الأسواق الخليجية على صعيد الدراما العربية ذاهبة إلى الاكتفاء المحلي

 

الأعمال الخليجية دخلت المنافسة لكنها مسجونة بالبكاء والحزن والكآبة –
قراءة ـ جهاد أيوب –
المفاجأة هذا العام جاءت من الدراما الخليجية التي كنا قد توقعنا تأثرها بالأزمة السياسية والاقتصادية، وتقوقعها في الإنتاج المتواضع، وما تعرضت له من شخصية تآمرت على الإنتاج والفنانين، ولكن النتيجة شكلت صورة مغايرة لتوقعاتنا، ونشاطها كان واضحا، الغالبية تعمل، زيادة عدد الأعمال المنافسة، العمل على تقديم أعمال كيفية خارج الكم، والاهتمام بالتقنيات الفنية دون استخفاف، وجذب الشباب إلى الدراما بثقة مما ولد كمية كبيرة من الوجوه الواعدة!
ولا تزال الدراما الخليجية مسجونة بالبكاء، والحزن، والكآبة، ولا تستعد للخروج من هذه العورات المشكلة، وإذا قرر أحدهم الابتعاد عن البكاء إلى الكوميديا يذهب إلى التهريج والمط والعجن، وثرثرات السخرية والتهريج لا يحسب من الفن، ولا ننسى أن مغامراتها في تقديم ما هو ناقد للمجتمع وللسلطة لا يزال خارج السرب والحقيقة إلا ما ندر!.
اكتفاء

وتكتفي الدراما الخليجية بإلقاء الضوء على المشاكل الأسرية من خلال حكاية تتعرض فيها إلى بعض نماذج الشباب، والأحداث داخل المنزل.
هذا لا يكفي كي تصبح الدراما صورة عن الواقع، وتقرأ ما سيسببه هذا الواقع، وتأخذنا إلى المستقبل، وإن لم نتطور ستذهب جهودنا إلى الفراغ!!. والعجيب أنها تنطلق في حلقاتها الأولى “من الحلقة الأولى إلى الرابعة أو الخامسة” بقوة ونمطية سريعة ليبدأ بعد ذلك الملل، والغباء في تصاعد أحداث الحكاية مع تداعيات درامية عبيطة وغير منطقية، ويتأكد لنا أن غالبية ما عرض يتطلب سهرة تلفزيونية أو أربع حلقات لتنتهي القصة بكامل فصولها، وكأن هذه الدراما لم تتعلم من تجاربها!

غياب التحفظ

ما يلفت في أعمال هذا العام أن المجتمع الخليجي المحافظ شبه غائب عما قدم، منازل كبيرة مفتوحة لا حرمة لديها على طريقة المسلسلات الهندية، ولا تعرف هذا ماذا يقرب هذا، ولماذا هذا دخل المنزل دون استئذان، وشخصيات في المنزل لا علاقة لها مع بعضها، ودخول وخروج دون حرمة… أبواب مفتوحة دون قيمة اجتماعية، وغياب كلي للعادات والتقاليد في العلاقة بين الأب والأم والأولاد، وهذا يعني تفكك الأسرة الخليجية لتنضم إلى واقع التفكك العربي!
وطريقة خروج وعودة الفتيات لا رادع لهن، ولا تقاليد ولا عادات يربطهن، وأسلوب مخاطبة الأبناء إلى الأب أو الأم هجينة، قاسية، لا احترام فيها، والأغرب أن هذا شاهدناه في كيفية تعامل الأطفال مع الوالدين، والمصيبة التواصل الاجتماعي الذي ظهر من خلال هذه الدراما غير موجود والكل يبحث عن مصالحه!
كما لا يزال أسلوب المد والتطويل والإيقاع البطيء هو الغالب في الدراما الخليجية، وقد تنبهت الدراما الخليجية إلى هذه العلة فقاموا بإغراق المسلسل بأحداث كثيرة منهم لا لزوم لها، ومنهم لشد عصب المتابع، والخليجي لا يفقه بإغناء الحكاية إلى أحداث كثيفة حتى الآن، ربما طبيعة حياتهم اليومية بطيئة، أو أنه وحفاظا على راحة مشاهديهم لا يكترثون للأحداث الفرعية داخل القصة مع إن الواقع الاقتصادي العربي شبه موحد، وتبعية الحالة الاجتماعية ومعاناتها مشتركة بعد الخريف العربي، والحرب على اليمن والحرب على سوريا!
ومع ذلك نستطيع القول إن الدراما الخليجية هذا العام تنافس بقوة، فالسوري من دون تقنية، ويعيش هجرة نجوم الصف الأول، والمصري دراما المناسبات وتحت الطلب مع جيل فني تائه، واللبناني من دون هوية… لذلك الخليجي في هذا الموسم قدم مجموعة أعمال ذات صورة ملفتة، وتقنيات فنية عالية، وألوان جاذبة، إضافة إلى تقديم مجموعة كبيرة من النجوم الشباب المتعلم، والذي يتعامل مع الدراما بموهبة، ربما يسقط البعض بحجة الشهرة، ولكن غالبية الشباب نجدهم يلتزمون إذا عملوا تحت نظر أصحاب الخبرة، والكبار في الفن الخليجي!. ونجوم الصف الأول في الخليج يعملون وبكثرة، ولا تزال نجومية البعض تشكل بطولة مطلقة، لذلك نجد بعض الأعمال مدروسة بعناية تفقه بمتطلبات السوق والأسرة، وحتى لا يقع النجم الخليجي بما وقعت به الدراما المصرية من عقدة النجم الواحد أصر أن يكون معه في العمل وجوه لامعة ووجوه شابة كما هو الحال مع الرائدة حياة الفهد والكبيرة سعاد عبدالله والكبيران سعد الفرج وناصر القصبي، وغانم سليطي!

