الوضع الجديد وحكيم التنمويين العرب

مصباح قطب –
mesbahkotb@gmail.com –

منذ أن أطلق الدكتور محمد العريان في عام 2009 تعبير الوضع الطبيعي الجديد ( نيو نورمال ) ، والجدل مستمر حول ما يعنيه هذا المفهوم وانعكاسه على المنطقة والتحديات التي يشكلها وكيفية مواجهتها . خلاصة ما انتهى إليه الدكتور العريان نفسه في تفسيره لما عناه انه على العالم ان يتكيف مع العيش في منطقة نمو منخفض لدورة طويلة ، و لعل احد اهم ما يعني منطقتنا في هذا الكلام هو انه اصبح هناك اتفاق على ان سعر النفط سيكون منخفضا ولن يعود أبدا الى ما كان بلغه في يونيو 2008 حيث كان قد وصل نحو 145 دولارا للبرميل وحتى اذا استمر لفترة يدور في منطقة الثمانين دولارا كما هو حاليا فإنه سينخفض عن ذلك لا محالة بسبب تطور تكنولوجيا الغاز والزيت الصخريين و” عامل ترامب “ أي نزعاته ،  وعوامل أخرى معروفة بل و سيترافق مع انخفاضه دورة طويلة أيضا من هبوط  أسعار المواد الأولية عموما والتي تركز عليها صادرات معظم دول المنطقة والعالم النامي . ولأنه توجد تفسيرات كثيرة لمعنى الوضع الطبيعي الجديد ويوجد تأكيدات من علماء اقتصاد كبار ان الوضع الجديد في أمريكا غيره في الصين غيره في المنطقة وشمال إفريقيا فكان لزاما على منتدى بحثي له ثقل مثل منتدى البحوث الاقتصادية ان يطرح للنقاش هذه القضية مستعينا بخيرة الاقتصاديين في مصر ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والعالم أيضا . وكانت المناسبة هي عقد المؤتمر السنوي للمنتدى ( 8 -10 يوليو بالقاهرة ) . ومن سوء حظ المشاركين جميعا ، اننا افتقدنا هذا العام ولأول مرة الأستاذ عبد اللطيف الحمد – وزير المالية والتخطيط في الكويت سابقا والمدير العام والرئيس للصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي ، ورئيس مجلس أمناء المنتدى – ، لأن الشواغل حالت دون حضوره من الكويت . كانت صلتنا به كصحفيين اعتادوا متابعة المنتدى منذ سنوات أبعد بكثير من مجرد عمل لقاءات صحفية معه على اهميتها ، ومنذ أول لقاء وكل منا يحمل له بداخله تقديرا ظل يتزايد يوما بعد اخر . لن افيض فيما قام به تنمويا في معظم الدول العربية وفي الكويت ذاتها وفى بعض الدول الإفريقية او فيما تحصل عليه من تعليم في أرقى جامعات العالم او ما شغله من مواقع إقليمية ودولية  رسمية وأهلية لكن سأشير الى العقل الحكيم والقلب النظيف والنفس الصافية والحنكة المنجزة والقدرة الرفيعة على بعث الحيوية في المجال المحيط والصدق الآسر والنفاد المباشر الى جوهر الأمور ومواجهة المصاعب والتحديات بابتسامة صافية لم تغب لحظة عن فمه وتواصله القوى مع عصره واستشرافه للمستقبل . ان هذه هي المرة الأولى التي اكتب فيها عن الاستاذ عبد اللطيف بعد ان كان الحياء يمنعني والآن كان لزاما ان أقول مخلصا ما رأيته فيه وأخيرا فهو مواطن عربي من طراز فريد وصاحب ذوق فني مدهش وليس خافيا كيف جعل من مبنى الصندوق العربي واحدا من اجمل مباني المؤسسات الدولية او الاقليمية في العالم وازخرها بالكنوز الفنية والتشكيلية والتراثية فضلا عن اهتمام لا مثيل له بالعلم والتعليم جنبا الى جنب مع العناية الفائقة بنهج الإدارة ومنظومتها ومعها بالموسيقى العربية والخط العربي ! كأنه لا إدارة بلا نغم ولا ادارة بلا جذور محلية . في كل الحالات كان الاستاذ عبد اللطيف الغائب الحاضر فقد لخص في كلمة قصيرة الى المؤتمر الوضع الذي نمر به في المنطقة إذ قال : شهدت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا شهدت عدة حلقات من الطفرات المالية القصيرة الأجل خلال تاريخها الحديث ، ولكن تأثيرها كان محدود نسبياً على تعزيز النمو المستدام و ان طفرات الأموال هذه ارتبطت عادة بتدفقات كبيرة من العملات الأجنبية في شكل صادرات للموارد الطبيعية بالنسبة لمصدري النفط ، ثم يعاد توزيعها على الدول التي