تـداعـيات الانسـحـاب الأمريكـي

بشير عبد الفتاح –
« يشكل انسحاب واشنطن من المجلس خطوة مربكة ومثيرة في آن لجهة التداعيات السلبية التي ستترتب على ذلك الانسحاب في أكثر من اتجاه وعلى أكثر من صعيد».

تواصلا مع مسلسل الانسحابات التي طفقت تباغت به المجتمع الدولي منذ اعتلائها السلطة في الولايات المتحدة قبل ما يربو على عشرين شهرا خلت، وفي سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ النظام الدولي ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الشهر الماضي انسحابها من مجلس حقوق الإنسان الأممي، في وقت كانت الولايات المتحدة في منتصف فترة عضويتها الثالثة والتي مدتها ثلاث سنوات بالمجلس، الذي يتخذ من جنيف مقرا له ويضم 47 عضوا، ففي عهد الرئيس باراك أوباما انتخبت الجمعية العامة للأمم المتحدة الولايات المتحدة عضوا في المجلس لدورتين متتاليتين، وهو الحد الأقصى للدورات المتتالية، وبعد غياب دام عاما كاملا، انتخبت واشنطن مجددا في عام 2016 لفترتها الثالثة الحالية، التي أبى ترامب إلا صدمة العالمين بقراره عدم إكمالها عبر الانسحاب من عضوية المجلس الحقوقي الأممي.
وعلى رغم وقوعه على الأمريكيين والعالم من حولهم وقع الصاعقة، إلا أن الانسحاب الأمريكي من مجلس حقوق الإنسان الدولي لم يكن مفاجئا أو غير متوقع، فلطالما هددت واشنطن فيما مضى بالانسحاب منه إذا لم يتم إصلاحه وقبول المطالب والمقترحات الأمريكية بهذا الصدد، كما لا يغيب عن أذهان الكثيرين أن هذا المجلس عندما أنشئ في عام 2006 قاطعته إدارة الرئيس الأمريكي آنذاك جورج دبليو بوش وتعاملت معه بحذر لافت ومثير للتساؤلات، وقبل نحو عام مضى، أعلنت مندوبة واشنطن لدى الأمم المتحدة نيكي هيلي أن واشنطن تراجع عضويتها في هذا المجلس.
ومن بين أسباب وعوامل شتى دفعت إدارة ترامب إلى مجافاة المجلس الحقوقي الأممي، برأسه يطل أبرزها والمتمثل في انحياز واشنطن الكامل لإسرائيل ورفض إدارة ترامب إنصاف المجلس للشعب الفلسطيني وحقوقه التاريخية المشروعة وإدانته المتوالية لانتهاكات إسرائيل المتواصلة بحق الشعب الفلسطيني المظلوم، ويضع المجلس الدولي لحقوق الإنسان على جدول أعماله بندا ثابتا يتعلق بالانتهاكات التي يشتبه بأن إسرائيل ترتكبها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهو بند تطالب واشنطن بحذفه. وصوت المجلس الشهر الماضي لصالح إجراء تحقيق في سقوط قتلى في قطاع غزة، واتهم إسرائيل بالاستخدام المفرط للقوة، وصوتت الولايات المتحدة واستراليا وحدهما بـ «لا»، وفى هذا السياق، قال كين روث، المدير التنفيذي لمنظمة هيومن رايتس ووتش الأمريكية : «إن مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان يلعب دورا مهما في دول مثل كوريا الشمالية وسوريا وميانمار وجنوب السودان، لكن كل ما يهتم به ترامب فيما يبدو هو الدفاع عن إسرائيل».
ولقد بدا ذلك الانحياز الأمريكي لإسرائيل جليا في تصريحات مسؤولين أمريكيين كثر بشأن موقف المجلس من إسرائيل خلال الآونة الأخيرة. حيث قالت مندوبة واشنطن لدى الأمم المتحدة نيكي هيلي: إن «التركيز غير المتناسب على إسرائيل والعداء الذي لا ينتهي تجاهها دليل واضح على أن المجلس يحركه التحيز السياسي وليس حقوق الإنسان».
من جهة أخرى، تعتبر واشنطن أن المجلس لم يعد يضطلع بمهمته على الوجه الأكمل، خصوصا بعدما بات يضم أعضاء لا يساعدون على ذلك، وفي هذا السياق، قالت هيلي: «انظروا إلى عضوية المجلس فسترون ازدراء مروعا للحقوق الأساسية»، مستشهدة بفنزويلا والصين وكوبا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وفي مسعى للتمهيد للانسحاب الأمريكي من المجلس، قال دبلوماسيون ونشطاء: إن المحادثات مع الولايات المتحدة بشأن إصلاح المجلس قد أخفقت في تلبية مطالب واشنطن، وقال مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي : «إن مجلس حقوق الإنسان يساعد على الانتهاكات بإعفاء المخالفين من المسؤولية من خلال الصمت، وبالتنديد دون وجه حق بمن لم يرتكبوا جرما».
