انتخابات الرئاسة في كولومبيا … المنافسة بين طرفي نقيض

من سينيكا تارفاينين –
بوجوتا -(د ب أ)- يختار الناخبون الكولومبيون الذين سيتوجهون إلى مراكز الاقتراع يوم الأحد المقبل بين مرشحين اثنين للرئاسة يقفان على طرفي النقيض في المشهد السياسي لكولومبيا، أحدهما المرشح اليميني إيفان دوكي والثاني المرشح اليساري وعضو المليشيات المسلحة سابقا جوستافو بترو، ويمكن أن ينسف قرار الناخبين الكولومبيين مستقبل اتفاق السلام الذي وقعه الرئيس المنتهية ولايته «خوان مانويل سانتوس» عام 2016 مع حركة القوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك)، وهي أقدم حركة تمرد مسلح في أمريكا اللاتينية، وهو الاتفاق الذي حقق السلام في مناطق واسعة بعد نحو 52 عاما من الصراع المسلح.
اختيار «بيترو» في جولة الإعادة من الانتخابات الرئاسية المقررة يوم الأحد المقبل تضمن المستقبل لعملية السلام في كولومبيا، في حين أن منافسه «دوكي» تعهد بتعديل اتفاق السلام، وأثار المخاوف من احتمال انضمام حوالي 7000 مقاتل من أعضاء حركة فارك التي تخلت عن سلاحها إلى مجموعات مسلحة أصغر حجما لتطلق موجة جديدة من أعمال العنف.
وقد خرج المرشحون المعتدلون «سيرجيو فاخاردو» و«هومبرتو دي لا كالي» و«جيرمان فارجاس ليراس» من الجولة الأولى في انتخابات الرئاسة التي أجريت يوم 27 مايو الماضي ليلتقي في السباق الرئاسي كل من «دوكي» و«بترو» في جولة إعادة صعبة تعكس حالة الاستقطاب السياسي في البلاد.
مع وصول «بترو» البالغ من العمر 58 عاما والعضو السابق في الحركة المسلحة المنحلة حاليا «إم 19» الذي شغل منصب عمدة العاصمة بوجوتا، سابقا إلى الجولة الأخيرة من انتخابات الرئاسة، يتعزز احتمال وصول أول سياسي يساري إلى رئاسة الدولة اللاتينية المحافظة تقليديا.
لكن استطلاعات الرأي العام تشير إلى تفوق واضح لمنافسه «دوكي» الذي حل في المركز الأول في الجولة الأولى من الانتخابات بنسبة 39% من الأصوات، في حين جاء «بترو» في المركز الثاني بنسبة 25% من الأصوات.
في الوقت نفسه فإن مرشح الوسط «فاخاردو» الذي خرج من الجولة الأولى والذي يفترض أن يعطي ناخبوه أصواتهم لبترو في جولة الإعادة، لم يعلن دعمه لمرشح اليسار.
في المقابل تركز الحملة الدعائية لمرشح اليمين «دوكي» على التحذير من أن فوز مرشح يساري برئاسة البلاد سيحول كولومبيا إلى فنزويلا أخرى، في إشارة إلى المشكلات السياسية والاقتصادية التي تعاني منها الجارة الأمريكية اللاتينية حاليا، تحت قيادة الرئيس اليساري «نيكولاس مادورو».
يقول «فينسنت توريخوس» أستاذ العلوم في جامعة «روزاريو» لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ): إنه من غير المحتمل أن يفوز «بترو» لأن أغلب الناخبين في كولومبيا «يرفضون بقوة كل شيء له علاقة بالحركات اليسارية المسلحة ومادورو».
يتعهد «بترو» بتبني سياسات لتقليص التفاوت في الثروة في الدولة مثل توفير ضمان الدولة لتوفير الرعاية الصحية والتعليم للمواطنين على أعلى مستوى، في حين تعتبر كولومبيا حاليا من أكثر دول العالم التي تشهد تفاوتا في الدخل بين مواطنيها.
كما تعهد بتسهيل حصول الفئات الأشد فقرا في البلاد على القروض المصرفية والسكن وتحويل التركيز الاقتصادي لكولومبيا من النفط إلى الزراعة.
تقول «سول» وهي عاملة منزلية «سأصوت لصالح بترو لأنني اعتقد أنه سيفعل الكثير لمساعدة الفقراء».
