كتب عمانية في المكتبة المصرية: الولاية: القيام بنصرة المسلمين والمحبة لهم والود في مغيبهم

«لباب الآثار الوارد على الأولين والمتأخرين الأخيار»

سنعرض في هذه الحلقة الأخيرة من كتاب «لباب الآثار الوارد على الأولين والمتأخرين الأخيار» لمؤلفه العالم السيد مهنا بن خلفان بن محمد بن عبدالله بن محمد البوسعيدي – ضمن تركيزه على قضية التوحيد التي أعطاها مساحة مهمة نظرا للالتباسات المتصلة بها والتي تستوجب توضيحها والكشف عن غموضها – مسألة مؤداها «وفي الجاهل بالعلم إذا علم أن الله ربه وخالقه ورازقه ومحييه ومميته، وباعثه ومحاسبه وراحمه ومعذبه، ولم يعرف حقيقة التوحيد لله عز وجل ولم ينف الأشباه عنه ولم يشبهه إلا أنه في اعتقاده وظنه في قلبه، أن الله يتكلم وأن كلامه القرآن وأمثاله من الوحي، وأن الله في السماء حال فيها ولم يتكلم بلسانه ولم يفت أحدا بذلك ولم يبلغه أحد فساد ذلك وكان هذا ظنه، ولو علم أن هذا لا يجوز لرجع عنه وتاب عند الموت مما خالف فيه الحق.
وفى الباب الثالث من الكتاب المعنون «في الولاية والبراء وفيما يجوز من الكلام للولي وغير الولي وما يجوز وأحكام ذلك»، يشير المؤلف إلى مسألة عن الشيخ صالح بن سعيد -رحمه الله- وفى حدث السن إذا كان من أهل حلة وعرف عنه الورع والتنزه، واجتناب المحرمات والقيام بالمفترضات والمحافظة على الصلوات وفى الجماعات، ولم أعلم أنه شرى بمقال ولا فعال، أيجب عليَّ ولايته من حين عرفت ذلك منه أم يسعني الوقوف حتى استبرئ أمره حالا فحال؟ وكيف يكون اعتقادي فيه في حال وقوعه عنه؟ فيعلق المؤلف: على ما سمعته من آثار المسلمين، إنه إذا ظهر من أحد عمل يوجب في ظاهر الأمر ولاية من فعله، فقول على من امتحن به ولايته حينما عرف منه ذلك، وقول إذا وقف لاستبراء أمره والاستكشاف عنه خوفا أن يقع في فتنة من قبل ولايته، ولم يضن عليه ذلك ما دام حيا، فإن مات على ذلك وجبت ولايته.
ووفقا للكتاب، فإن الولاية هي التولي للقيام بنصرة المسلمين والمحبة لهم والود في مغيبهم، ومعونتهم في البر والتقوى والاستغفار لهم وإعطائهم حقوقهم وتعظيمهم وتشريفهم، والبراءة هي التبرؤ من الفعل المكفر به ومفارقه أهله عليه وتخطئتهم والإنكار عليهم ارتكابهم الحرام والكراهية.
ويتناول الباب الرابع الذنوب والتوبة منها مستعرضا بعض المسائل التي سنشير إلى بعضها، ومنها من يرتكب شيئا من المعاصي بجهل منه أو بعلم بذلك، حتى يتوب منه بعينه وإن تاب أيكون سالما أم لا ؟ يقول المؤلف: ما سمعته من الأثر، أن من ارتكب مكفرة وكانت مما لا تقوم عليه الحجة إلا بالسماع وليس بحضرته من يعبر له علم ذلك، وكان دائنا بالسؤال عما يلزمه في دين خالقه إذا جهل أن يخص ذلك بعينه, ولم يحبسه السؤال إلا عدم القدرة فـ«لا يكلف الله نفسا إلا وسعها»، ولا أقول إن هذا هالك إذا اعتقد التوبة وتاب في الجملة من جميع ما خالف فيه الحق، وأما من كان بحضرة المعبرين ولم يسأل فلا تمسه الجهالة بالمكفرات في ركوبها، وإن مات على مكفرة وهو مقيم عليها مات هالكا»
ويتسم هذا الباب بالشمول مستفيضا في تبيان بعض المسائل، التي تورد الكثير من المعاصي والذنوب سواء المتصلة بأمور الدين أو أمور الدنيا والعلاقات الإنسانية، وصلة الرحم والجيران وزيارة المرضى وكل ما يتصل بواقع المسلمين، وهى ذنوب استفحلت في القرون الأخيرة لاسيما في تاريخنا المعاصر، وتحتاج إلى التركيز عليها لتوضيح مخاطرها على المسلمين أفرادا ومجتمعات، والأهم التأكيد على أن الله يفتح أبواب التوبة لمن أقبل عليه من خلال التراجع عن هذه السلوكيات التي تتعارض مع الفطرة الإسلامية، وهنا يشدد المؤلف على القول «من عصى الرحمن فارتكب الكبائر والعصيان، فعليه التوبة بالقلب واللسان عن المعصية بالإعلان».
ويشرح الباب الخامس النجاسات وأقسامها والطهارة وإحكامها، بينما يتناول الباب السادس يتناول الأمور الفقهية والمتصلة بالوضوء ومعانيه وغسل الجنابة والتيمم وأحكامه، في حين يركز الباب السابع على الصلاة وأوقاتها وحدودها ومعرفتها، والأذان والإقامة وما يتعلق بها وما ينقضها وما لا ينقضها في تفصيل مطلوب حتى يكون المسلم ملما بكل أبعادها، ويؤديها على النحو المطلوب الذي نص عليه الشرع بدلا ممن نراه في زماننا، حيث تؤدى الصلاة بطريقة متسرعة وتفتقر إلى كثير من ثوابتها، ويؤكد المؤلف أن من عرف سر الصلاة، علم أن الغفلة تضادها ولكن يجمعها ستة، وهي حضور القلب والفهم والتعظيم والهيبة والرجاء والحياء، ولا حيلة والعلاج لإحضار القلب إلا بصرف الهمة إلى الصلاة. وثمة ما يجدر الإشارة إليه في ختام عرض الجزء الأول من هذا الكتاب وهو أن العلماء المعاصرين لمؤلفه قد قابلوه بالتقدير والقبول وتناولته أقلام النساخ لتدوينه حيث تكاثر الطلب عليه؛ لأنه كتاب جامع في الأديان والأحكام مشحون بأقوال العلماء وآرائهم، وهو ما تجلى في مختلف أبواب هذا الجزء والتي شغلت المسائل التي أثارها المؤلف بال علماء وفقهاء عصره، بحسبانها تنطوي على أهمية قصوى فيما يتعلق بصياغة عقل المسلم الصحيح الملم بكل أبعاد العلوم.