القمة الصينية الأوروبية.. هل تتحدى واشنطن؟

عبد العزيز محمود –
لا شك أن نجاح القمة الـ٢٠ بين الصين والاتحاد الأوروبي والتي تعقد في العاصمة الصينية بكين يومي ١٦ و١٧ يوليو الجاري سيتوقف على قدرتها على تشكيل موقف صيني أوروبي موحد إزاء التحديات التي تواجه التجارة العالمية.

فالقمة تعقد في ظل نزاع تجاري غير مسبوق بين الولايات المتحدة وكل من الصين وأوروبا، قد يتحول إلى حرب تجارية شاملة، بسبب الرسوم الجمركية الإضافية التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على صادرات صينية وأوروبية.
ومع تهديد الرئيس الأمريكي بأن هذه الرسوم يمكن أن تشمل في النهاية صادرات صينية بقيمة ٥٠٠ مليار دولار، أي ما يعادل كل الواردات الأمريكية من الصين العام الماضي، تحاول بكين بكل الطرق إقناع الاتحاد الأوروبي بالدخول في تحالف معها لمواجهة الولايات المتحدة.
لكن الأوروبيين لا يرغبون في التصعيد على أمل التوصل إلى تسوية لأزمة الرسوم الأمريكية المفروضة على صادراتهم من الصلب خلال اللقاء المرتقب في واشنطن بين رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر والرئيس ترامب خلال هذا الأسبوع وعلى هامش قمة بروكسيل لقادة حلف الاطلنطي.
كل المؤشرات ترجح أن الرئيس ترامب لن يتراجع عن حربه التجارية ضد الصين وأوروبا، والتي تستهدف خفض العجز في الميزان التجاري والذي بلغ في عام ٢٠١٧ نحو ٤٠٠ مليار دولار لصالح كل من الصين والاتحاد الأوروبي، وهي حرب تأتي في إطار استراتيجيته (أمريكا أولا) التي تستهدف بالدرجة الأولى هدم النظام العالمي القائم، وبناء نظام عالمي جديد، بغض النظر عما يترتب على ذلك من نتائج.
وفي هذا الجو المتوتر عقدت في العاصمة البلجيكية بروكسل في أول يونيو الماضي الجولة الثامنة من الحوار الاستراتيجي رفيع المستوى بين الصين والاتحاد الأوروبي لتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثمار المتبادل. كما عقدت في العاصمة البلغارية صوفيا قمة منتدى التعاون بين الصين ودول شرق ووسط أوروبا (16+1) في ٧ يوليو الجاري لتفعيل مبادرة (الحزام والطريق) في قطاع البنية التحتية ودعم مشروعات تنموية بمليارات الدولارات.
وبدا واضحا أن الصين تسعى لتقارب أكبر مع أوروبا في مواجهة الولايات المتحدة، خاصة وأن الجانبين الصيني والأوروبي يمتلكان نصف حجم التجارة العالمية، وأكثر من ثلث الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ولديهما مصالح مشتركة في حماية حرية التجارة وتحديث منظمة التجارة العالمية.
وفي هذا الإطار تحاول بكين إقناع أوروبا باتخاذ موقف أكثر تصلبا في مواجهة واشنطن مقابل فتح قطاعات أوسع من الأسواق الصينية أمام الاستثمارات الأوروبية، لكن الاتحاد الأوروبي لا يريد الدخول طرفا في الصراع الدائر بين بكين وواشنطن. فهذا الصراع لا يستهدف فقط السيطرة على العجز في التبادل التجاري لصالح الصين، وإنما منع بكين من ترجمة قوتها الاقتصادية إلى قوة عسكرية تهدد الهيمنة الأمريكية على العالم.
وبهذا الموقف يحاول الأوروبيون حماية روابطهم الأمنية والسياسية المهددة بالانهيار مع واشنطن، وتجنب خسارة فائض في التبادل التجاري معها بقيمة ٤٠٠ مليار دولار، لكن تهديد الرئيس ترامب بفرض رسوم جمركية على السيارات الأوروبية، قد يدفع الأوروبيين لاتخاذ تدابير مماثلة، مما يهدد باندلاع حرب تجارية شاملة على جانبي الأطلسي.
