عندما تتخلى أمريكا عن مهمة أساسية !!

د. عبد الحميد الموافي –
إن قوة الحجة الأمريكية في الحديث عن، أو تبني مبدأ الدفاع عن حقوق الإنسان على المستوى الدولي، أو في علاقاتها مع الدول الأخرى، وما كان يحظى به التقرير السنوي لوزارة الخارجية الأمريكية الخاص بحقوق الإنسان على مستوى العالم من اهتمام، سيضعف كثيرا بالتأكيد، بفعل انسحاب أمريكا من المجلس الدولي لحقوق الإنسان.

ليس من المبالغة في شيء القول بأن إقدام إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الانسحاب من المجلس الدولي لحقوق الإنسان، التابع للأمم المتحدة في الأيام الأخيرة، قد أثار ردود فعل مختلفة ومتنوعة أيضا، على المستويات المختلفة، وقد تراوحت ردود الفعل تلك بين الأسى والقلق على المجلس الدولي لحقوق الإنسان، كأحد أجهزة الأمم المتحدة ذات الأهمية المتزايدة في عالم اليوم، الذي تتزايد فيه انتهاكات حقوق الإنسان على نطاق واسع، وكذلك القلق على منظومة الأمم المتحدة، خاصة وأن إدارة ترامب انسحبت من منظمة اليونسكو، ولنفس سبب انسحابها من المجلس الدولي لحقوق الإنسان، وهو معارضتها لموقف المنظمتين من إسرائيل وانتهاكها للحقوق الفلسطينية، وببن النظر إلى واقعة الانسحاب الأمريكي، على أنها واقعة كاشفة أخرى للموقف الأمريكي من الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها من ناحية، وحيال مبدأ الدفاع عن حقوق الإنسان ذاته، كأحد مبادئ السياسة الأمريكية، وأن الأمر لم يكن في الواقع سوى نوع من التوظيف السياسي للمبدأ لخدمة السياسة الأمريكية الخارجية، وتعاملها مع شريحة من الدول خاصة في العالم الثالث من ناحية ثانية، و إن الانسحاب من المجلس الدولي لحقوق الإنسان، هو بمثابة محاولة أخرى من الجانب الأمريكي لفرض الرؤية الأمريكية على المجتمع الدولي، من منطلق أن أمريكا العملاقة القوية، قادرة على فرض ما تراه عندما تراه وعلى الجميع الاستجابة، وأنه لا أحد في العالم يمكن أن يقف أمامها أو أن يعارضها، وهذه نظرة شديدة السطحية والقصور، سواء للعلاقات الدولية، أو للولايات المتحدة كقوة عظمى، بل القوة العظمى الوحيدة في عالم ما بعد الحرب الباردة، ولدورها الدولي ولمستقبل هذا الدور أيضا. وبغض النظر عن ارتباط ردود الفعل المختلفة، بمواقف ورؤى وسياسات الأطراف المختلفة، وطبيعة علاقتها مع الولايات المتحدة، ورؤية تلك الأطراف للواقع الدولي وللمخاطر العديدة التي يتعرض لها في الظروف الراهنة، وما يمكن أن يترتب بالتالي على الانسحاب الأمريكي المتزايد من منظمات ومؤسسات النظام الدولي الراهن، وهو نظام ساهمت الولايات المتحدة بدور محوري في إقامته وترسيخه وتطويره منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، ويخشى كثيرون من أن تكون ممارسات الولايات المتحدة في ظل إدارة ترامب، أدوات لخلخلة النظام الدولي ومؤسساته الراهنة، لمجرد أنه لا يحقق المصالح الأمريكية بالكيفية التي تراها الإدارة الحالية، بغض النظر عن صحة أو عدم صحة ذلك !! وهو ما حذرت منه بالفعل كتابات رزينة داخل الولايات المتحدة في الأيام الأخيرة. فلعله من الأهمية بمكان الإشارة باختصار شديد إلى عدد من الجوانب، لعل من أهمها ما يلي:
