«مسـمار» آخـر .. في « نعـش » المؤسسـات الدولـية

عماد عريان –
,, الانسحاب الأمريكي من مجلس حقوق الإنسان الدولي لا يمثل فقط مسمارا جديدا في نعش المؤسسات الدولية ولكنه بكل تأكيد يمثل خطوة مهمة وخطيرة للتمعن في التداعيات السلبية لسياسات «العزلة» التي يتبناها الرئيس الأمريكي ترامب ,,

السياسة الانعزالية التي تتبناها الإدارة الأمريكية الحالية لا تسبب حالة من الإرباك على الصعيد العالمي فحسب، ولكنها تؤدي إلى زيادة حالة التوتر والقلق في أرجاء المعمورة بما يمثل تهديدا صريحا للسلم والأمن الدوليين، وبالنسبة للقضية موضوع البحث، فهناك الكثير مما يمكن قوله عن تأثير الانسحاب الأمريكي من المجلس الدولي لحقوق الإنسان على الولايات المتحدة ذاتها، فبينما يمثل انسحاب واشنطن من مجلس حقوق الإنسان أحدث رفض أمريكي للتواصل الدولي المتعدد الأطراف بعد انسحابها من اتفاقية باريس للمناخ والاتفاق مع القوى الكبرى بشأن برنامج إيران النووي لعام 2015 ، كما يأتي كذلك في وقت كانت تواجه فيه الولايات المتحدة انتقادات محلية ودولية شديدة لاحتجازها أطفالا جرى فصلهم عن آبائهم المهاجرين عند الحدود المكسيكية الأمريكية، حتى اضطر الأمير زيد رعد بن الحسين مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان إلى وصف هذه السياسة بأنها «غير رحيمة»، فإن ذلك الانسحاب يفرض سياجا من العزلة على واشنطن، خصوصا أنه يتواكب مع السياسات التجارية الحمائية التي يتبناها ترامب حاليا إزاء شركائه التجاريين في أوروبا وأمريكا الشمالية وآسيا. ومن هنا، لم يكن مستغربا أن يصرح جميل دكوار، مدير برنامج حقوق الإنسان بالاتحاد الأمريكي للحريات المدنية، أن اتباع ترامب «سياسة الانعزالية المضللة إنما يضر المصالح الأمريكية فحسب» كما قال الاتحاد الأوروبي إن القرار الأمريكي «يجازف بتقويض دور الولايات المتحدة كمدافعة عن الديمقراطية وداعمة لها على الساحة العالمية».
وفي حين يشكل انسحاب واشنطن من المنظمات والاتفاقات الدولية، التي كان آخرها مجلس حقوق الإنسان الأممي، انسحابا أمريكيا من النظام الدولي الراهن وتقويضا لركائزه، فإنه سيؤدي من جانب آخر إلى تراجع القوة الناعمة للولايات المتحدة إثر تقلص قدراتها الدبلوماسية وانكماش مكتسباتها الوطنية، علاوة على إضعاف مبادئ الدستور والرقابة المدنية على الحكومة، خصوصا مع وجود رئيس ينظر إلى قضايا السياسة الخارجية والسياسات الدفاعية من منظار عسكري واقتصادي صرف.
علاوة على ما سبق، يحمل هذا الأمر في طياته إشارات، لا تخطئها العين، على أن قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان لن تحتل موقعا مهما ضمن قائمة أولويات السياسة الخارجية الأمريكية في ظل تلك الإدارة الحالية، فبينما لم يعين ترامب حتى الآن مساعدا لوزير خارجيته لشؤون الديمقراطية وحقوق الإنسان، قدمت السفيرة إليزابيث شاكلفورد في السابع من نوفمبر الماضي، استقالتها إلى وزير الخارجية الأمريكية السابق تيلرسون، احتجاجا على ما وصفته بـ«لا مبالاة» الإدارة الأمريكية وتيلرسون نفسه، حيال قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، مستشهدة في ذلك بدعوة تيلرسون موظفي الوزارة في الثالث من مايو الماضي، إلى عدم التشبث بتلك القضايا حال تعارضها مع المصالح الأمريكية، ونددت السفيرة بإمعان تيلرسون في الاستعانة بعسكريين سابقين، فضلا عن تصاعد دور البنتاجون على حساب وزارة الخارجية الأمريكية، بإيعاز من ترامب وتقبل من تيلرسون، إلى الحد الذي من شأنه الإضرار بالمصالح الأمريكية، كونه ينال من قدرة الدبلوماسية الأمريكية على التعاطي الحصيف والمثمر مع المنعطفات التاريخية، والتحولات المفصلية التي تجتاح عالم اليوم.
