نقائص إنسانية عالجها الإسلام: الإسلام نهى عن الغضب وحبب في الرضا

القاهرة: محمد إسماعيل –

منذ أن خلق المولى – عز وجل – الأرض ومن عليها ظهرت معه مجموعة من النقائص الإنسانية التي مثلت بمرور الوقت مجموعة من الآفات القلبية والسلوكية التي تهدد المجتمعات المختلفة، ورغم أن كل الأديان السماوية وحتى الحضارات الإنسانية حاولت التعامل مع هذه النقائص وتهذيبها إلا أن معظمها ظل به تصور واضح هو في عدم طرحها للبدائل أو سبل العلاج إلا الإسلام، فقد جاء فياضا بالخير صداعا بالحق طافحا بالخلق الكريم، وقد أتى مناسبا لكل الأمم، مجتازا حدود الزمان والمكان، ليكون حلا لكل الأمراض القلبية والسلوكية.
فهو قبل أن يحرم أو ينهى عن شيء وضع البديل له وبين للمسلمين كيفية علاجه، وإن الناظر في هذا الدين العظيم ليعرف حق المعرفة أنه وجد للبشرية جمعاء، ولا حياة كريمة لها بدونه.
وعلى مدى أيام شهر رمضان المبارك نرصد النقائص الإنسانية وطريقة عالجها في ضوء القرآن والسنة.
يؤكد الدكتور سعيد عبد العظيم في كتاب «خلق المسلم»، أن من النقائص الإنسانية المذمومة والمرفوضة في الإسلام الغضب، واشتداد السخط، وهو نقيض الرضا.
قال ابن عرفة: الغضب من المخلوقين شيء يداخل قلوبهم، ومنه محمود ومذموم، فالمذموم ما كان في غير الحق، والمحمود ما كان في جانب الدين والحق، وأما غضب الله تعالى فهو من صفات الأفعال لله عز وجل حقيقة على ما يليق بجلاله، و أما لازم الغصب فهو إنکاره على من عصاه، ومعاقبته ایاه.
وفي قوله تعالى: (وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا)، (سورة الأنبياء الآية:87)، قيل: مغاضبا لربه، وقيل: مغاضبا لقومه، وقال ابن سيده: والأول أصح، لأن العقوبة لم تحل به إلا لمغاضبته ربه، وقيل المعنى: ذهب مراغما لقومه، وقال القرطبي: المعنى مغاضبًا من أجل ربه، كما تقول: غضبت لك أي من أجلك، والمؤمن يغضب لله تعالى حتى إذا عصي، وروي عن الأخفش: أنه خرج مغاضبا للملك الذي كان على قومه، وحاصل ما قيل في معنى الغضب أنه فوران وغليان دم القلب بطلب الانتقام.
ولعظيم خطر نقيصة الغضب على الإنسان فقد ذمه أغلب علماء الأمة، فقال ابن عباس رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى: (ادفع بالتي هي أحسن)، (سورة فصلت الآية: ٢٤)، قال: «الصبر عند الغضب، والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا عصمهم الله وخضع لهم عدوهم). وعن ذي القرنين -رحمه الله- أنه لقى ملكا من الملائكة، فقال: علمني علما أزد به إيمانا ويقينا، قال: لا تغضب، فإن الشيطان أقدر ما يكون على ابن آدم حين يغضب، فردّ الغضب بالکظم، وسکنه بالتؤدة، وإياك والعجلة؛ فإنك إذا عجلت أخطأت حظك، وکن سهلا لینا للقریب والبعید، ولا تکن جبارا عنیدا.
