أبعاد الانسحاب الأمريكي من مجلس حقوق الإنسان

د.صلاح أبونار –
لم يكن قرار الانسحاب الأمريكي من مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان مفاجأة. كانت كل عناصر سياسات ترامب الخارجية، تخبرنا أن الأزمة المستعصية والممتدة بين الطرفين، دخلت سياقا سياسيا عاما سيدفع حتما إلى تصعيدها. انطلقت تلك السياسات العامة من مزيج من وضع المصلحة القومية الأمريكية فوق أي اعتبار، والنظر إلى المجال الدولي كمجال لتنافس مساومات فاعلين دوليين ، وليس كجماعة دولية تنظمها مؤسسات وقوانين دولية، والأحادية في اتخاذ القرار، وإدارة التحالفات الدولية بمنطق المنفعة الاقتصادية المباشرة وليس الاستثمار السياسي طويل المدى.

وتجلت تلك السياسات في الانسحابات من الاتفاقيات الدولية، مثلما حدث مع اتفاقية المناخ والاتفاقية النووية الإيرانية. والتحلل من روابط والتزامات التحالفات الدولية، مثلما حدث في قمة السبع الكبار الأخيرة. وإضعاف الأمم المتحدة عبر تقليص الدعم الأمريكي المالي، والانسحاب من منظماتها الفرعية، والنيل من شرعيتها ومكانتها، وتحويلها إلى منصة لتبادل المنافع وليس لبناء إجماع دولي. وفي النهاية: ضعضعة النظام التجاري العالمي ومعه منظمة التجارة العالمية.
إلا أن هذا السياق العام لن يعفينا من تحليل سياق الأزمة الخاص، المولد لقرار الانسحاب الأمريكي. فما هي عناصر النقد الأمريكي للمجلس؟ وماهي نسبة الصواب والخطأ فيها؟ وهل يخلو عمل المجلس من إيجابيات وإنجازات جديره بإقناع القوة الأمريكية بالبقاء فيه؟
تشكل المجلس في 31 مارس 2006، بديلا للجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. انطلق عمل اللجنة عام 1946، وفي سنواتها الأخيرة فقدت مساحة كبيرة من مصداقيتها، سواء لدى الدول أو منظمات المجتمع المدني. وعندما نراجع النقد العام الموجه لها في تلك السنوات، سنجده تقريبا نفس النقد الأمريكي الموجه للمجلس، أي الإفراط في التسييس، وعضوية دول ذات سجل حقوقي غير جيد ، والتحيز ضد إسرائيل. ووصل هذا النقد إلى أوجه عام 2004. ولكن المماثلة لا تقف عند هذا الحد، فمثلما قررت أمريكا الانسحاب الأخير من اللجنة، قررت عام 2006 عدم المشاركة في المجلس الجديد، لأنه فيما رأت لم يطلق الآليات القادرة على تخطي قصور عمل اللجنة.
ولكن لا ينبغي أن نفرط في المماثلة، بين نقد اللجنة والنقد الأمريكي الراهن للمجلس. فلقد كان هناك درجة من الحدة والإجماع في نقد اللجنة السابقة ، لا نجدهما حاليا في النقد العام أو الأمريكي للمجلس، وعندما نتأمل نطاق عمل المجلس من حيث طبيعة الحقوق المدافع عنها ونطاق عمله الجغرافي، ونرصد آلياته في مراجعة أوضاع حقوق الإنسان، سنجده بشهادة الخبراء في وضع أفضل كثيرا من اللجنة السابقة. وفي النهاية كان النقد الأمريكي للجنة لا يختلف نوعيا عن النقد العام لها، ولكن في حالة المجلس يتفق النقد العام مع النقد الأمريكي في العناوين ودرجة من المضمون، ولكنه أقل حدة واتساعا ويتبنى رؤية موضوعية مفسرة للقصور، والأهم يرى إيجابيات المجلس أوسع كثيرا من سلبياته.
