الانسحاب الأمريكي .. انتكاسة أخرى !

عوض بن سعيد باقوير –
صحفــي ومحـــلل ســـياسي –
جاء الانسحاب الأمريكي من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في إطار سلسلة من الانسحابات المتواصلة من الهيئات والمنظمات الدولية منذ وصول الرئيس الأمريكي ترامب إلى البيت الأبيض وهو بذلك يسجل رقما قياسيا في هذه الانسحابات في تاريخ الولايات المتحدة خاصة وأن تلك الانسحابات تأتي لأسباب سياسية وفي إطار تفكير انعزالي تحت شعار « أمريكا أولا» بعيدا عن المصلحة الجماعية للمجتمع الدولي.

إن الانسحاب من مجلس حقوق الإنسان جاء منسجما مع التوجه الإسرائيلي حيث الإدانات المتكررة لما تقوم به إسرائيل من انتهاكات متواصلة ضد الشعب الفلسطيني، ومن هنا فإن هذا الانسحاب يعبر عن الانحياز السافر من قبل إدارة ترامب للكيان الإسرائيلي ويبدو أن الانسحابات من هذه المنظمات سوف تتواصل إذا شعرت الولايات المتحدة أنها لا تنسجم مصالحها ومصالح إسرائيل وهذه سابقة في السلوك الأمريكي الحديث.

انتكاسة أمريكية
منذ وصول الإدارة الأمريكية الحالية للسلطة وهي تنفذ الانسحاب تلو الآخر فقد كانت البداية الانسحاب من اتفاقية المناخ والتي وقعتها أكثر من 100 دولة في باريس، ثم جاء الانسحاب من اليونسكو هذه المنظمة التي تعنى بالعلم والثقافة والتقارب الإنساني والحضاري، ثم جاء الانسحاب من اتفاقية التجارة مع أمريكا الشمالية وهي هنا كندا والمكسيك، ثم جاء الانسحاب الأخطر وهو الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، والذي لا تزال نتائجه تسبب التوتر وعدم الاستقرار في منطقة الخليج .
ثم جاءت الخطوة الأمريكية بإشعال حرب تجارية مع الحلفاء الأوروبيين علي ضفتي الأطلسي ومع الصين من خلال رفع الرسوم على صادرات الصلب والتفكير بالسيارات مما جعل الاقتصاد العالمي يشهد ارتباكا ملحوظا عدا تدخلات الرئيس الأمريكي في سياسة منظمة الدول المصدرة للنفط أوبك والضغط بمزيد من الإنتاج يتعدى النسبة المقررة من دول الأوبك في اجتماعها الأخير في فيينا بهدف المحافظة على سعر عادل للنفط.
وعلى ضوء هذا السلوك الأمريكي جاءت النكسة الأمريكية في الانسحاب من واحدة من أهم المنظمات الحقوقية وهي مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة ومقره جنيف، ليأتي هذا الانسحاب ليعطي المشهد الحقوقي صورة صادمة لدولة تتحدث عن حرية التعبير وحقوق الإنسان، ومن هنا فإن هذا الانسحاب له نتائج أساسية من خلال عدم الثقة بأي تصديق أمريكي على أي اتفاقية في المستقبل توقع عليها الإدارة الأمريكية وثانيا: أن الحديث عن حقوق الإنسان من قبل إدارة ترامب لم يعد له مصداقية، مما يعطي الدول التي لا تحترم حقوق الإنسان كإسرائيل الفرصة للقيام بمزيد من الانتهاكات وتضليل العدالة.
إن الانسحاب الأمريكي من مجلس حقوق الإنسان قد أصاب دول العالم بصدمة كبيرة خاصة من قبل الدول الأوروبية، خاصة وأن المبرر الأساسي لهذا الانسحاب جاء بسبب الإدانات المتكررة من قبل المجلس ضد الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة ضد حقوق الشعب الفلسطيني وهي موثقه إعلاميا وقانونيا وبعضها وصل وموثقا وبالأدلة والمستندات إلى محكمة الجنايات الدولية ومن هنا فإن الانسحاب الأمريكي من مجلس حقوق الإنسان يضيف المزيد من التخبط للإدارة الأمريكية.