إنتاج هذا العام

أنتج هذا العام 18 عملا دراميا منوعا ما بين التراجيديا والكوميديا والتراثي، والمنوعات الخفيفة التي اعتمدت على التقليد، وبعيدا عن أي عقدة علينا الاعتراف أننا أمام كم كبير من الأعمال الكيفية وبعضها كمية وهذا يعني أن السوق الخليجية ذاهبة إلى الاكتفاء، وبذلك تصبح الدراما العربية للزينة ومن أجل التشكيلة النخبوية في التلفزيونات الخليجية، وهذا العام تم تقليص الكثير من الأعمال المصرية رغم عدم وجود إشكاليات معها، ومحاربة السورية فمنع بعضها من العرض لأسباب سياسية عنصرية من بعض الفضائيات الخليجية!

مع حصة قلم

“مع حصة قلم”، تأليف علي الدوحان، إخراج مناف عبدال، ومن بطولة حياة الفهد، زهرة الخرجي، باسم عبد الأمير، يعقوب عبدالله، مشاري البلام، محمد جابر.
فكرة العمل ذكية وجديدة، ومغامرة في أن تقدم عليه فنانة رائدة بحجم حياة الفهد، ولكن الحوار مربك، والسيناريو كان ضعيفا كلما انتقل بعيدا عن مشاهد حياة، والمخرج تائه لا يعرف إذا كان العمل كوميديا أو تراجيديا أو اجتماعيا خفيفا، وترك الحرية للممثل في رسم طبيعة دوره ومشاهده، فتاه المخرج وتوهنا معه، وأفقد العمل ميزته!. وكان لمرض حياة الفهد، وسفرها للمعالجة الضرر الأكبر في عدم المتابعة من قبلها، وهذا لم يحدث من قبل في أعمالها، هي تبحث عن التفاصيل الكبيرة والصغيرة وتدعمها بخبرتها وحنكتها ورؤيتها، ومع ذلك استطاعت حياة أن تشدنا إلى المتابعة لخبرتها وحنكتها وثقتها بما تقدمه… حياة في كل مشهد تسحرنا خاصة في الحلقات العشر الأخيرة من العمل، ومشهد موت طفلة ابنتها على يدها، وخروجها هربا من المنزل إلى الشارع، وإصابتها بهستيريا كان من أهم المشاهد، أدته حياة بتعبيرات تراجيدية رائعة تصب في صالحها… كان المشهد وما رافقه ماستر العمل! ومع ذلك لا بد من القول إن المخرج أضعف العمل، ربما سرعة التنفيذ الزمني، والوقت والوضع الصحي لم يسعفا العمل فوقع أسيرا في قبضة المخرج الشاب، وهذا الشاب أضاع فرصة كانت أن تكون مغامرة جميلة له ولكن!. أفضل من أدى دوره وبوضوح كان الممثل الكوميدي مشاري البلام، شخصية واضحة، استلم الكاركتر منذ الحلقة الأولى ولم يفلت منه، وكدنا نصدق طبيعة الشخصية… وكذلك الممثلة زهرة الخرجي تعرف ما طبيعة شخصيتها، وكيفية التعامل مع الكاميرا بحرفة!.
حياة الفهد الوحيدة التي اشتغلت على الشخصية بدقة، والوحيدة التي استوعبت المغامرة ولكن الظروف حتمت عليها الابتعاد قليلا…حياة الفهد قيمة وجب المحافظة عليها، وكان على المخرج التنبه أكثر من أنه يتعامل مع فنانة بهذا القدر ويحافظ على مسؤولية العمل في حضورها ومشاهدها وبعد غيابها وتصوير مشاهد لا تكون فيه!.