في عام 2009 قررت الولايات المتحدة العودة إلى المجلس، وخاضت الانتخابات ونجحت لدورتين متتاليتين. وسنجد العلة الأساسية في تغير الموقف الأمريكي في أمرين. نهاية سيطرة الجمهوريين، ودخول باراك اوباما الديموقراطي البيت الأبيض. واقتناع الإدارة الجديدة أن سنوات الغياب أضرت بمصالحها القومية وبقضية حقوق الإنسان.
جاء ترامب حاملا معه الميراث الجمهوري العدائي للمجلس. عداء تزايدت حدته بفعل نزعاته الخارجية، واكتسب عمقا عبر علاقته بجون بولتون الذي أصبح مستشارا للأمن القومي. وكان بولتون سفير أمريكا للأمم المتحدة ، خلال فترة اتخاذ قرار عدم المشاركة في المجلس، و كان بحكم منصبه الصانع الرئيسي للقرار.
طرح بيانا بومبيو وهايلي يوم 19 يونيو الماضي نفس العناصر الأساسية للنقد العام والأمريكي القديم للجنة، أي: التسييس وعضوية دول منتهكة لحقوق الإنسان والتحيز ضد إسرائيل. ولكنه أعادها بصورة مبالغ فيها ، مجردا اللجنة من أي إنجاز ، ومتجاهلا أسباب القصور الموضوعية، ومبرزا لمسألة إسرائيل.
ماهو مدى واقعية هذا النقد؟ هناك درجة من الصدق في مسألة عضوية الدول المنتهكة، ولكن درجة المبالغة وسوء التفسير أعلى كثيرا. يطرح الدارسون المحايدون هنا عدة حجج. أولها أن تأثير تلك الدول ، يتوقف على عددها ووزنها التصويتي وليس مجرد وجودها. ويستشهدون بمؤشر الحرية لمؤسسة فريدوم هاوس ، الذي يقيس احترام الدول لحقوق الإنسان. تفيدنا مؤشرات 2018 أنه من إجمالي 47 دولة أعضاء المجلس، صنفت 21 دولة حرة، و12 دولة حرة جزئيا و14 دولة غير حرة.
وإذا اعتبرنا تصويت الأحرار جزئيا متأرجحا بين النقيضين، فالمؤكد أن الدول الحرة قادرة على حسم أي تصويت خلافي لصالحها. بينما لن تتمكن الدول المصنفة «غير الحرة» من ذلك. وبالتالي في حالة اتخاذ قرار حقوقي سلبي، لن نجد تفسيره في الالتزام الحقوقي للدول، بل في سياق تحالفات سياسية قائمة على المصالح، لا تنجو منها أكثر الدول التزاما بالحقوق.
وثانيها أن وجود تلك النسبة داخل منظمة حقوقية مثل المجلس الدولي لحقوق الإنسان ، يرجع إلى توظيف التحالفات الإقليمية لنظام التصويت. فالتحالفات الإقليمية تؤثر على اختيارها لقوائم مرشحيها، ولهذا يسرفون في استخدام ما يسمى «قائمة المرشحين النظيفة»، التي يقتصر عدد مرشحيها على العدد المخصص للإقليم ، وبالتالي يسلبون الجمعية العامة حق الاعتراض على المرشحين المنتهكين. ولكن إذا لم تتمكن الجمعية من إسقاطهم، فإن سرية نظام تصويتها لا تمكنها من فضح الدول المؤيدة لقوائم تمرر انتخابهم. ويضيفون أن الجمعية العمومية تمتلك حق إسقاط الدولة المنتهكة بعد انتخابها، ولكن نفس منطق المصالح الذي مرر انتخابها، يمنعها من إسقاط عضويتها. ويستطردون أن جوهر المشكلة هو نظم وممارسات للتصويت، تمارسها غالبية مؤسسات الأمم المتحدة ويرتضيها الجميع طالما استطاعوا توظيفها لصالحهم، والدليل نجاح أمريكا في 2009 في سياق تكتيك القوائم النظيفة.
وغالبا يتم اختزال مشكلة التسييس في مشكلة إسرائيل، ولهذا سنعالجهما في سياق واحد.