*أولا: أنه إذا كان قرار الانسحاب الأمريكي، من المجلس الدولي لحقوق الإنسان، أو من أية منظمة، أو اتفاقية دولية ثنائية أو متعددة الأطراف أو جماعية أخرى، تابعة للأمم المتحدة أو غير تابعة لها، هو قرار سيادي أمريكي، لا يمكن لأي طرف التدخل فيه من منطلق نظري قانوني، إلا أن الأمر له جانبه الآخر، الذي لا يقل عن ذلك أهمية، وهو الجانب المرتبط بالولايات المتحدة كقوة عظمى في عالم اليوم، وكقوة ذات تأثير إقليمي ودولي واسع النطاق، وعلى كل المستويات، وبالتالي فإن المواقف، أو القرارات والممارسات التي تمارسها الولايات المتحدة هي ممارسات مؤثرة عمليا في حياة وواقع الدول والشعوب الأخرى، رغبت في ذلك أو لم ترغب. ومن هنا تحديدا فإن الأمر لم يعد محصورا في مفهوم السيادة بالمعنى النظري التقليدي، ولكنه يتسع الى ما يسمى بالمسؤولية الدولية للقوى الدولية الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة، وهذه المسؤولية الدولية والأخذ بها، ليست أمرا حديثا، ولكنها مسألة ظهرت منذ مشاورات وضع ميثاق الأمم المتحدة في عام 1944، وما تمخض عنه ذلك من التوافق على احتفاظ الدول الخمس الكبرى المنتصرة في نهاية الحرب العالمية الثانية ، ومنها الولايات المتحدة ، بالعضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي، المسؤول عن العمل على الحفاظ على السلم والأمن الدوليين، ومن ثم تمتعها بحق النقض – الفيتو- الذي يمكنها من اعتراض وإسقاط أي قرار من قرارات مجلس الأمن. ونظرا لأن الولايات المتحدة ليست موزمبيق أو كوستاريكا مثلا، فان مواقفها وقراراتها ترتب آثارا دولية وإقليمية تهم الكثير من الدول، وهذا يرتب عليها-مثلها مثل القوى الدولية الكبيرة والمؤثرة الأخرى- مسؤوليات أوسع منها ذاتها، بغض النظر عن التفاوت الطبيعي في ذلك، وفقا لاعتبارات وعوامل عديدة.
ولعل ذلك هو ما يفسر درجة الانزعاج الكبيرة والواسعة النطاق على الصعيد الدولي، ليس فقط فيما يتصل بانسحاب الولايات المتحدة من المجلس الدولي لحقوق الإنسان، ولكن أيضا فيما يتصل بقرارات عدة اتخذتها الإدارة الأمريكية، خاصة فيما يتصل بفرض جمارك على سلع وانسحاب من اتفاقيات تجارية واتفاقيات دولية، كانت بمثابة صعقات كهربائية أصابت المجتمع الدولي بارتعاشات شديدة تكاد تشل حركته، أو تسبب له ارتباكا شديدا.
والمؤكد إن مثل هذه القرارات ما كان يمكن أن يكون لها مثل ردود الفعل تلك، لو أنها صدرت من دول اقل قوة أو شأنا من الولايات المتحدة، هذا إذا صدرت أصلا، لأنها تحتاج ببساطة الى كثير من الجسارة والقدرة، وربما عدم الاهتمام بالآثار المترتبة عليها وبردود الفعل الدولية لها، وهذه مخاطرة لا يقدم عليها من يحسب أو يتحسب لخطواته. على أية حال فإن المسؤولية الدولية التي تتحملها الولايات المتحدة كقوة عظمى، وكركيزة للنظام الدولي، يفرض عليها مراعاة الآثار المترتبة على قراراتها، وخاصة تلك المتعلقة بالانسحاب من منظمات أو اتفاقيات دولية أو إقليمية.