وبدورها، قالت هيلي: «نحن نتخذ هذه الخطوة لأن التزامنا لا يسمح لنا بأن نظل أعضاء في منظمة منافقة وتخدم مصالحها الخاصة وتحول حقوق الإنسان إلى مادة للسخرية» على حد قولها، وانتقدت هيلي روسيا والصين وكوبا ومصر لعرقلتها الجهود الأمريكية الرامية لإصلاح المجلس «المنافق والأناني» وانتقدت كذلك الدول التي تشارك الولايات المتحدة القيم، والتي حثت واشنطن على البقاء، لكنها «لم تكن راغبة في تحدي الوضع الراهن بجدية».
ومن بين الإصلاحات التي كانت تضغط الولايات المتحدة من أجل تبنيها تسهيل طرد الدول ذات السجل السيئ في مجال حقوق الإنسان، ويلزم حاليا تصويت بأغلبية الثلثين في الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تضم 193 دولة لتعليق عضوية إحدى الدول.
وعلى رغم أن قرارات المجلس، الذي يجتمع ثلاث مرات في العام لبحث الانتهاكات الحقوقية في أنحاء العالم وكلف محققين مستقلين ببحث الأوضاع في دول منها سوريا وكوريا الشمالية وميانمار وجنوب السودان، ليست ملزمة قانونا، لكنها تحمل سلطة أخلاقية، ومن ثم يشكل انسحاب واشنطن منه خطوة مربكة ومثيرة في آن لجهة التداعيات السلبية التي ستترتب على ذلك الانسحاب في أكثر من اتجاه وعلى أكثر من صعيد.
ففيما يتصل بتأثير الانسحاب الأمريكي من المجلس على أوضاع حقوق الإنسان حول العالم ودور المجلس بهذا الخصوص في قادم الأيام، يبدو جليا أن الخطوة الأمريكية ستخلف آثارا سلبية للغاية في هذا المسعى، نظرا لما تتمتع به الولايات المتحدة من ثقل دولي وقدرة على تفعيل دور المجلس أثناء عضويتها فيه، ورغم تأكيد نيكي هيلي أن الانسحاب الأمريكي من المجلس ليس «تراجعا عن التزامات واشنطن بشأن حقوق الإنسان»، لم تدخر الجماعات الحقوقية وسعا في توجيه الانتقادات لإدارة ترامب جراء هذه الخطوة التي تؤكد عدم جعل واشنطن حقوق الإنسان أولوية في سياستها الخارجية، كما حذرت 12 جماعة حقوقية وإغاثية، منها هيومن رايتس فيرست، وأنقذوا الأطفال، وكير، وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو من أن انسحاب واشنطن «سيجعل من الصعب تعزيز أولويات حقوق الإنسان ومساعدة ضحايا الانتهاكات حول العالم». ويقول منتقدون: إن هذا يبعث برسالة مفادها أن الإدارة الأمريكية تغض الطرف عن انتهاكات حقوق الإنسان في بعض بقاع العالم..
ويرى الأمير زيد بن رعد بعد أن أعلنت هيلي انسحاب الولايات المتحدة من المجلس أنه «في عالم اليوم كان على الولايات المتحدة أن تعزز مشاركتها لا أن تنسحب»، كما أبدى الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو جوتيريش أسفه لانسحاب الولايات المتحدة من مجلس حقوق الإنسان في ظل الأوضاع الصعبة التي تواجهها تلك الحقوق حول العالم هذه الأيام، معتبرا أنه كان من الأفضل بكثير لو بقيت واشنطن عضوا في هذه الهيئة الأممية. وقال جوتيريش في بيان: إن «بنية مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة تلعب دورا مهما للغاية في تعزيز حقوق الإنسان وحمايتها في جميع أنحاء العالم».
ومن جانبهم، يقول دبلوماسيون: إن الانسحاب الأمريكي قد يقوي شوكة دول مثل كوبا وروسيا وغيرها التي تقاوم ما تراه تدخل الأمم المتحدة في قضايا سيادية، في حين اعتبر وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون: «أن الانسحاب الأمريكي مؤسف وأن المجلس يظل أفضل أداة لدى المجتمع الدولي للتصدي للإفلات من العقاب».