حيث يعترف الباحثون المحايدون بوجود مشكلة لإسرائيل مع المجلس، بل إن هذا الاعتراف صدر عن كوفي عنان الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة في سياق بيان عام عن عمل المجلس بتاريخ 8 ديسمبر 2006، وفي بيان خليفته بان كي مون بتاريخ 20 يونيو 2007. ولكنهما لا يتحدثان عن مشكلة تحيز ضد إسرائيل، بل يدعونها بمشكلة عدم التناسب في إدانة إسرائيل. ولا يشير عدم التناسب إلى زيف الاتهامات ، بل إلى أن إدانة إسرائيل تجري بدرجة من الكثافة والتكرار لا تحظى بها انتهاكات الدول الأخرى. ويدلل الباحثون على ذلك بالأرقام، فمنذ تأسيس المجلس وحتى 2015 صدر 66 قرار إدانة لإسرائيل، بينما لم تحظ كوريا الشمالية سوى بثمان إدانات. ومن ضمن إجمالي عدد دورات المجلس الخاصة الذي وصل إلى 26 دورة خصص 25% منها لإسرائيل. وعادة يتكون جدول أعمال المجلس من تسع بنود، تحظى إسرائيل منها ببند ثابت هو البند السابع المعنون: وضع حقوق الإنسان في فلسطين والأراضي العربية المحتلة، الوحيد المخصص لمنطقة جغرافية معينة.
ولا يرى الباحثون نفسهم في هذا التركيز علامة تحيز ضد إسرائيل، بل نتيجة لعوامل موضوعية متصلة بطبيعة الممارسات الإسرائيلية. ويطرحون أن إسرائيل دولة استعمارية استيطانية، وتحتل أراضي دولتين عربيتين منذ 1967، وتعتمد في استعمارها للضفة الغربية نظاما استيطانيا قائما على الفصل العنصري. ويضيفون أن الصلة الوثيقة لإسرائيل بالاستعمار الأوروبي، وهجرة سكانها من المجتمعات الغربية وصلاتها الحضارية والسياسية العضوية بتلك المجتمعات، حولتها في ثقافة كثير من دول الجنوب إلى امتداد لعلاقة سيطرة الشمال على الجنوب. ومن جهة أخرى يشيرون إلى أن وقوع الانتهاكات الجسيمة الأخرى، في سياق صراعات إثنية داخل دول قومية ذات سيادة جعلها أقل قدرة على الحشد، لأن عددا كبيرا من دول الجنوب يعاني بدرجة ما من تلك الصراعات الإثنية.
وبالتوازي مع نقد حيثيات الانسحاب الأمريكي، دافع باحثون عن المجلس مبرزين إنجازاته.
ففي 25 مايو الماضي وقف تيد بيكوني من بروكينجز أمام مجلس الشيوخ الأمريكي مقدما شهادته، منوها بالتقدم الذي تحقق في مهام المجلس عبر عدة مسارات. المراجعة الدورية العالمية لحقوق الإنسان التي أنجزت دورتها الثانية، والفحص الخاص لحالات الانتهاكات الصارخة والمستمرة عبر إرسال بعثات تقصي الحقائق والخبراء المستقلين، ولجان التقصي والبحث لحالات الجرائم ضد الإنسانية من خلال التوثيق السريع للأدلة والانتهاكات قبل تلاشيها، وإتاحة أوسع مجال لمشاركة المنظمات الأهلية في أعمال اللجنة، وتوسيع نطاق الاهتمام الحقوقي ليشمل قضايا مثل حرية الاجتماع والعنف الديني.
ولا يعتقد أي من المدافعين عن المجلس، أنه ليس في حاجة إلى إصلاحات. ولكنهم يطرحون استحالتها بشكلها الأمثل، إلا في سياق إصلاح عام للأمم المتحدة وإصلاح النظام السياسي العالمي. وترتيبا على ذلك يرون أن انسحاب أمريكا من المجلس، سيضر حتما بقضية حقوق الإنسان والمصالح الأمريكية ذاتها.