وبالتأكيد لا يعني ذلك تقييد حرية الولايات المتحدة في اتخاذ ما يراه متفقا مع مصالحها الوطنية، كحق أصيل لها، ولكنه يعني أن الأمر ليس أحادي الجانب، ولكنه (طريق في اتجاهين)، أو مسؤولية متبادلة كما أشار الرئيس الأمريكي الى ذلك ذات مرة ، في إشارته الى مسؤولية دول أوبك بالنسبة لأسعار النفط. فالعلاقات الدولية لا يمكن إدارتها على أساس انتقائي، خاصة من جانب القوى الدولية والإقليمية ذات المسؤولية الأوسع أو الأكبر.
*ثانيا : انه إذا كانت إدارة الرئيس الأمريكي قد بررت انسحابها من الاتفاق النووي الإيراني، ومن اتفاقية باريس للمناخ، ومن اتفاقية التجارة الحرة للمحيط الهادي، ولوحت باحتمال الانسحاب من منظمة التجارة العالمية – ليس الآن ولكن ربما بعد بعض الوقت – كما انتقدت حلف شمال الأطلنطي، وقد ربطت ذلك كله بشكل أو بآخر بالمصالح الأمريكية المباشرة – حسبما تراها الإدارة بالطبع – فان الانسحاب من منظمة اليونسكو ومن المجلس الدولي لحقوق الإنسان ارتبط في الواقع بموقف كلا المنظمتين من إسرائيل، ورفض واشنطن لاستمرارهما في انتقاد الممارسات والانتهاكات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين. وهذا أمر لا يدخل في نطاق المصالح الوطنية الأمريكية، على الأقل على النحو الخاص بالنسبة للقضايا السابق الإشارة إليها .
ومن ثم فإنه لا يمكن تفسير خطوة الانسحاب من المجلس الدولي لحقوق الإنسان، سوى من خلال الانحياز الأمريكي التام الى جانب إسرائيل، وتحول إسرائيل ومصالحها الى عنصر من عناصر السياسة الداخلية والخارجية الأمريكية، على نحو غير مسبوق، وما يفسر ذلك ما قرره الرئيس ترامب من اعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب الى القدس، وصفقة القرن التي يتم إعدادها الآن، ويعني ذلك ببساطة أن اتجاه العزلة، أو الانسحاب الأمريكي من عدد متزايد من مؤسسات النظام الدولي الراهن، هو اتجاه سيتزايد خلال حكم الرئيس ترامب، وستتنوع المبررات والأسباب، ومنها بالطبع الموقف حيال إسرائيل، وهو ما يثير التساؤل في الواقع، أو ينبغي أن يثير التساؤل في الولايات المتحدة حول الأهمية التي باتت تحتلها إسرائيل في السياسة الأمريكية، وأثر ذلك على المواقف الأمريكية، ليس فقط حيال المنظمات الدولية والإقليمية، ولكن حيال الدول الأخرى أيضا وبالذات في منطقة الشرق الأوسط.
*ثالثا : انه من المؤكد أن الانسحاب الأمريكي من المجلس الدولي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، سيؤثر على عمل وفعالية المجلس، خاصة وان واشنطن تمتنع عن دفع نصيبها في الميزانية، وما عليها من متأخرات، وتحجب مساعداتها خلال فترة انسحابها طالت أم قصرت، وهو ما يربك العمل بالفعل بحكم المساهمة الأمريكية غير القليلة في ميزانية وبرامج دعم تلك المنظمات. وما يحدث بالنسبة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين – الاونروا – واضح للجميع . وبغض النظر عن رغبة واشنطن في إدخال إصلاحات على عمل المجلس الدولي لحقوق الإنسان، وعلى هيئات ومنظمات الأمم المتحدة المختلفة، فإن ذلك لم يكن السبب الأساسي وراء الانسحاب، ولكن موقف المجلس من إسرائيل كان السبب الأول.