وقال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: «وانظروا إلى حلم الرجل عند غضبه، وأمانته عند طمعه، وما علمك بحلمه إذا لم يغضب؟ وما علمك بأمانته إذا لم يطمع؟». وقال عروة بن الزبير رضي الله عنه: «مكتوباً في الحكم: يا داود إياك وشدة الغضب، فإن شدة الغضب مفسدة لفؤاد الحكيم). وقال بعض الحكماء: (كما أن الأجسام تعظم في العين يوم الضباب، كذلك يعظم الذنب عند الغضب)، وقال البعض: (من أطاع شهوته وغضبه قاداه إلى النار)، وقالوا: (إياك والغضب، فإنه يصيرك إلى ذلة الاعتذار، وقالوا: «اتقوا الغضب، فإنه يفسد الإيمان كما يفسد الصبر العسل»، وقال بعضهم: «ما أملك فلانا لنفسه !، قال: إذا لا تذله الشهوة، ولا يصرعه الهوى، ولا يغلبه الغضب». وقال الإمام الغزالی رحمه الله في كتاب «إحياء علوم الدين»: أن الناس یتفاوتون في قوة الغضب علی درجات ثلاث، وهي التفريط، والإفراط، والاعتدال، وأوضح أن: التفريط: يكون إما بفقد قوة الغضب بالكلية أو بضعفها، والإفراط: ويكون بغلبة هذه الصفة حتى تخرج عن سياسة العقل والدين والطاقة، والاعتدال: وهو المحمود، وذلك بأن ينتظر إشارة العقل والدین، فینبعث حیث تجب الحمية.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كتم غيظا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق حتى يخيره من الحور العين، يزوجه منها ما شاء»..أخرجه أبو داود في السنن.
ويتضمن هذا الحديث دعوة إلى عدم الغضب وكظم الغيظ، والتخفيف من غلواء إحدى هاتين القوتين إذا ثارت وتجاوزت حد الاعتدال دون سبب أو مبرر معقول.
وهى أيضا دعوة للتخفف من حدة الغضب إذا ثار انتقاما للنفس، أو دفاعا عن حظ من حظوظها.
والغضب يُغضب الرحمن ويُرضي الشيطان، ويؤول إلى التقاطع وإفساد ذات البين، ويتولد منه الحقد والحسد، وكثيرا ما يعقبه الاعتذار والندم، وقد يكون بعد فوات الأوان، ويحول دون الاستفادة من الموعظة والعبرة، وقد يؤذي البدن ويتسبب في نفرة الخلق، وکم من جریمة ارتكبت، وعقوق حدث، وطلاق تم بسبب الغضب، بل صار الغضب مدعاة لإسقاط حكم الطلاق عند البعض ولو درى لعلم أن الطلاق الذي لا يحتسب عند الغضب، هو ما كان في إغلاق، بحيث يستغلق على العبد عقله ومقصوده، وقد لا يدري السماء من الأرض، ويصير أشبه بالمجنون، ولو قيل له طلقت، ربما قال: والله ما طلقت، فلنتق الله حتى لا تخرب بيوتنا بأيدينا، فالمعاشرة مع الزوجات، والاحتكاك بعموم الخلق لا تخلو من منغصات ومكدرات، وعلی العبد أن ينظر في عواقب أمره، ويعالج مشاكله بعيدا عن تهديم الأسر، وإضاعة النفوس في العاجل والأجل بسبب الغضب.
ونقيصة ثوران وفوران الغضب تعالج بأمور كثيرة منها: الإكثار من ذكر الله، والاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، والنظر في عواقب الغضب ومضاره، وأن يتفكر في النصوص والآثار الواردة في فضل كظم الغيظ والعفو والحلم والاحتمال وحسن الصفح، وثواب ذلك، وأن يخوف الإنسان نفسه بعقاب الله تعالى، وأن يتحول عن الحال التي كان عليها، فإذا كان جالسا اضطجع، وعليه أن يتوضأ أو يستنشق بالماء، وأن يتفكر العبد في قبح صورته عند الغضب، ونفرة الخلق منه وابتعادهم عنه حتي يكف عن متابعة الغضب، ويذكر نفسه دوما بقول النبي صلى الله عليه وسلم للرجل: «لا تغضب»، فإذا سلم وبرأ ونجا فليحمد الله.
والمؤمن الحق هو الذي يغلب نفسه أي يقهرها ويكسر شهوتها عند الانتقام وتنفيذ الغضب ولذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يشجع الانتصار على النفس والتغلب عليها فيقول عن ابن عباس رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ثلاث من كن فيه آواه الله في كنفه وستر عليه برحمته وأدخله في محبته: من أعطى شكر وإذا قدر غفر وإذا غضب فتر) رواه الحاكم.