مـاذا بعد فشـل قـمـة مجمـوعـة السبع الصنـاعية الكـبرى ؟

عبد العزيز محمود –

باختتام قمة مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى أعمالها في مدينة (مالبي) بإقليم كيبيك بكندا يوم ٩ يونيو الجاري وسط خلافات حادة وعميقة بين الولايات المتحدة وباقي دول المجموعة، بدا واضحا فشل القمة. وهو فشل اتهمت واشنطن جاستن ترودو رئيس وزراء كندا بالمسؤولية عنه، باتباعه دبلوماسية سيئة النية، حسب وصفها، بينما اتهمت أوتاوا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالمسؤولية عنه- الفشل – بعد رفضه المصادقة على البيان الختامي للقمة.
وكان واضحا منذ البداية أن قمة مجموعة السبع الصناعية الكبرى الرابعة والأربعين، التي عقدت لمدة يومين لمناقشة قضايا التجارة والاستثمار العادل، والحمائية التجارية، والتغير المناخي، وتعزيز المساواة بين الجنسين والتعاون من أجل طاقة نظيفة، سوف تختتم أعمالها بطريقة درامية.
فقد اشتبك الرئيس ترامب، الذي وصل إلى القمة متأخرا وغادرها مبكرا، في خلافات تجارية حادة مع زعماء البلدان الصناعية الست الكبرى الأخرى (كندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان والمملكة المتحدة)، بحجة أن بلاده تتعرض لمعاملة تجارية غير عادلة، تتطلب من تلك الدول إنهاء كافة الرسوم الجمركية وأشكال الدعم على وارداتها من الولايات المتحدة. ولم يكن هذا هو مصدر الخلاف الوحيد، فقد طالب ترامب بعودة روسيا إلى مجموعة السبع الصناعية الكبرى بعد أن طردت منها في عام ٢٠١٤، عقب ضمها لشبه جزيرة القرم واحتلال شرق أوكرانيا، معتبرا هذه الخطوة ضرورية لإدارة العالم، وحتى تستعيد المجموعة فعاليتها على الصعيد الدولي.
وفيما يتعلق باتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية دعا الرئيس الأمريكي إلى إعادة التفاوض حولها لفرض قيود على واردات كندا والمكسيك، وإضافة بند إلى الاتفاقية يسمح لأي من أعضائها (الولايات المتحدة وكندا والمكسيك) بالانسحاب منها خلال خمس سنوات وهو ما اعترضت عليه كندا.
مطالب ترامب أثارت انقسامات عميقة داخل المجموعة التي تمتلك ٦٢٪ من صافي ثروة العالم و٤٦٪ من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، بعد أن وجد قادتها الآخرون أنفسهم أمام ما اعتبروه مطالب أمريكية غير مقبولة.
فالرئيس الأمريكي يطالبهم بإلغاء كل الأشكال الحمائية على التجارة مع الولايات المتحدة بينما فرض من جانبه رسوما جمركية على واردات الصلب والألمنيوم من الاتحاد الأوروبي وكندا والمكسيك، ولم يكن لهذا الإجراء أي مبرر، خاصة وأن قادة المجموعة الآخرين لا يمانعون في إنهاء كافة الأشكال الحمائية على التجارة بشرط أن تتعاون الولايات المتحدة معهم في معالجة القضايا التنظيمية والضريبية.
لكن ترامب اختزل القضية في فرض رسوم على واردات الصلب والألمنيوم من كندا وأوروبا والمكسيك مما يهدد بتدمير صناعة السيارات الكندية، وإلحاق أضرار بمثيلتها في اليابان وألمانيا وفرنسا وإيطاليا. ورغم كل المحاولات التي تمت داخل القمة لإقناعه بتجميد قراره، إلا أنه وعلى العكس هدد بتصعيد الحرب التجارية مع حلفائه لدرجة قطع التجارة تماما مع الدول التي لا توافق على خفض رسومها الجمركية التي يعتبرها غير عادلة.
وهكذا لم يعد أمام قادة المجموعة الآخرين إلا أن يحذوا حذو الصين، التي تعهدت بالرد بالمثل بعد أن فرض الرئيس الأمريكي رسوما جمركية قيمتها ١٥٠ مليار دولار على وارداتها، بسبب شكاوى من ممارسات تجارية وسرقة مزعومة للتكنولوجيا الأمريكية.