أما دوكي عضو مجلس الشيوخ البالغ من العمر 41 عاما، فيحظى بدعم الرئيس الكولومبي السابق اليميني المتشدد أفاردو أورويبي، وقد تعهد بتعزيز الأمن في كولومبيا وتقليص الفساد الضريبي.
في الوقت نفسه فإن الدستور الكولومبي يحظر على الرئيس الحالي سانتوس الحاصل على جائزة نوبل للسلام تقديرا لجهوده في تحقيق السلام مع فارك، خوض انتخابات الرئاسة للفوز بولاية ثالثة.
يذكر أن الصراع المسلح بين الحكومة وحركات التمرد المسلح الذي استمر أكثر من نصف قرن أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 220 ألف مواطن وتشريد 7 ملايين آخرين.
وأحد فصائل التمرد المسلح اليسارية، وهو جيش التحرير الوطني» الذي يضم حوالي 1500 مسلح ما زال ناشطا حتى الآن، تماما مثل حوالي 1200 منشق عن حركة «فارك» يرفضون الانضمام إلى عملية السلام وجماعات شبه عسكرية يمينية، وعصابات إجرامية مسلحة.
وبحسب مجلس اللاجئين النرويجي، فإن أكثر من 150 ألف كولومبي تم تشريدهم منذ توقيع اتفاق السلام في .2016
ويقول «دوكي»: إن نظام العدالة الانتقالية الذي تم اعتماده لمحاسبة عناصر حركة فارك والجيش الكولومبي بعد انتهاء الصراع المسلح لم يضمن توقيع العقاب المناسب على زعماء الجماعة المسلحة السابقين المتورطين في قتل وخطف المدنيين وتهريب الكوكايين.
يقول فرد الأمن في العاصمة بوجوتا «إدواردو»: إنه «يحب ما يقوله دوكي .. فأنا لدي أقارب قتلتهم فارك على الساحل الشمالي، ويجب على الحركة دفع ثمن أفعالها».
وقال «خوان مانويل شاري» خبير القانون الدستوري في كولومبيا لوكالة الأنباء الألمانية: إن دوكي سيعدل بشكل صحيح عمل نظام العدالة التقليدي، ويحرم حركة فارك التي تحولت إلى حزب سياسي من امتياز ضمان 10 مقاعد على الأقل في البرلمان وفقا لاتفاق السلام مع الحكومة.
قال دوكي بعد تصدره للجولة الأولى من الانتخابات: إنه «لا يريد تمزيق اتفاق السلام لكن كولومبيا السلام تحتاج إلى العدالة أيضا».وأضاف «شاري»: إنه من المحتمل أن يواصل دوكي محادثات السلام مع حركة جيش التحرير الوطنى وفق شروط أشد صرامة مثل وقف إطلاق النار من جانب واحد وتجميع المسلحين في جزء محدد من البلاد.ويسخر الكثيرون من منتقدي دوكي منه بإطلاق اسم «أوريبيتو» (أوريبي الصغير) عليه في إشارة إلى ارتباطه بالرئيس السابق «الفاردو أوريبي»، ويقولون: إن الرئيس السابق سيتحكم في كل خيوط السلطة إذا ما فاز تابعه بالانتخابات، وكان «أوريبي» الذي تولى رئاسة كولومبيا خلال الفترة من 2002 إلى 2010 قد قاد حملة عنيفة ضد اتفاق السلام مع حركة «فارك» قبل الاستفتاء الشعبي عليه في أكتوبر2016 ، وقد صوتت أغلبية ضئيلة للغاية من الكولومبيين ضد الاتفاق لكن الرئيس سانتوس أدخل عليه بعض التعديلات ومرره عبر البرلمان. وتقول مصادر في حزب «فارك»: إن دوكي سيفوز بالانتخابات حتى لو فاز بها بترو» في إشارة إلى مخاوفهم من حدوث عمليات تزوير لصالح المرشح اليميني.
وأضافت المصادر أن «الكثيرين من مقاتلي فارك السابقين يفكرون في الانضمام إلى المجموعات المسلحة الأخرى» إذا فاز دوكي، ويشير المحللون إلى أن أي رئيس سيفوز في الانتخابات سيعاني من محاولة تمرير أي إصلاحات يريدها عبر برلمان مفتت.وكان الرئيس «سانتوس» قد قال لوكالة الأنباء الألمانية قبل الجولة الأولى من الانتخابات: إن «الرئيس المقبل سيجد صعوبة بالغة في التراجع عن اتفاق السلام».