تستورد النفط عن طريق تحويلات العاملين وما على شاكلتها وتدفقات رأس المال قصيرة الأجل والاستثمارات وقد اقترن الازدهار الأخير بالمنطقة  بين عامي 2003 و 2008 ببيئة عالمية مواتية أدت إلى نمو غير مسبوق في عدد من بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على خلفية من ارتفاع كبير كما هو معروف في أسعار النفط  ونوه الحمد الى انه منذ ذلك الحين ، تعرضت المنطقة  لثلاث أزمات هي الأزمة المالية العالمية ، التي بدأت في أواخر عام 2007 ، وادت إلى تباطؤ عالمي في النشاط الاقتصادي والتجارة ، مما تسبب في تراجع مؤقت في النمو الاقتصادي لمنطقتنا هي الأخرى ، وثانياً فإنه على الرغم من أن الانتعاش المستدام من آثار الأزمة الأولى كان بالفعل هدفاً بعيد المنال ، إلا أن الانتفاضات السياسية والاجتماعية بالعديد من دول المنطقة جعلت هذا الأمر أبعد منالا بشكل اكبر ، وثالثا كان الانخفاض غير المتوقع في أسعار النفط حتى عام مضى او اقل ، علامة على نهاية دورة ارتفاع السلع الأولية وحيث لا يتوقع الكثير من الباحثين – مع الإقرار بوجود اختلافات في الاجتهادات – العودة الى أسعار نفط مرتفعة تشبه ما وصل إليه الحال قبل أزمة 2008  . من هذا التشخيص الدقيق انتقل الى ابرز ما خرج به الحاضرون بعد النقاشات الساخنة . فقد اوضح الاستاذ كين لي – جامعة سول بكوريا الجنوبية –  انه لا مناص امام المنطقة من ان تمتلك رؤية للتصنيع وخطة طويلة المدى مع نقطة بدء منطقية ، واعتبر ان الأمر ليس بالصعوبة التي نتصورها ، وان افضل ما فعته كوريا التي كانت تعانى جدا من الفقر والفساد والجوع انها لم تتهم الآخرين بالتسبب في ذلك ، وبدأت ببحوث لتطوير انتاجية الارز حتى يجد الشعب الغذاء ، ثم تصنيع زراعي ثم تصنيع كثيف العمالة عموما ليتعود الناس على تقاليد وقيم المجتمع الصناعي (الانضباط وتكامل الحلقات واليقظة الخ ) ، ثم انتقلت الى الصناعة كثيفة التكنولوجيا كالصلب والسفن وأخيرا الى الصناعات الرقمية  ،وما زالت تواصل وهي تعرف انه حينما يلحق الصينيون بسامسونج – مثلا –  فإن لديها خطة يجري العمل عليها حتى تواصل الريادة فى مجال جديد هو إنتاج الأجهزة الطبية الرقمية، واختتم بالقول ان على المنطقة ان تحقق قصة نجاح لكي يلتفت إليها العالم – كما فعلت الصين – وإلا فلا تلوم إلا نفسها سواء كنا في الوضع الجديد أو الوضع القديم . و دعا الدكتور مصطفى نابلي المحافظ الاسبق للمركزي التونسي الى القيام بتغيير راديكالي ينقل المنطقة من الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الى الفاعلية والتقدم ، لكن “ رباح ارسكى”- كبير الاقتصاديين بالبنك الدولي – قال : راهنوا على الشباب المتعلم الواعي الساعي الى إنتاجية أعلى والى تطوير جودة الخدمات ولنساعدهم على بناء شركات ريادية من تحت وصولا الى تغيير القمة . وقد أثار الكلام حول الشباب والذكاء الصناعي والتكنولوجيا الجديدة ودورها اهتمام معظم الحاضرين ، ودعا الدكتور راجي اسعد وآخرين الى مواجهة رأسمالية المحاسيب المتفشية بالمنطقة ، واكد الجميع على اهمية تقوية المؤسسات او عمل مؤسسات من نوع جديد ، وطالب الدكتور هادي اصفهاني – ايران –  بإيجاد طريقة ناجزة للتغلب على من يقامون التغيير ويعوقون التقدم ، ودعت الدكتورة هبة حندوسة الى تغيير نهج عمل الباحثين الشباب لتتم ترقيتهم على بحوث تخدم أوطانهم لا على نشر بحوث بمجلات اجنبية في قضايا لا تفيدنا ، واكد الدكتور ابراهيم البدوي مدير المنتدى ضرورة استغلال العاملين بالخارج في نقل الخبرة لبناء سلاسل قيمة محلية – للسلع والخدمات الوطنية – ما يساعد على اندماج افضل بمنافع أعلى مع سلاسل القيمة العالمية ، وأكد الدكتور عاطف قبرصي – جامعة اوتوا بكندا –  ان على المنطقة ان تفيق الى خطر ندرة المياه وان تدمج البيئة في كل قرار يومي او طويل المدى وإلا فالكوارث قادمة.