وعلى الجانب الآخر فإنه من المعروف أن الانسحاب يحرم الدولة المنسحبة من إمكانية التأثير، أو توجيه القرارات في المنظمة التي تم الانسحاب منها. ومن ثم فإن واشنطن لن تتمكن، على الأرجح، من التأثير في قرارات ومواقف مجلس حقوق الإنسان خلال فترة غيابها عنه، وهذا لا يسهم في تحقيق الهدف الأمريكي بالطبع أيضا.
يضاف الى ذلك أن الانسحاب الأمريكي من المجلس الدولي لحقوق الإنسان من شأنه أن يضعف الموقف الأمريكي الذي يرفع شعار العمل لحماية حقوق الإنسان كمبدأ من مبادئ السياسة الخارجية الأمريكية، منذ أوائل ثمانينات القرن الماضي، عندما جعله الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان ركنا أساسيا في سياسة واشنطن الخارجية وعلاقاتها مع الدول والأطراف الدولية الأخرى.
فبينما يرغب الرئيس ترامب في محاكاة بعض سياسات ريجان، خاصة فيما يتصل بحرب الفضاء – أو حرب النجوم – فإن انسحابه من مجلس حقوق الإنسان يبتعد عن احد المبادئ التي تبناها ريجان بقوة. ومن شأن ذلك أن يؤثر سلبا في جانبين أساسيين: أولهما أن قوة الحجة الأمريكية في الحديث عن، أو تبني مبدأ الدفاع عن حقوق الإنسان على المستوى الدولي، أو في علاقاتها مع الدول الأخرى، وما كان يحظى به التقرير السنوي لوزارة الخارجية الأمريكية الخاص بحقوق الإنسان على مستوى العالم من اهتمام، سيضعف كثيرا بالتأكيد، بفعل انسحاب أمريكا من المجلس الدولي لحقوق الإنسان، خاصة وان اهتمامها بقضايا حقوق الإنسان داخل المجلس توقفت وتأثرت تماما بالموقف من إسرائيل، برغم وجود قضايا عديدة كان من المتوقع الاهتمام بها أيضا.
ومن يتابع الكتابات الأمريكية في الآونة الأخيرة يندهش من إدراك ذلك، بل ومن اتهامها للإدارة الأمريكية بتجاوز حقوق الإنسان، وعدم الاهتمام بها، مقابل الاهتمام بجوانب أو بقضايا تجارية أو غيرها، وهو ما لا يحسب لصالحها في الواقع.
أما الجانب الثاني، فإنه يصل الى ما هو أبعد من ذلك عند البعض، الذين يرون أن انسحاب واشنطن من المجلس الدولي لحقوق الإنسان، ليس هربا من مواجهة أغلبية كبيرة ودائمة تقريبا داخل المجلس، مناوئة لإسرائيل ولكثير من التوجهات الأمريكية، ولكنه تأكيد لحقيقة ظلت مستترة لسنوات عديدة، وهي التوظيف السياسي الأمريكي لمبدأ الدفاع عن حقوق الإنسان والتمسك به ورفع رايته، عندما يخدم ذلك المصالح الأمريكية. والأمثلة في هذا المجال اكثر من أن تحصى على مدى السنوات الماضية، وبالطبع غض الطرف، أو التجاهل أو عدم الاهتمام، أو التقليل من أهمية ذلك عندما يكون ذلك ضروريا لخدمة المصالح الأمريكية المباشرة وغير المباشرة.
ومع أن ذلك ليس اكتشافا جديدا في الواقع، إلا أن وضوحه وترسخه في هذه الفترة، من شأنه إضعاف الموقف الأمريكي وما حملته الولايات المتحدة من مسؤولية ومهمة، طالما تغنت بها، في الدفاع عن حقوق الإنسان ، وتبني هذه الدعوة الى حد وصل الى تدبير أو المشاركة في انقلابات سياسية وعسكرية ضد دول وأنظمة حكم في المنطقة وعلى امتداد العالم، ولا يخدم ذلك التخلي العملي عن الدفاع عن حقوق الإنسان بشكل حقيقي وشامل، السياسة ولا المصالح الوطنية الأمريكية لا اليوم ولا غدا.