حماية الشعب الفلسطيني
وكما انسحبت واشنطن من مجلس حقوق الإنسان اعتراضا على التنديد المتواصل من المجلس بالانتهاكات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني، فإن الولايات المتحدة استخدمت حق النقض في مجلس الأمن ضد مشروع القرار الذي تقدمت به دولة الكويت الشقيقة وهي عضو غير دائم في مجلس الأمن للمطالبة بقرار لحماية الشعب الفلسطيني من السياسات التعسفية للجيش الإسرائيلي وما يقوم به من قتل وتشريد للشعب الفلسطيني بمن فيهم الأطفال. وقد شاهد العالم كيف تتصرف مندوبة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة ومن هنا فإن الانسحاب الأمريكي من مجلس حقوق الإنسان يأتي منسجما مع السلوك الأمريكي والذي طال عدة منظمات دولية، ولعل التدخل السياسي الأمريكي ضد منظمة إنسانية وهي منظمة الاونروا التي تراعي ملايين اللاجئين الفلسطينيين في الشتات تعد واحدة من التدخلات غير الإنسانية وتعطي مؤشرا على أن الولايات المتحدة ومن خلال الإدارة الحالية تصطدم بخيارات المجتمع الدولي ومبادئه الأساسية في ترسيخ السلام ورفع الظلم ودعم سيادة القانون الدولي الإنساني .
وقد تحدثت في مقال سابق بأن الانسحاب الأمريكي من منظمة الأمم المتحدة ومقرها نيويورك قد لا يكون مستبعدا خاصة وأن الرئيس الأمريكي ترامب والصقور من الجمهوريين في إدارته انتقدوا المنظمة الدولية ومن هنا فإن المتأخرات المالية على واشنطن لم تسدد خلال السنوات الأخيرة إلا بنسبة ضئيلة كنوع من الضغط الذي تمارسه واشنطن على المنظمات الدولية ومنها منظمة الاونروا، والتي تعاني من شح مالي خطير يؤثر على تقديم الخدمات الإنسانية للاجئين الفلسطينيين وهذا الخلط بين ماهو سياسي وماهو إنساني وعمل مع النواميس الإنسانية والحضارية.
إن مجلس حقوق الإنسان سيظل منظمة حيوية لرصد الانتهاكات في العالم ومن خلال تقارير رادعة والكيان الإسرائيلي تحمس كثيرا لانسحاب واشنطن من المجلس لأنه يدرك مدى فداحة الانتهاكات التي يمارسها ضد الشعب الفلسطيني منذ سبعة عقود ولا يحاسب هذا الكيان المارق ومن هنا فان انسحاب واشنطن يؤكد على ضيق الإدارة الأمريكية بالمتابعة الدقيقة من قبل مجلس حقوق الإنسان للسلوك الإسرائيلي ضد حقوق الإنسان الفلسطيني وأيضا في أماكن أخرى من العالم.
إن هذا الانسحاب الأمريكي من هذه المنظمة الحقوقية المهمة يعد سابقه خطيرة ولها تأثير سلبي في إطار دور الأمم المتحدة ومنظماتها المختلفة والتي تسعي لمراقبة كل السلوكيات والانتهاكات التي تطال الإنسانية رغم أن هناك قصورا كبيرا من قبل الأمم المتحدة بسبب الضغوط الأمريكية مما جعل الأمم المتحدة تعاني الأمرين حيث تسبب الفيتو الأمريكي المتكرر في شل عمل مجلس الأمن، كما أن الأمم المتحدة تعاني من عجز مالي في بعض منظماتها بسبب المتأخرات الأمريكية وهناك شعور لدى الإدارة الأمريكية بأن الأمم المتحدة لا تخدم مصالح الولايات المتحدة وأن الجمعية العامة للأمم المتحدة يتم استخدامها ضد السياسات الأمريكية وضد إسرائيل.

المنظمات الدولية
رغم الانسحاب الأمريكي من عدد من المنظمات كاليونسكو والآن من مجلس حقوق الإنسان فإن الخسارة الأهم هي للولايات المتحدة فهذه المنظمات سوف تواصل عملها وأن واشنطن من خلال تلك الانسحابات المتكررة تعزل نفسها عن المجتمع الدولي وهذا ما تحدث عنه بعض الخبراء في الولايات المتحدة.
فشعار «أمريكا أولا» الذي أطلقه ترامب خلال حملته الانتخابية لا يمكن تطبيقه من خلال التضحية بمصالح الآخرين ومن هنا فإن تلك الانتكاسة الأمريكية على المستوى الحقيقي سوف يكون لها آثار سلبية من خلال أصوات بدأت ترتفع داخل الأوساط الحقوقية الأمريكية المستقلة وهناك انتقادات كبيرة من وسائل الإعلام الأمريكية والمعلقين السياسيين حول فداحة الخطوة الأمريكية خاصة وأن السبب الأساسي لذلك الانسحاب هو بسبب الإدانات المتكررة من قبل مجلس حقوق الإنسان ضد الممارسات الإسرائيلية والإجرامية ضد الشعب الفلسطيني مما يعني أن إسرائيل أصبحت بمثابة الولاية الأمريكية الحادية والخمسين وهي كذلك بالفعل لكن إدارة ترامب أعطت هذا المعنى بعدا أكبر لدرجة أن تضحى بسمعتها الدولية من خلال انسحابها من واحدة من أهم المنظمات الحقوقية في العالم.
وقد يشهد العالم انسحابا أمريكيا مثيرا خاصة إذا تصاعدت الحرب التجارية بين واشنطن من ناحية والدول الغربية والصين من ناحية أخرى، وهنا قد يأتي انسحاب أمريكي محتمل من منظمة التجارة العالمية والتي تنظم المعايير والقوانين الخاصة بالتجارة بين دول العالم ومن هنا فإن التخبط الأمريكي سوف يستمر على كل الأصعدة. وفي تصوري فإن ملامح فشل صفقة القرن التي تروج لها الولايات المتحدة وإسرائيل سوف تسبب رد فعل أمريكي داخلي ومن خلال فشل تلك الصفقة تسقط المشاريع الأمريكية وفلسفة ترامب التي تريد أن تستولي على كل المصالح وفي الوقت نفسه تضر بمصالح الآخرين مما يجعل السياسة الأمريكية الحالية في حالة ارتباك وسوف تؤدي إلى احتشاد دولي ضد تلك السياسة ولعل الموقف الأوروبي والصيني واضح في هذا الإطار.