تطور مستمر في العلاقات الاستراتيجية بين السلطنة والصين.. وعُــمان أحد أهم محطات «طريق الحرير»

غدا انطلاق منتدى التعاون العربي الصيني –
مدينة الدقم الصناعية ركيزة للتعاون الاقتصادي.. والصين تدرجها ضمن قائمة 20 منطقة نموذجية عالميا –
تقرير : أمل رجب –

تنطلق غدا أعمال منتدى التعاون العربي الصيني، ويعد المنتدى تواصلا لمسيرة طويلة من تطور العلاقات السياسية والاقتصادية والتجارية بين الجانبين وهو ما انعكس في زيادة مستوى التعاون المشترك وعمق التعاون الاستراتيجي الصيني العربي، وحاليا فإن الصين هي ثاني أكبر شريك تجاري للعالم العربي، وأكبر شريك تجاري لتسع دول عربية، وتعتبر الدول العربية سابع أكبر شريك تجاري للصين، وفي السنوات الأخيرة، اكتسب التعاون الصيني العربي زخما متزايدا للتطور في مجالات جديدة تشمل المالية والفضاء والطاقات الجديدة خاصة في ظل تنفيذ مبادرة التنمية الاقتصادية الأضخم من نوعها “طريق الحرير”, كما شهد التواصل الإنساني والثقافي الصيني العربي تنوعا وتعددا وتم فتح التخصصات المتعلقة باللغة العربية في أكثر من 20 جامعة صينية، ويدرس في الصين أكثر من 10 آلاف طالب عربي سنويا وأصبحت 8 دول عربية مقاصد سياحية للمواطنين الصينيين.
وتعتبر الصين السلطنة شريكا مهما في بناء “الحزام الاقتصادي لطريق الحرير” و”طريق الحرير البحري في القرن الـ21” كونها تقع في منطقة تلاقي لـ”الحزام” و”طريق”. ومنذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في مايو عام 1978، ظلت العلاقات الرسمية تتطور بصورة مطردة وقطعت علاقات الصداقة والتعاون بين البلدين شوطا كبيرا من التطور على مدى أكثر من ثلاثة عقود، ففضلا عن الصداقة الراسخة بين الطرفين تتمتع عمان بموقع إستراتيجي مهم تتقاطع فيه الأسواق الآسيوية والإفريقية، وتوجت العلاقات بين السلطنة والصين بإعلان الشراكة الاستراتيجية بين البلدين في مايو الماضي.
ومنذ عام 2014، تتسع مجالات التعاون بين السلطنة والصين في شتى المجالات، ومن جانب السلطنة فهي تمر حاليا بمرحلة تطور اقتصادي ملموس واهتمام غير مسبوق بالتنويع الاقتصادي كما تتمتع بالاستقرار السياسي وبموقع جغرافي متميز ونجاح في إنشاء عديد من المناطق الحرة في مختلف أنحاء السلطنة وتحسين بيئة الاستثمار وهو ما يفتح الباب واسعا أمام جذب الاستثمارات الجديدة، وفي الوقت نفسه تسعى الصين الى مزيد من الانفتاح على الخارج ويعد تطوير المناطق الصناعية خبرة صينية ناجحة ومهمة لتحقيق النمو الاقتصادي السريع منذ انتهاج سياسية الإصلاح الاقتصادي والانفتاح على الخارج، ومنذ عام 2006 ركزت الصين على تشجيع بناء مناطق التعاون الاقتصادي والتجاري في الخارج، الأمر الذي حقق منجزات كبيرة حيث أدى ذلك لتعزيز التعاون مع الدول الأخرى في المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية وغيرها، وحظي بترحيب من حكومات وشعوب الدول المختلفة.
