انطلاق معـركة الحــديدة بمشاركة مقاتلات وبوارج التحــالف

«اليونيسيف» تحذر من تداعيات الهجوم –
صنعاء- «عمان»- جمال مجاهد – أ ف ب –

انطلقت أمس «الأربعاء» معركة تحرير مدينة الحديدة ومينائها الاستراتيجي على البحر الأحمر، حيث تشهد المدينة اشتباكات عنيفة بين جماعة «أنصار الله» من جهة والقوات الموالية للشرعية من جهة ثانية بدعم من مقاتلات التحالف العربي وبوارجه البحرية بقيادة السعودية.
وقالت الحكومة اليمنية في بيان بثته وكالة الأنباء اليمنية «سبأ»: «إن تحرير ميناء الحديدة يشكل علامة فارقة في نضالنا لاستعادة اليمن من الميليشيات التي اختطفته لتنفيذ أجندات خارجية، إذ يشكل تحرير الميناء بداية السقوط للميليشيات وسيؤمن الملاحة البحرية في مضيق باب المندب وسيقطع أيادي الخارج التي طالما أغرقت اليمن بالأسلحة التي تسفك بها دماء اليمنيين الزكية».
وأكدت أنها «استنفدت كافة الوسائل السلمية والسياسية لإخراج الميليشيات من ميناء الحديدة، وطالبت أكثر من مرة المجتمع الدولي بالقيام بواجبه تجاه المأساة الإنسانية التي يعيشها الشعب اليمني خاصة أبناء الحديدة جراء ممارساتها التي حولت الميناء إلى ممر للخراب والدمار عبر تهريب الأسلحة لقتل أبناء شعبنا اليمني».
ولفت إلى «قرب تحرير محافظة الحديدة من قبضة الميليشيات الانقلابية، لتكون بداية النصر الكامل لتحرير كافة الأراضي اليمنية وصولا إلى العاصمة صنعاء لتعود إلى حضن الوطن بعد أن عاثت فيها الميليشيات الكهنوتية فسادا ودمارا».
ووعدت الحكومة الشرعية بأنها «ستقوم بدعم من التحالف العربي بعد التحرير الكامل لميناء الحديدة بواجبها الوطني تجاه أبناء الحديدة، وستعمل على التخفيف من معاناتهم والعمل على إعادة الحياة الطبيعية لكافة مديريات المحافظة بعد تطهيرها من الانقلابيين».
كما تعهدت «بالعمل بكامل قدراتها وطاقتها على عودة الحياة إلى الحديدة، بعد أن عملت الميليشيات على تدمير البنية التحتية والمرافق العامة عبر تحويلها إلى ثكنات عسكرية للقتل والدمار، إذ لم تسلم منها المدارس والمستشفيات والمرافق الحكومية التي عاثت فيها نهبا وخرابا».
وقال قائد ميداني في القوات الحكومية في تصريح لوكالة فرانس برس «حصلنا على الضوء الأخضر، ونتقدم نحو مطار مدينة الحديدة». وأكد قادة ميدانيون آخرون انطلاق العملية عند الساعة 13,15 بالتوقيت المحلي لليمن، (10,15 ت ج).
وقالوا لمراسل فرانس برس في الجاح على بعد نحو 30 كلم جنوب شرق مدينة الحديدة: إن القوات المدعومة من التحالف باتت على بعد أربعة كيلومترات فقط من مطار المدينة الواقع في جنوبها.
وشاهد المراسل عشرات الآليات العسكرية المحملة بالمقاتلين تتوجه شمالا نحو مدينة الحديدة الساحلية المطلة على البحر الأحمر.
وكان قائد ميداني في القوات الموالية للحكومة قال في وقت سابق: إن «القوات أصبحت جاهزة وتنتظر الضوء الأخضر للانطلاق نحو المدينة»، وشدد على أن «عملية الاقتحام لن تأتي إلا بتعليمات من قوات التحالف المتواجدة على الأرض».