عبرة شارع

“عبرة شارع”، تأليف حمد الرومي، وإخراج منير الزعبي، ومن بطولة سعاد عبدالله، داوود حسين، جمال الردهان، باسمة حمادة، أحلام حسن، هبة الدري، فاطمة الصفي.
عمل مباشر، القصة جميلة كان بالاستطاعة تدعيمها في سيناريو مختلف كليا، فهنا السيناريو حالة ثقافية تنظيرية لا تنسجم مع طبيعة الشخوص ونوعية الشكل العام للحدوثة!
وهذا أوجد حوارات مركبة، أحداث تقتحم الحكاية دون تبريرات، وافتعالات درامية غير مبررة!!… لفت انتباهي أداء داوود حسين الذكي، وأحلام حسن المميزة، وهبة الدري الجميلة في أداء أجمل.
تصوير أجواء الانتخابات البرلمانية في الكويت بعد ترشح (عبد المحسن) أو المميز داوود حسين أعطى زخما للعمل، وكانت المصداقية هي البطلة، وهنا أرادت الجهات المشرفة على العمل تقديم رسالة واضحة ومباشرة وفي محلها!

الجسـر

“الجسر”، تأليف عبد العزيز المسلم وأسمهان توفيق، إخراج حسين ابل والبيلي أحمد، بطولة عبد العزيز المسلم، إبراهيم الصلال، اسمهان توفيق، عبد الإمام عبدالله، باسمة حمادة، منى شداد، أحمد السلمان.
العمل لا يرتقي إلى المنافسة ولا نعرف السبب رغم وجود كم كبير من الفنانين المحترفين، والقصة الناعمة غير المعقدة، وأكثر من مخرج وربما الأخيرة أربكت الممثلين أكثر، بصراحة العمل يحتاج إلى رؤية إخراجية منسجمة مع القصة والحالة وطبيعة الممثلين الذين تم اختيارهم… الأداء جاء في كثير من المشاهد خارج العفوية كما لو كان تمثيلا والسلام.
عبد الإمام عبدالله يؤدي بطبيعة جميلة، وإبراهيم الصلال هذا هو، وكذلك منى شداد وعبد العزيز المسلم!

المغرب

“المعزب 2“ تأليف أحمد جوهر، إخراج البيلي أحمد، بطولة سعد الفرج، أحمد جوهر، ميس كمر، منى شداد، عبد العزيز الحداد.
عمل تراثي مشبع بالهمم والبيئة التي نفتقدها ونفقدها مع كل غروب شمس، النص محبوك ليناسب جميع من شارك، ولا يوجد فيه ما هو معيب ونستغرب أن الرقيب الكويتي في تلفزيون الدولة تعمد حذف بعض المشاهد مع ان العمل غاية في الأهمية… والقدير سعد الفرج لا يختار عشوائيا، وأحمد جوهر إن كتب يكتب بمسؤولية!. مع ذلك لا نستطيع أن ندخل العمل إلى المنافسة مع ما قدم، هو حالة فنية مستقلة عابه التطويل وبعض المشاهد المفبركة التي لا لزوم لها وربما شعرنا أنها تؤدى على عجل، والجميل أن سعد الفرج لا يزال يمتلك همة الشباب وأنشط.