وتعتبر نينغشيا ذات الحكم الذاتي منطقة مهمة للتجارة الخارجية على طريق الحرير القديم، كما أنها أكبر منطقة لأبناء قومية هوي في الصين، وترتبط بالدول العربية وبينهما حجم كبير من التبادلات التجارية، وبفضل موقعها على طريق الحرير تعد نينغشيا نقطة انطلاق ممتازة للتعاون الصيني- العربي في البناء المشترك للحزام والطريق، وتعمل على بناء منطقة رائدة للتعاون الصيني- العربي ومنطقة نموذجية لانفتاح المناطق الداخلية في الصين على الخارج ونقطة ارتكاز إستراتيجية للحزام الاقتصادي لطريق الحرير.
وفي عام 2015، وفي مدينة ينتشوان، وقعت حكومة منطقة نينغشيا وهيئة المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم بسلطنة عمان، اتفاقية إطارية للتعاون والاستثمار، وكان لهذا التعاون العديد من الثمار من أهمها المدينة الصناعية الصينية- العمانية في الدقم، وتصل تكلفتها الاستثمارية الى نحو 10.7 مليار دولار، وأصبحت المدينة الصناعية نقطة انطلاقة جديدة للصداقة والتعاون بين البلدين، وأدرجت لجنة الصين للتنمية والإصلاح هذه المدينة الصناعية في قائمة العشرين منطقة نموذجية للتعاون الدولي في مجال القدرة الإنتاجية، واعتبرتها وزارة التجارة الصينية واحدة من 16 منطقة مهمة للتعاون الدولي في مجال القدرة الإنتاجية.
ومنذ وضع حجر الأساس، تتقدم الأعمال بالمدينة الصناعية العمانية الصينية بشكل كبير مع انطلاق الأعمال في 10 مشاريع بتكلفة نحو 3.2 مليار دولار، وهذه المشاريع تم اختيارها بعناية لتكون متنوعة في المكاسب الاقتصادية والقيمة الإضافية التي ستحققها للاقتصاد العماني بشكل عام والمنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم بشكل خاص، كما أنها تواكب خطة هيئة المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم في استقطاب الاستثمارات إلى المنطقة وتنشيط الحركة الاقتصادية فيها. وتمثل المشاريع العشرة التي تم توقيع اتفاقيات الشراكة بشأنها مع الشركات الصينية المرحلة الأولى من مشاريع المدينة الصناعية الصينية العمانية بالدقم، أما المشاريع الـ 25 المتبقية ضمن خطة الجانب الصيني لتنفيذ 35 مشروعا بالدقم فهي في مرحلة الدراسات النهائية أو في مرحلة التصميم وسيبدأ العمل فيها فور الانتهاء من هذه المرحلة، وتم تحديد عام 2022 لبدء العمل في جميع المشاريع حتى تكون جاهزة قبل مضي 10 سنوات، وتضم المرحلة الأولى من المدينة الصناعية الصينية العمانية بالدقم 10 مشروعات متنوعة هي سوق مواد البناء، ومشروع إنتاج الميثانول لاستخدامه في مشروع الأولفين، ومحطة لإنتاج الكهرباء، ومحطة أخرى لتحلية مياه البحر واستخراج البروم، ومصنع إنتاج ألواح ومعدات الطاقة الشمسية، ومصنع لإنتاج الأنابيب المستخدمة في حقول النفط والغاز، ومصنع آخر لإنتاج الأنابيب غير المعدنية المركبة المستخدمة في حقول النفط، ومصنع لإنتاج أنابيب الصلب والأسلاك والصلب المقوى من نوع (بي إي) وقطع الغيار، ومصنع لإنتاج سيارات الدفع الرباعي عالية التنقل، بالإضافة إلى فندق من فئة الخمس نجوم سيقام بالمنطقة السياحية بالدقم.