وقالت مصادر في التحالف لفرانس برس: إن طائرات التحالف شنت 18 غارة في الساعات الماضية على مواقع تابعة لجماعة «أنصار الله» في محيط المدينة المطلة على البحر الأحمر تمهيدا للعملية البرية.

من جانبه أكد مصدر مسؤول بوزارة الخارجية «في حكومة الإنقاذ الوطني غير المعترف بها دوليا» أن التصعيد العسكري لدول التحالف في الساحل الغربي لليمن «يهدف إلى تمزيق وحدة وسيادة الأراضي اليمنية كما يحدث في المحافظات الأخرى».
وأشار المصدر في تصريح نقلته وكالة الأنباء اليمنية «التي يديرها أنصار الله» إلى أن هذا التصعيد «يقابل بصمود وبسالة من الجيش واللجان الشعبية في إطار الدفاع عن الأراضي اليمنية ومواجهة التحالف في جميع الجبهات».
ولفت المصدر إلى أن هذا التصعيد للتحالف لن يقتصر تأثيره على زيادة معاناة الشعب اليمني فقط، بل سيمتد أثره إلى تهديد أمن واستقرار المنطقة وخط الملاحة الدولية في منطقة جنوب البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
وبين أن ما تقوم به دول التحالف من تصعيد عسكري في هذا التوقيت الذي يجري فيه المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن جولة مشاورات جادة لاستئناف العملية السياسية باتجاه الحل السلمي، والعرض على مجلس الأمن في 18 يونيو الجاري، يوضح حقيقة معرقلي جهود السلام.
ودعا المصدر السعودية والإمارات لإدراك رسالة مجلس الأمن عقب جلسة المشاورات المغلقة في 11 يونيو التي ناقشت تطورات الأوضاع في الساحل الغربي، حيث جدد مجلس الأمن دعمه لمساعي الحل السياسي التي يقودها المبعوث الخاص إلى اليمن، حيث يرى أن فرص الحل السياسي ما تزال قائمة.
وعبر المصدر عن أمله في عدم انجرار مجلس الأمن وراء بعض الدعوات التي أعربت عن قلقها من التصعيد العسكري بالساحل الغربي إذ أثر ذلك فقط على دخول المساعدات الإنسانية التي لا تزال محدودة، لافتا إلى أن «ولاية مجلس الأمن وفقا لمقاصد ميثاق الأمم المتحدة هي حفظ السلم والأمن الدوليين اللذين ينتهكان من قبل التحالف».
ودعا المصدر المجتمع الدولي خاصة مجلس الأمن ومجموعة الـ19 الراعية لعملية التسوية السياسية باليمن، للاضطلاع بمسؤولياتهم في حفظ السلم والأمن الدوليين والضغط باتجاه وقف التصعيد في الساحل الغربي، وتهيئة الظروف لاستئناف مفاوضات السلام المتمثلة بإنهاء الحرب ورفع الحصار تمهيدا للدخول في عملية تسوية سياسية شاملة.
وأعلنت القوات البحرية «التابعة لجماعة أنصار الله» استهداف بارجة حربية تابعة لقوى التحالف أثناء محاولة تقدم لقطع بحرية قبالة سواحل الحديدة.
ونقل موقع «المسيرة نت» عن مصدر في القوات البحرية «استهداف بارجة معادية قبالة سواحل الحديدة بصاروخين بحريين، حيث شوهدت أعمدة الدخان تتصاعد منها بعد إصابتها بشكل مباشر، الأمر الذي دفع بقية البوارج المشاركة في الهجوم إلى التراجع والابتعاد عن مصادر نيران القوة البحرية».
وذكر المصدر أن الضربة «حققت إصابة مباشرة في البارجة المعادية، وأن هناك محاولات مستمرة لإنقاذ من على متنها»، مشيرا إلى «توجه زوارق حربية لسحب القتلى والجرحى من على متن البارجة المستهدفة تحت غطاء جوي وتحليق مكثف لطيران الأباتشي».
