الأخــلاق مكــانتهــا في الشــرع الحكـيم.. ودورها في بناء الأمم والحضارات

الصدق.. صفة المتقين –
الشيخ متولي الصعيدي –
«الصدق أفضل خصال الإنسان، وأوضح دلائل الإيمان، وأجل مواهب الإحسان، وأكمل نعم الله تعالى على الإنسان، وهو دال على جلالة القدر، ونزاهة النفس، وعلو الهمة، وصلاح الشيم، وتمام الفضائل، يحجب عنه المكاره، ويثبت في الصالحين مآثره ومناقبه، ويعلي في الدارين مراتبه، ويحسن في جميع أحوال الدين والدنيا عواقبه».

بعث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- متمما للأنبياء والرسل عليهم جميعا أفضل الصلاة والسلام، وبه صلى الله عليه وسلم ختمت الرسالات والنبوات قال تعالى: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما)، وبرسولنا الكريم أيضا اكتمل نصاب المكارم من الأخلاق الفاضلة والأعمال الكريمة من خلال وحي الله إلى أنبيائه ورسله جميعا، ولو جاز لنا أن نسأل رسولنا الكريم سؤالا فحواه لماذا بعثت يا رسول الله؟ فسنجد الجواب منه صلى الله عليه وسلم من خلال حديثه الشريف (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) وعليه فإن مكارم الأخلاق وجميل الصفات والفعال غاية من إرسال الرسل وإنزال الكتب، فكانت بعثة رسولنا المصطفى صلى الله عليه وسلم ختاما وتماما.
والخُلق عبارة عن إرادة وعزم عند الإنسان بحيث يصبح قادرا على التغلب على ميوله، فصاحب الخلق هو الذي يستطيع أن يتغلب على ميوله السيئة ويميل إلى جوانب الخير التي كشف عنها القرآن الكريم وأرشد إليها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ومن الأمثلة على ذلك خلق الصدق قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) وكونوا معهم لتتعلموا وتستفيدوا منهم وتنالوا من أفعالهم وأقوالهم، وتكونوا على منوالهم وطريقتهم وتوجههم، فمجالسه الأخيار تجلب الخير ومجالسة الأشرار تجلب الشر، وفي القرآن الكريم ما يجلي هذه الحقيقة كما في قوله تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) وفي الحديث أيضا قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي)، ولما للصحبة من تأثير كبير كان ضرب هذا المثل في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبة ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد ريحا خبيثة).
ومتى تخلص الإنسان من مجالسة الأشرار وصحبتهم، بقيت نفسه التي يلزم لها أن تعتاد على الخير وتبتعد عن الشر، وفي دعوة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إلى الصدق والبعد عن الكذب يوضح ما قصدناه (عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجر وإن الفجور يهدي إلي النار، وما يزال الرجل يكذب ويكذب حتى يكتب عند الله كذابا) فالعمل إذا تكرر من الإنسان صار يسيرا في التعامل معه حتى يصبح عادة، وأكثر أعمال الإنسان أيضا من قبيل العادات كالأكل والمشي واللبس وغير ذلك من العادات، وعليه فإن كل عمل يستطيع المسلم أن يعود نفسه عليه حتى يكون عادة، بميل النفس إليه والرد على هذا الميل بالعمل، والعمل على توفير الوقت والزمن للقيام بهذه العادة، ومع التكرار يصير عادة له وهذا هو الذي أراده نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم بقوله: (وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق) وقوله (وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب) وهذا يدل على أن الإرادة قوة، وهي المحرك للإنسان وهي دافعة مانعة، وينبغي للمسلم أن يقوي إرادته إن كانت ضعيفة في جوانب الخير، وأن يروضها ويتغلب عليها إن قويت في جوانب الشرور، قال الله تعالى: (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها) والمسلم مأمور بأن يجعل إرادته دافعة للخير مانعة من الشر دافعة إلى مكارم الأخلاق مانعة من مساوئها بكثرة المران والتكرار والتدريب ولذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم)، فالإرادة بنوعيها منبع الخير والشر، فالصدق كخلق كريم نابع من اتباع هدي القرآن الكريم وسنة النبي صلي الله عليه وسلم، وكذا من إرادة كامنة داخل الإنسان.
وحين يصبح الإنسان معتادا على الصدق يصبح سهلا عليه، لا سيما والله أمرنا به ودعانا إليه ورغبنا فيه، بل إن جملة العبادات والطاعات التي أمر الله بها داخلة في الصدق معه سبحانه وتعالى فقال تعالى: (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون).
الصدق أفضل خصال الإنسان، وأوضح دلائل الإيمان، وأجل مواهب الإحسان، وأكمل نعم الله تعالى على الإنسان، وهو دال على جلالة القدر، ونزاهة النفس، وعلو الهمة، وصلاح الشيم، وتمام الفضائل، يحجب عنه المكاره، ويثبت في الصالحين مآثره ومناقبه، ويعلي في الدارين مراتبه، ويحسن في جميع أحوال الدين والدنيا عواقبه، وصف الله به نفسه فقال (ومن أصدق من الله قيلا)، ووصف به نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: (والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون)، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (الصدق طمأنينة والكذب ريبة)، ويقول أيضا: (تحروا الصدق وإن رأيتم الهلكة فيه فإن فيه النجاة واجتنبوا الكذب وإن كان فيه النجاة فإن فيه الهلكة)، فلا جُنة أوقى من الصدق ولا شيء أقوى من الحق، ولا سبيل أخوف من الكذب والزور، والصدق سبيل حب الله عز وجل ورسوله، لقول المصطفى الكريم صلى الله عليه وسلم: (من أراد أن يحبه الله ورسوله فليصدق حديثه وليؤد أمانته ولا يؤذ جاره)، بل وضمن الرسول الكريم بالجنة لمن صدق وتحلى بجميل الفعال والصفات، فقال عليه الصلاة والسلام (اضمنوا لي ستا من أنفسكم أضمن لكم الجنة، اصدقوا إذا حدثتم وأوفوا إذا وعدتم وأدوا إذا أؤتمنم وغضوا أبصاركم وكفوا ايديكم واحفظوا فروجكم)، وقال أحد الحكماء: من صدق لسانه زكا عمله ومن حسنت نيته زيد في رزقه ومن كثر بره بأهل بيته زيد في عمره.
والكذب من أحط الخصال المذمومة، وعلامة من علامات النفاق في السلوك، قال رسولنا صلى الله عليه وسلم (آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان)، وقال أيضا: «(كَبُرَتْ خِيَانَةً أَنْ تُحَدِّثَ أَخَاكَ حَدِيثًا هُوَ لَكَ بِهِ مُصَدِّقٌ وَأَنْتَ لَهُ بِهِ كَاذِبٌ»، والعجب من ذلك أن رجلا سأل الرسول صلى الله عليه وسلم: (أيكون المؤمن جبانا؟ قال نعم، أيكون المؤمن بخيلا؟ قال نعم، أيكون المؤمن كذابا؟ قال لا وتلا: (إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله)، ولذا قال الأحنف بن قيس «ما كذب عاقل وما اغتاب مؤمن ولا خان شريف»، ولم يرخص الرسول عليه الصلاة والسلام في الكذب إلا في ثلاثة في الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل أهله فمن الواجب على كل إنسان أن يجاهد نفسه ويقوي عزمه ويدرب نفسه على التخلق بكل جميل والبعد عن كل قبيح فالصدق ميزان الله والكذب مكيال الشيطان.