ومؤخرا وقعت شركة وان فانج العمانية التي تقوم بتطوير وتشغيل المدينة الصناعية الصينية ـ العمانية بالدقم اتفاقية شراكة بهدف إنشاء مشروع سوق مواد البناء المزمع إقامته في المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم، ويعد المشروع أحد مشاريع المدينة الصناعية الصينية ـ العمانية التي ستقام في منطقة الصناعات الخفيفة ويقع سوق مواد البناء على مساحة تقدر بـ 250 ألف متر مربع تم تخصيصها لأعمال البيع بالتجزئة والأنشطة التجارية والمستودعات والخدمات والإمدادات اللوجستية علاوة على مساحة من الأرض مخصصة للمنافع والبنى الأساسية، ومن المقرر الشروع في تنفيذ المرحلة الأولى من سوق مواد البناء قبل نهاية العام الجاري 2018. ويشتمل مشروع سوق مواد البناء على أعمال تطوير الأرض والمستودعات الأساسية والمساحات الخاصة بمرافق مبيعات التجزئة التي ستخصص لشركات مواد البناء الأخرى لعرض وتخزين منتجاتها، ومن المقرر أن يجري تطوير المشروع من قبل شركة مشتركة تحمل مسمى شركة الدقم لسوق مواد البناء حيث ستشارك شركة وان فانج العمانية بوصفها المستثمر الرئيسي في المشروع بحصة قدرها 51 بالمائة بينما ستستثمر كل من شركة الثبات وشركة تطوير بحصة قدرها 34 بالمائة و15 بالمائة من رأس المال على التوالي، ومن المؤمل أن يعمل هذا المشروع على استقطاب العديد من الشركات حول العالم للقدوم إلى الدقم وجعلها قاعدة لتسويق وبيع منتجاتها المتخصصة في مجال صناعة البناء والتشييد. وفي ضوء الموقع المتميز للمنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم فإنه من المتوقع أن توفر هذه المبادرة قدرات لوجستية عديدة لهذا القطاع وليس فقط للسلطنة ولكن أيضًا لدول أخرى في منطقة الشرق الأوسط وشرق إفريقيا حيث ستستفيد الشركات في هذه الدول من سوق مواد البناء. يذكر أن منتدى التعاون العربي الصيني تم تأسيسه في مقر جامعة الدول العربية بالقاهرة في يناير عام 2004 بالإعلان الصيني العربي المشترك وكان بمثابة ترجمة للتطور طويل المدى للعلاقات الصينية العربية، وللتطور المستقر للثقة السياسية المتبادلة والنضوج المتزايد للتعاون العملي بين الجانبين، كما يعتبر خطوة من قبل الجانبين لمواكبة تيارات العولمة واللحاق بمسيرة التعاون الإقليمي.
ويقوم المنتدى على الصداقة التاريخية ويتطور بقوة دافعة جاءت من التعاون المتبادل المنفعة ويهدف إلى التنمية المشتركة، ويعبر عن الإرادة الاستراتيجية والخيار المشترك للجانبين الصيني والعربي. وفي إطار المنتدى تم إقامة أكثر من عشر آليات تعاون تشمل الاجتماع الوزاري واجتماع كبار المسؤولين ومؤتمر رجال الأعمال الصينيين والعرب وندوة الاستثمارات وندوة العلاقات الصينية العربية والحوار بين الحضارتين الصينية والعربية ومؤتمر الصداقة ومؤتمر التعاون في مجال الطاقة وندوة التعاون في مجال الإعلام واجتماع كبار المسؤولين في مجال الصحة ومهرجانات الفنون المتبادلة، مما أثرى بشكل كبير مضامين التبادل الودي بين الصين والدول العربية وساهم في اكتشاف مزيد من أنماط التعاون الصيني العربي على أساس المنفعة المتبادلة، وبالتالي جعل المنتدى علامة مهمة ترشد العلاقات الصينية العربية، وأثبتت تطور منتدى التعاون الصيني العربي والعلاقات الصينية العربية في العشر سنوات الماضية مدى التزام الجانبين الدائم بالتعاون الاستراتيجي والعمل على دعم المصالح المشتركة والتنمية وتقاسم الفرص التي تدعم النمو وتتيح الاستفادة المتبادلة.