وأوضح المصدر أن البارجة المستهدفة كانت تحمل قوات وعتادا حربيا تم إعدادها لتنفيذ إنزال بحري في سواحل الحديدة في إطار تصعيد قوى التحالف الهادف إلى التقدم باتجاه الحديدة.
وذكرت مصادر طبية في محافظة الحديدة لمراسل فرانس برس أن 22 من المسلحين قتلوا في الـ24 ساعة الماضية في غارات شنها التحالف، بينما قتل ثلاثة من القوات الموالية للحكومة في هجوم شنه «أنصار الله» على موقع قريب من الحدود الجنوبية لمدينة الحديدة.

ويعتبر ميناء مدينة الحديدة التي يسكنها نحو 600 ألف شخص المدخل الرئيسي للمساعدات الموجهة إلى ملايين السكان في المناطق الواقعة تحت سلطة «أنصار الله». لكن التحالف يرى فيه منطلقا لعمليات عسكرية يشنها «أنصار الله» على سفن في البحر الأحمر.
وانتهت مساء أمس الأول مهلة منحتها الإمارات الشريك الرئيسي في التحالف، وهي التي تقود القوات الموالية للحكومة في معاركها في محافظة الحديدة، إلى الأمم المتحدة من أجل التوصل لاتفاق لإخراج «أنصار الله» من مدينة الحديدة؛ لتجنب وقوع معركة فيها.
ولم تحقق القوات الموالية للحكومة إنجازا عسكريا كبيرا منذ استعادة السيطرة على خمس محافظات في العام 2015. وتبعد الحديدة نحو 230 كلم عن العاصمة صنعاء.
وكانت الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا نعت مساء أمس الأول المفاوضات السياسية لإخراج «أنصار الله» من ميناء الحديدة لتجنيبها معركة دامية.
وقالت في بيان: إنها ماضية «نحو إعادة الشرعية إلى كامل التراب الوطني، بعد أن استنفدت كافة الوسائل السلمية والسياسية لإخراج الميليشيات الحوثية من ميناء الحديدة».
واعتبرت أن «تحرير الميناء يمثل بداية السقوط للحوثيين»، من دون أن تعلن رسميا انطلاق العملية نحو مدينة الحديدة مركز المحافظة التي تحمل الاسم ذاته. وكتب من جهته السفير السعودي في اليمن محمد آل جابر في حسابه بتويتر «الحديدة تتحرر، اليمن يتنفس».
وفي واشنطن اعتبر الأمير خالد بن سلمان السفير السعودي في الولايات المتحدة أن «السبيل الأمثل لمعالجة مسألة الحديدة والأوضاع الإنسانية فيها وفي اليمن بشكل عام هو الانسحاب من الحديدة، وتسليمها للحكومة الشرعية اليمنية».
ودعا الحوثيون الذين يتهمهم التحالف بتلقي الدعم من إيران، المجتمع الدولي إلى «الضغط باتجاه وقف التصعيد في الساحل الغربي وتهيئة الظروف لاستئناف مفاوضات السلام».
في المقابل اعتبر وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش في حسابه بتويتر أن «احتلال الحوثيين لميناء الحديدة يطيل الحرب اليمنية»، مضيفا أن «تحرير المدينة والميناء سيخلق واقعا جديدا ويعيد الحوثيين إلى المفاوضات».
وعشية انطلاق العملية نحو مدينة الحديدة، التقى الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة الإماراتية الرئيس اليمني المعترف به عبد ربه منصور هادي في العاصمة الإماراتية.
وجرى كذلك اتصال هاتفي بين الشيخ محمد والرئيس الفرنسي فرنسوا ماكرون. وقالت باريس أن ماكرون دعا خلال الاتصال «الأطراف المعنيين» في النزاع اليمني إلى «ضبط النفس» و«حماية السكان المدنيين».