من جهة أخرى بدا واضحا إن تصميم ترامب على عودة روسيا إلى مجموعة السبع الصناعية الكبرى يثير قلق قادة المجموعة الآخرين، والذين يعتقدون أن إعادة التعاون مع روسيا يتطلب أولا أن تعدل مسارها، فالأسباب التي دعت إلى طردها من مجموعة السبع في عام ٢٠١٤ ما زالت قائمة، وهي ضم القرم واحتلال شرق أوكرانيا وضم منطقتين في جورجيا، كما أن الحرب الباردة بين روسيا والغرب، ما زالت مستمرة عبر الفضاء الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي، ومن خلال محاولات التدخل في الانتخابات وسرقة أسرار الشركات الكبرى.
لكن الرئيس الأمريكي مصمم على عودة روسيا إلى المجموعة لأسباب أخرى، فهو بحاجة إلى استئناف الحوار معها حول وقف سباق التسلح والاتفاق النووي مع إيران والوضع في سوريا وإيران والشرق الأوسط، وهو بحاجة إلى ما يقدمه لها لتشجيعها على العودة إلى مائدة المفاوضات.
كذلك أثارت دعوة ترامب لإعادة التفاوض حول اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (نافتا)، والتي وقعت في عام ١٩٩٤، قلق كندا فالتعديلات المطلوبة تعني إنهاء الاتفاقية وأيضا محاولة لإعادة صياغة العلاقات الأمريكية الكندية على أسس جديدة تحقق مصالح الولايات المتحدة وحدها، وتحطم آمال كندا في تجنب الرسوم الجمركية على الصلب والألمنيوم، وحماية اتفاقية نافتا.
ومع تحفظ قادة المجموعة الآخرين على مطالبه، لم يكن أمام الرئيس الأمريكي إلا أن يسحب مصادقة بلاده على البيان الختامي، قبيل مغادرته القمة، مهددا بشن حرب تجارية شاملة ضد أي دولة لا تلتزم بخفض رسومها الحمائية في التجارة مع الولايات المتحدة.
ولم يكن في البيان الختامي للقمة ما يستدعي هذا التصرف، فالبيان أكد حرص مجموعة السبع الصناعية الكبرى على الاستمرار في مكافحة الحمائية ودعم التبادل التجاري الحر، الذي يحقق مصالح الجميع وتحديث منظمة التجارة العالمية، وتخفيض الرسوم الجمركية والضريبية وكل أشكال الدعم. ورغم تشديد البيان على أن النظام الدولي يقوم على قواعد يجب احترامها، إلا أنه لم يتطرق بشكل صريح للقضايا المثيرة للجدل ومن بينها الاتفاق النووي مع إيران، تجنبا للصدام مع واشنطن.
وهكذا ومع سحب المصادقة الأمريكية على البيان الختامي، بدا أن الفجوة تتسع بين الولايات المتحدة وحلفائها، ولم يكن في هذا أي جديد، فسياسة (أمريكا أولا) التي ينتهجها ترامب منذ توليه للسلطة في يناير ٢٠١٧، تسببت في شل حركة حلف شمال الأطلسي، والتعاون عبر الأطلسي ، وأخيرا مجموعة السبع الصناعية. كما تسببت في انسحاب واشنطن من اتفاق باريس للمناخ ومن الاتفاق النووي مع إيران والتهديد بالانسحاب من اتفاق نافتا، واتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ.
كما تبين أن الخلاف بين الجانبين لا ينحصر فقط حول الحمائية التجارية، بل يشمل قضايا عديدة من بينها العلاقة مع روسيا، والاتفاق النووي مع إيران، وحلف الأطلسي، والاتحاد الأوروبي والهجرة، وسوريا وليبيا والشرق الأوسط.
وهي خلافات كان يمكن معالجتها بالحوار والحلول الوسط، لكن تمسك الرئيس الأمريكي بمواقفه، في محاولة من جانبه لتقسيم مجموعة السبع الصناعية، دفع قادة المجموعة الآخرين وعلى العكس مما كان متوقعا إلى للتعاون فيما بينهم والتنسيق مع الاتحاد الأوروبي.
وهكذا اختتمت قمة مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى أعمالها في كندا، على نحو وضع الولايات المتحدة في جانب، وكندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان والمملكة المتحدة في جانب آخر، وسط مخاوف من أن يتسبب التصعيد المتبادل في حرب تجارية شاملة، لن يتضرر منها الجانبان فقط، وإنما ستؤثر على حركة التجارة حول العالم، وقد تهدد وجود مجموعة السبع الصناعية ذاتها، التي تشكلت في عام 1975، لتصبح مجموعة الست، في حال خروج الولايات المتحدة منها.