وفيما يتصل بتأثير الانسحاب الأمريكي على مستقبل النظام الدولي، فيمكن القول: إن الانسحاب الأمريكي من مجلس حقوق الإنسان الدولي يعد بمثابة معول هدم للقواعد المؤسسية والقانونية للنظام الدولي الراهن، الذي وضعت ركائزه عقب الحرب الكونية الثانية في العام 1945.
فبينما جاءت في سياق انسحابات أمريكية أخرى عديدة من مؤسسات ومنظمات ومعاهدات دولية شتى منذ مجيء ترامب إلى السلطة قبل قرابة عشرين شهرا، فإن خطوة انسحاب واشنطن من مجلس حقوق الإنسان من شأنها أن تعزز الاتجاه الأمريكي للانسحاب من النظام الدولي الراهن بما يمهد السبيل لتقويض أركانه ودعائمه.
فلقد تزامنت تلك الخطوة مع إعراب الخارجية الروسية عن قلقها من توجيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ووزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) بتشكيل قوة فضائية منفصلة عن الجيش، هدفها ضمان تفوّق الولايات المتحدة في الفضاء.
وبينما برر ترامب تلك الخطوة المثيرة، بالرغبة في استعادة هيبة الولايات المتحدة، وتقوية مؤسساتها العسكرية والاقتصادية، عبر استبقاء التفوق العسكري الأمريكي خصوصا في مواجهة روسيا والصين، وتعظيم قدرة واشنطن على استخدام القوة في مناطق استراتيجية أساسية وردع المعتدين، رأت الناطقة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا في هذه الخطوة الأمريكية التصعيدية مؤشراً على نية واشنطن نشر أسلحة في الفضاء، محذّرة من أن عسكرة الفضاء يمكن أن تكون محفوفة بعواقب لا تقل خطرا عن سباق تسلّح نووي، ما من شأنه زعزعة الاستقرار الاستراتيجي والأمن الدولي، خصوصا مع رفض واشنطن اقتراح موسكو وبكين معاهدة دولية تحظر الأسلحة الفضائية ..
بدوره، نبه فيكتور بونداريف، رئيس لجنة الدفاع والأمن في مجلس الاتحاد الروسي، إلى أن إقدام الأمريكيين على انتهاكات صارخة في هذا الصدد، قد يعرض الأمن والاستقرار الدوليَين لخطر واضح، خصوصا مع إصرار الأمريكيين على تطوير أسلحة خاصة بتنفيذ هجمات من الفضاء، حيث كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن مشروع إدارته لموازنة السنة المالية 2019 ، والذي تضمن زيادة لافتة في النفقات العسكرية وخفضا معتبرا في مخصصات وزارة الخارجية، حيث تم رفع النفقات العسكرية من 612 مليار دولار عام 2018 إلى 686 مليار دولار عام 2019، ما يمثل زيادة تفوق نسبة 10% في موازنة البنتاجون عن العام الماضي.
وكعادتها دائما، قدر للقضية الفلسطينية أن تسدد فاتورة أخطاء الكبار وتدفع ثمن انحيازاتهم، فبينما كان طبيعيا ومتوقعا أن يرحب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو بالقرار الأمريكي بالانسحاب من مجلس حقوق الإنسان تضامنا مع إسرائيل، التي تحرص واشنطن على توفير الحماية لها منذ أمد بعيد داخل الأمم المتحدة، حتى ولو على حساب مبادئ الشرعية الدولية، يبقى الفلسطينيون، الذين هرعوا يكيلون الانتقادات لواشنطن جراء خطوتها تلك مؤكدين أنها لا يمكن أن تكون وسيطا محايدا بينما تستعد لطرح صفقة القرن لتصفية القضية الفلسطينية بعدما نقلت سفارتها من تل أبيب إلى القدس بعد اعترافها بها عاصمة لإسرائيل في مخالفة لسياسة أمريكية متبعة منذ عقود، متعلقين بتلابيب مجلس حقوق الإنسان الأممي وغيره من المنظمات الدولية التي نجحوا في انتزاع عضويتها بشق الأنفس، أو تلك التي ما برحت تبدي تعاطفا مع مأساتهم ومعاناتهم، خصوصا في ظل وهن الموقف العربي وتشرذمه من جهة، وانحياز الموقف الدولي وتقاعسه ومراوغته على الجهة الأخرى.
وفي كل الأحوال يبقى الجموح الأمريكي أو تمرد واشنطن في ظل إدارة الرئيس ترامب على معظم ثوابت النظام الدولي هو الأشد خطورة على السلم والأمن الدوليين في المرحلتين الحالية والمقبلة، فحالة العزلة الدولية التي يكرسها ترامب بتبني سياسات خارجية أحادية الجانب تفتقد تماما إلى الديمقراطية الدولية، ومن شأنها أن تفاقم التوتر العالمي على كل الصعد وليس فقط على صعيد المؤسسات الدولية والأممية.