وهذا ما تراهن عليه الصين التي تركز حاليا على تطوير التعاون المشترك مع الاتحاد الأوروبي في التجارة والاستثمار المتبادل، ومقاومة الحمائية التجارية، والالتزام بالنظام التجاري متعدد الأطراف، مع احتفاظ كل منهما بحق الرد على التدابير الأمريكية بطريقته الخاصة.
هذا التوافق في وجهات النظر يحقق مصلحة الصين في ضمان وصول منتجاتها إلى الأسواق الأوروبية، وتوفير ملاذات آمنة لاستثماراتها في القارة العجوز، في ظل شهية مفتوحة للاستحواذ على أصول في الخارج.
كما يعطيها أملا في تطوير علاقاتها السياسية مع أوروبا، لتكون بديلا لعلاقتها غير المستقرة مع الولايات المتحدة، والتي لم تعد شريكا يمكن الاعتماد عليه.
لكن التقارب السياسي بين الصين والاتحاد الأوروبي تعترضه تحديات في مقدمتها قلق الاتحاد الأوروبي من تنامي النفوذ الصيني في شرق ووسط أوروبا، والذي يعتبره جزءا من استراتيجية طويلة الأمد لتعميق الانقسام بين شرق وغرب أوروبا وتقويض الوحدة الأوروبية.
أضف إلى ذلك رفض الصين توسيع نطاق حلف شمال الأطلسي، وتمسك الاتحاد الأوروبي في المقابل بعدم الاعتراف بالصين كدولة اقتصاد سوق، واستمرار الحظر الجزئي على صادرات الأسلحة الأوروبية إلى الصين. وكلها عوائق تدفع الجانبين للتركيز على تعميق التعاون في مجالات التجارة والاستثمار والتمويل والابتكار والتعاون العلمي والتكنولوجي وأبحاث الفضاء والطيران والزراعة والتنمية المستدامة.
وحتى في هذا الإطار هناك كثير من القضايا العالقة، وأهمها التدابير الحمائية التي يتخذها كل طرف لتقييد وصول استثمارات وصادرات كل منهما إلى أسواق الطرف الآخر، واستحواذ رأس المال الصيني على شركات حيوية أوروبية، واختراق حقوق الملكية الفكرية، فضلا عن مخاوف الاتحاد الأوروبي من مبادرة (صنع في الصين ٢٠٢٥) التي تستهدف تحويل الصين إلى دولة رائدة تكنولوجيا، والتي يعتبرها الاتحاد الأوروبي تهديدا للصناعات الأوروبية.
ولا تملك بكين إزاء هذه المخاوف إلا إجراء مشاورات أوسع مع الاتحاد الأوروبي، بهدف تنسيق المواقف ومعالجة القضايا العالقة، وإقناع أوروبا بأن وصول كل منهما إلى أسواق الآخر يمكن أن يكون مفيدا للجانبين في إطار شراكة اقتصادية. كما توظف مبادرة (الحزام والطريق) التي أطلقها الرئيس الصيني شي جين بينج لدعم التعاون الاقتصادي مع ٦٨ دولة آسيوية وأوروبية لإقامة مشروعات للبنية التحتية والنقل والطاقة والعقارات في دول شرق ووسط أوروبا.
وأيا كانت نتائج القمة الـ٢٠ بين الصين والاتحاد الأوروبي والتي تعقد في بكين يومي ١٦ و١٧ يوليو الجاري فالمؤكد أن النزاع التجاري مع واشنطن سوف يدفع الصينيين والأوروبيين لمزيد من التقارب، وهذا بالضبط ما لا يريده الرئيس ترامب الذي يرفض أن تتحمل بلاده وحدها نفقات الدفاع عن أوروبا.