المترامي الأطراف والمشارب، حيث تتهافت الأنفس المحبة للخير من كل بقاع العالم إلى موقع الحدث، دون أن تستدعى، ودون أن يقدم لها المميزات، ودون أن تنتظر أي مكافأة كانت، ودون أن تعمل حسابات المخاطر التي سوف تتعرض لها من جراء إقدامها وتجشمها عناء السفر والترحال من بلد إلى بلد، كل ذلك لأن هنا، أو هناك واجبا إنسانيا ملحا يستنفر هذه الأفئدة فيخرجها من أوكارها الساكنة إلى ميادين مفتوحة تستلزم العمل والمخاطرة والمجابهة والمصادمة، فكل الاحتمالات خيرها وشرها موجودة.
ولا يمكن أن نُقيم مثل هذه المبادرات على أنها استثناء من القاعدة الإنسانية، فالاستثناء هو عدم المسارعة في الإنقاذ، فكم سمعنا عن حوادث طبيعية كثيرة: زلازل، فيضانات، انهيارات أرضية، أعاصير، وحتى في الحروب؛ فهناك من يجازف للمساعدة في إنقاذ الجرحى والمصابين، وكم سمعنا في المقابل أيضا كم تعرض هؤلاء الناس إلى القتل، والى المخاطر، والى الأسر، والى التنكيل، والى المعاملات السيئة التي يظهرها الطرف الظالم في مثل هذه المواقف، ولكن مع ذلك ظلت هذه الأنفس تجازف، وتسعى، وتعين، وتعضد، ومع نهاية الحدث تعود الى ديارها لا تحمل هدايا، ولا تحمل نياشين، ولا تحمل شهادات تقدير، فكل ما تنجزه أنها انتصرت لإنسانيتها، وتناست في زحمة الحدث كل تجاذباتها الشخصية، ومصالحها الخاصة، وانتصرت لإرادتها السامية، فطوبى لهذه الأنفس التي لا تزال تزرع كل يوم شجرة خضراء وارفة الظلال على امتداد كل الطرق التي تسلكها الإنسانية في نقائها، وفي فطرتها، وفي حقيقة مكنوناتها.
في أقرب موقف – نتخذه للتدليل – هو حادثة أنقاذ (12) طفلا تايلانديا مع مدربهم، من الكهف المغمور بالمياه منذ ما يقارب من أكثر من أسبوعين، والذين تراوحت أعمارهم ما بين (11 -17) عاما والذين كانوا في رحلة مع مدربهم، فقد شارك في إنقاذهم حسب ما نشرته المصادر المختلفة «كان يعمل في المهمة (90) غواصا، (40) غواصا من تايلاند، و (50) من دول أخرى»، وهناك؛ كما أشارت مصادر أخرى، آخرون أتوا من مختلف بقاع العالم بكامل عدتهم وعتادهم، دون أن يدعوا الى ذلك، جاؤوا لتقديم خدماتهم بلا مقابل، مشروعهم الوحيد هو إنسانيتهم وفقط.
وفي مجتمعنا الجميل، تسمو الإنسانية في اسمى معانيها، فالفرق التطوعية التي تجوب البلاد من أقصاها إلى أقصاها نموذج مصغر للإنسانية الكبرى، حيث تسجل في مواقف كثيرة شهادات تكتب بماء الذهب، كما يقال، دون أن تنتظر من أحد جزاء ولا شكورا، وما هذه الجمعيات التطوعية – كمثال حي – التي تهدي للآخر عطاء بلا حدود؛ انطلاقا من إنسانيتها؛ فهي بفعلها هذا المستمر، تؤصل حقيقتها الإنسانية، وتعلي من سقف بقائها وعطائها وعظمتها وتحققها.