وفي هذا السياق دعت 15 منظمة غير حكومية دولية الرئيس الفرنسي إلى الضغط على السعودية والإمارات لتجنب الهجوم على الحديدة، معتبرة أنه «لا يمكن تصور الإبقاء» على مؤتمر باريس الإنساني حول اليمن والمقرر إقامته في نهاية يونيو الحالي في ظل الهجوم.
وكانت الأمم المتحدة سحبت في وقت مبكر الاثنين كل موظفيها الدوليين من مدينة الحديدة، محذرة من تعريض حياة ملايين السكان للخطر في حال جرت معركة في المدينة بسبب احتمال توقف تدفق المساعدات.
بدورها أعربت المديرة التنفيذية لمنظمة «اليونيسيف» هنريينا ه. فور، في بيان أمس عن بالغ قلقها إزاء الأثر الذي سيخلفه الهجوم على مدينة الحديدة الساحلية وما وراءها على الأطفال. وتشير تقديرات «اليونيسيف» إلى أن ما لا يقل عن 300 ألف طفل يعيشون حاليا في مدينة الحديدة والمنطقة المحيطة بها وهم فتيان وفتيات ما انفكوا يعانون منذ فترة طويلة. كما يعتمد ملايين الأطفال اليمنيين الآخرين من أجل بقائهم أحياء على السلع الإنسانية والتجارية التي تمر عبر ميناء الحديدة كل يوم.
وقالت فور: «إذا انقطعت الواردات الغذائية، فإن واحدة من أسوأ أزمات سوء التغذية في العالم ستزداد سوءا. وإذا انقطعت واردات الوقود الضروري لتشغيل مضخات المياه، وسيتقلص وصول الناس إلى مياه الشرب أكثر فأكثر، مما سيؤدي إلى المزيد من حالات الإسهال المائي الحاد والكوليرا، وكلاهما قد يكون مميتا للأطفال الصغار».
وأضافت: «هناك 11 مليون طفل بحاجة إلى مساعدات إنسانية في هذا البلد الذي مزقته الحرب. وإن خنق شريان الحياة هذا فسيكون له عواقب مدمرة على كل من هؤلاء الأطفال». وأكدت المسؤولة الدولية أنه «منذ يومين فقط، قامت فرق اليونيسيف بإيصال المضادات الحيوية، والمحاقن، والسوائل الوريدية، والأغذية العلاجية الجاهزة للاستعمال، ومستلزمات النظافة الصحية إلى شركائنا المحليين في الحديدة. ولكن هذا المخزون لن يدوم إلا لفترة محدودة، وفي حال تدهور الوضع الأمني​، ستتعرض قدرتنا على الاستجابة لخطر شديد».
وحثت جميع أطراف النزاع وكل من له نفوذ عليهم على وضع حماية الأطفال فوق كل الاعتبارات الأخرى، وعلى بذل كل الجهود للحفاظ على سلامة الأطفال وتزويدهم بالخدمات الصحية، والحماية، والمياه، والصرف الصحي، والتغذية والتعليم التي هم في أمس الحاجة إليها».
وشددت على ضرورة أن يستمر توزيع المعونة دون عوائق، وأن يسمح للمدنيين الراغبين في الانتقال إلى المناطق الآمنة بالقيام بذلك.
ورحبت فور بالجهود الدبلوماسية الحالية لتجنب هجوم شامل على الحديدة. يجب أن يعطى السلامُ فرصة؛ فأطفال اليمن يستحقون ذلك».
وأدى النزاع منذ التدخل السعودي في اليمن إلى مقتل نحو عشرة آلاف شخص وإصابة نحو 53 ألفا بجروح في ظل أزمة إنسانية تعتبرها الأمم المتحدة الأسوأ في العالم حاليا.