وتر: كاتب النص وقارئه

شريفة بنت علي التوبية –

حينما يسألني أحدهم لمن أكتب فأنا لا أجيد الإجابة ولا أعرفها، لأن الكتابة بالنسبة لي فعل حر لا يقبل قيداً أو شرطاً أو حتى مشاركة، ولأن الكتابة بشكل عام تتم في لحظة يمارس فيها الكاتب حريته المطلقة فارداً أجنحته لتدفق المعنى في فضاء الكلمة، وإن أتت الإجابة ربما ستكون ما كُتب فهو لك أيها السائل، فالنص الذي لامس شيئاً في نفسك فهو لك، لأنه يعنيك، فالقارئ هو البطل الحقيقي لأي نص، والكاتب حينما يكتب فهو يكتب لقارئ مجهول قد لا يتخيل ملامحه ولا يعرف اسمه، فالكاتب لا يشغله سوى الفكرة، ولكن بكل أسف هناك من لا يقرأ الفكرة بل ينشغل بالتأويل والبحث والتفسير لخصوصيات الكاتب من خلال نصه، فيكتفي بالعنوان أو قراءة السطر الأول ولا يتعب نفسه بقراءة النص كاملاً أو فهم ما هو مكتوب في بقية الأسطر، فهناك ممن تتعبه القراءة ولا يتعبه التصيد أو التربص لكلمة لا تناسب مزاجه وهواه، فيستهلك وقته وتفكيره في البحث عن الكاتب وليس عن المكتوب، فيفسر ويبحث عن أجوبة لأسئلة بعيدة عن الفكرة ومسار النص، وينشغل بالبحث عن المعنى المختبئ خلف السطور، قابضاً على لفظ أو معنى معتقداً أنه لا يتناسب مع السياق الأدبي المحافظ وفق رؤيته الخاصة، متداولاً تلك العبارة المقتطعة من نص طويل، وغالباً ما يأتي ذلك بنتائج عكسية، فكم من الكتب التي تم تداولها ونفذت بسبب ترويج المتربص الساذج الذي تصفحها باحثاً عن الكلمة الخادشة للعرف والتقليد، فيتهافت السذّج عليها، والغريب أن هناك كتبا قيّمة لم تجد من يدعمها، ولم تجد من يقرأها رغم قيمتها الأدبية والفكرية، فلم يعرفها سوى قلّة فقط.
وفي المقابل، كما أن هناك قارئا ساذجا أوسطحيا يصيب الكاتب بصدمة أسئلته أو تعليقه، هناك قارئ يوقد الفكرة في ذهن الكاتب، قارئ موضوعي في طرحه ونقاشه، لا يبحث عن الكاتب حينما يقرأ لأنه يعلم بأن الكاتب خارج النص، وأنه قد لا يشبه كتبه ونصوصه، فهو يكتب وفق ما يمليه عليه الخيال أوعمق الفكرة، قارئ لا يعنيه الشخص المختبئ خلف الكلمات، قدر ما تعنيه الفكرة وماهية النص، قد يكون ليس قارئاً نموذجياً ولكن هذا هو من يكتب له الكاتب ومن يعوّل عليه لقراءة نصوصه في اللحظة التي عليه أن يموت فيها صمتاً، كي يمنح نصه فرصة للحديث عن نفسه، وفقاً للنظرية القائلة بموت الكاتب بعد الكتابة، فحياة النص بموت كاتبه.