الخطايا العشر

“الخطايا العشر”، تأليف حسين المهدي، إخراج علي العلي، عبد المحسن النمر، سمية الخنة، روان مهدي، هيفاء حسين، ريم أرحمة، محمد صفر، فاطمة الحوسني، عبداللة بوشهري، سعود بوشهري… لو أتيح لهذا العمل جلسات تقرأ طبيعة القصة بين المخرج والكاتب لكانت النتيجة مغايرة كلياً، ولكنا لم نقع بالغربة بين مشهد وآخر، ولم نشعر بفوارق الزمان والمكان والأحداث والتمثيل، وانسجمنا أكثر في سرد الحدوثة مع التاريخ لا أن نشعر بفوارق غبية تنقلنا من مرحلة إلى مرحلة دون عناء ودون تأثيرات زمنية وعمرية!. العمل اعتمد على قصة جميلة ومشغولة بدقة لكنها تاهت جراء إخراج مربك ويخافها، وأداء متصنع لبعض النجوم العاملين في تجسيدها، ونمطية مشهدية أضرت أكثر الحضور التمثيلي، وهذا لا يمنع أن بعض الوجوه قدمت دورها بتميز خاصة هيفاء حسين وعبد المحسن النمر ومحمد صفر.

الخافي أعظم

“الخافي أعظم”، تأليف عبدالله السعد ، المخرج أحمد يعقوب المقلة، والمخرج المنفذ أشرف شحاتة، بطولة هيا عبد السلام، علي كاكولي، هيا عبد السلام، ليلى عبدالله، عبد الإمام عبدالله، ابراهيم الحربي، ناصر الدوسري، عبدالله الباروني، مرام البلوشي، ومحمد العجيمي.
إقحام أحداث الماضي مع إنهاء أحداث واقعية هامة ورئيسية ويبنى عليها مع الحاضر بهذه الطريقة الهجينة لم يكن موفقاَ، وساعد في إصابتنا بالملل بطء الحوارات والأحداث والأداء التمثيلي، صحيح القصة ليست جديدة ومشغولة بعشرات الأفلام والقصص لكنها هنا كتبت بأسلوب ناعم وغير متعب في كيفية التواصل، المشكلة كانت في كيفية تحريك الممثلين من قبل المخرج بنمطية تشعرنا أننا أمام مجموعة طلاب ينشدون استظهارا عربيا، أي تسميع ما حفظ والسلام!
هذا العمل يحتاج إلى قراءة وطريقة تعامل مختلفة، لا ينقصه النجوم، ولا الفكرة بل ينقصه الإخراج الصح والتأدية العميقة لا الباردة في تمثيلها رغم حرارة الحالة!

المواجهة

“المواجهة”، تأليف محمد الكندري، إخراج حسين الحليبي، بطولة حسين المنصور، شجون، محمد العلوي، حمد اشكناني، فهد باسم، زينب غازي، غرور، شيماء قمبر، بيهانا، جونا، شهد سليمان، سعود بوشهري، شاهين الشاهين، أحمد مساعيد.
متعة في أداء بعض النجوم الشباب، ربما لواقعية الأحداث المعاصرة، وربما لسلاسة الحوار المكتوب بذكاء، وهذا لا يعني أن الكل كذلك، بل القليل منهم أدى تكملة عدد وهذا يتحمله المخرج الذي شغل حضوره بالاهتمام بالإضاءة والألوان تاركا بعض هفوات الكادر والأداء جانبا!.
حسين المنصور أدى دوره بهدوء وبذكاء، شجون متميزة تستحق التنويه تلون وتنتقل من حالة إلى حالة برشاقة، فنانة مجتهدة وحالة خاصة، وفهد باسم تجربة مهضومة ورشيقة وقريبة إلى القلب، يؤدي بإتقان، وباستطاعته أن يلعب كوميديا بذات المقدرة التي يتفوق فيها بالتراجيديا، فنان يبشر بالكثير إذا استغل موهبته بالطريقة الصحيحة، ودرس خطواته، ويبتعد عن كذبة الشهرة والإعلام!.