الرضا بالله والدين والرسول

إعداد: حمادة السعيد –
الجنة جائزة كبرى يتمناها كل مسلم، فلكل عمل جزاء، وهناك أعمال أوصى الله تبارك وتعالى بها في كتابه العزيز، وأوصى بها رسوله الكريم صلوات الله وسلامه عليه في سنته الشريفة، من عمل بها أصبح وارثاً لجنة ربه، ومن لم يعمل بها فلا يلومن إلا نفسه، وفي هذه الحلقات نتعرف على هؤلاء الوارثين، والأعمال التي أورثتهم هذه المكانة في الجنة التي وعدهم ربهم بها في قوله تعالى: (أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ، الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).

من الصفات التي تورث جنة الخلد وذكرها الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم، وحث عليها رسوله العظيم صلوات الله وسلامه عليه، ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه والنسائي في «السنن الكبرى» والحاكم في «المستدرك» وأبو داود في «السنن» بإسنادهم من حديث أبي سعيد الخدري «مَنْ قَالَ: رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ».
يقول ابن قيم الجوزية مبينا معنى الرضا بالله والدين والرسول في كتابه «مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين» فالرضا بألوهيته يتضمن الرضا بمحبته وحده، وخوفه، ورجائه، والإنابة إليه، والتبتل إليه، وانجذاب قوى الإرادة والحب كلها إليه، فعل الراضي بمحبوبه كل الرضا، وذلك يتضمن عبادته والإخلاص له.
والرضا بربوبيته: يتضمن الرضا بتدبيره لعبده، وإفراده بالتوكل عليه، والاستعانة به، والثقة به، والاعتماد عليه، وأن يكون راضيا بكل ما يفعل به.
فالأول: يتضمن رضاه بما يؤمر به، والثاني: يتضمن رضاه بما يقدر عليه.
وأما الرضا بنبيه رسولا: فيتضمن كمال الانقياد له، والتسليم المطلق إليه، بحيث يكون أولى به من نفسه، فلا يتلقى الهدى إلا من مواقع كلماته، ولا يحاكم إلا إليه، ولا يحكم عليه غيره، ولا يرضى بحكم غيره البتة، لا في شيء من أسماء الرب وصفاته وأفعاله، ولا في شيء من أذواق حقائق الإيمان ومقاماته، ولا في شيء من أحكام ظاهره وباطنه، لا يرضى في ذلك بحكم غيره، ولا يرضى إلا بحكمه، فإن عجز عنه، كان تحكيمه غيره من باب غذاء المضطر إذا لم يجد ما يقيته إلا من الميتة والدم. وأحسن أحواله: أن يكون من باب التراب الذي إنما يتيمم به عند العجز عن استعمال الماء الطهور.
وأما الرضا بدينه: فإذا قال، أو حكم، أو أمر، أو نهى: رضي كل الرضا، ولم يبق في قلبه حرج من حكمه، وسلم له تسليما، ولو كان مخالفا لمراد نفسه أو هواها، أو قول مقلده وشيخه وطائفته.
والتحقيق في المسألة: أن الرضا كسبي باعتبار سببه، موهبي باعتبار حقيقته، فيمكن أن يقال بالكسب لأسبابه، فإذا تمكن في أسبابه وغرس شجرته: اجتنى منها ثمرة الرضا، فإن الرضا آخر التوكل، فمن رسخ قدمه في التوكل والتسليم والتفويض: حصل له الرضا ولا بد. ولكن لعزته وعدم إجابة أكثر النفوس له، وصعوبته عليها – لم يوجبه الله على خلقه، رحمة بهم، وتخفيفا عنهم، لكن ندبهم إليه، وأثنى على أهله، وأخبر أن ثوابه رضاه عنهم، الذي هو أعظم وأكبر وأجل من الجنان وما فيها، فمن رضي عن ربه رضي الله عنه، بل رضا العبد عن الله من نتائج رضا الله عنه، فهو محفوف بنوعين من رضاه عن عبده: رضا قبله، أوجب له أن يرضى عنه، ورضا بعده، هو ثمرة رضاه عنه، ولذلك كان الرضا باب الله الأعظم، وجنة الدنيا، ومستراح العارفين، وحياة المحبين، ونعيم العابدين، وقرة عيون المشتاقين. ومن أعظم أسباب حصول الرضا: أن يلزم ما جعل الله رضاه فيه، فإنه يوصله إلى مقام الرضا ولا بد.
قيل ليحيى بن معاذ: متى يبلغ العبد إلى مقام الرضا؟ فقال: إذا أقام نفسه على أربعة أصول فيما يعامل به ربه، فيقول: إن أعطيتني قبلت، وإن منعتني رضيت، وإن تركتني عبدت، وإن دعوتني أجبت.
وعن الرضا يقول ابن تيمية في الفتاوى الكبرى «من لزم ما يرضي الله من امتثال أوامره واجتناب نواهيه لاسيّما إذا قام بواجبها ومستحبّها فإنّ الله يرضى عنه، كما أنّ من لزم محبوبات الحقّ أحبّه الله. كما قال في الحديث الصّحيح الّذي في البخاريّ: «من عادى لي وليّا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرّب إليّ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنّوافل حتّى أحبّه فإذا أحببته …» الحديث.
وذلك أنّ الرّضا نوعان:
أحدهما: الرّضا بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه. ويتناول ما أباحه الله من غير تعدّ محظور، (وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ). وهذا الرّضا واجب. ولهذا ذمّ من تركه بقوله: (وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ، وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ).
والنّوع الثّاني: الرضا بالمصائب: كالفقر والمرض والذّلّ، فهذا رضا مستحبّ في أحد قولي العلماء، وليس بواجب، وقد قيل: إنّه واجب، والصّحيح أنّ الواجب هو الصّبر، كما قال الحسن: الرّضا غريزة، ولكنّ الصّبر معوّل المؤمن. وقد روي في حديث ابن عبّاس أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن استطعت أن تعمل بالرّضا مع اليقين فافعل، فإن لم تستطع فإنّ في الصّبر على ما تكره خيرا كثيرا».
وفي الحديث قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ حِينَ يُمْسِي أَوْ حِينَ يُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبمُحَمَّدٍ نَبِيًّا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُرْضِيَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
وعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ: أَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذَنْبَهُ».
فسبحان من جعل الرضا سببا في دخول الجنة.