أحكام الأسرة: النظر إلى المخطوبة

د. صالح بن سعيد الحوسني –

سبق أن ذكرنا في حلقة سابقة أهمية أن يكون هناك تمهيد للزواج يسمى بالخطبة يعرض فيه الرجل عادة طلبه الزواج من ولي المرأة، وهذه الخطوبة فترة مهمة لكلا الطرفين، يقع فيها تبادل النظر من قبل طرفي العقد، والسؤال عن الطرف الآخر من حيث الأخلاق والقيم، والسجايا والصفات حتى يستقر الأمر في إمضاء الزواج أو الاعتذار للخاطب لأي سبب من الأسباب، حتى ينصرف كل طرف لحال سبيله، يبحث عن شريكه المناسب الذي يرتبط معه بالزواج.
ومن جملة مقتضيات وأهداف مرحلة الخطوبة كذلك أن يتمكن الرجل من النظر للمخطوبة، وهو أمر حث عليه الشارع الكريم، في حين أننا إذا تأملنا التشريعات الربانية بعلاقة الرجل بالمرأة نجدها تنهى الرجل أن ينظر للمرأة الأجنبية، وكذا الحال بالنسبة لنظر المرأة للرجل، ولكن الأمر هنا دعوة للنظر إلى المخطوبة وكذا أن تنظر المرأة للخاطب، وما ذلك إلا لأن الإسلام دين الفطرة الذي شرعه الله لعباده، فعندما يتعلق الأمر بربط مصير بمصير فإنه لا بد من الصراحة، والوضوح، ورفع الغرر والغش والتدليس، والمعرفة التامة لكل من الطرفين للآخر.
ولنا أن نتصور خطورة منع هذا الأمر عندما يكتشف الرجل أن من رضيها زوجة له دون ما ترغب بها نفسه من الجمال، أو أنها مما تنفر منها النفس؛ عندها إما أن يصبر على مضض فيعيش معها في تعاسة وشقاء، أو أن يطلقها وهو ما فيه من الضرر الكبير على المرأة والرجل.
والدليل على مشروعية النظر إلى المخطوبة ما جاء عن المغيرة بن شعبة أنه أراد أن يتزوج امرأة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «اذهب فانظر إليها فإنه أحرى أن يُؤدم بينكما»، أي أجدر وأدعى أن يحصل بينكما الوفاق والملاءمة مدة بقاء الزواج بينكما، وجاء في الحديث كذلك عن النبي الكريم أنه قال: «إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر منها ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل»، بل إن الأمر كان واضحا من النبي صلوات الله عليه في الحديث عن أبي هريرة قوله: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه رجل من الأنصار فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنظرت إليها؟ قال: لا، قال: فاذهب فانظر إليها؛ فإن في أعين الأنصار شيئا». ومن هنا فلا يجوز للولي أن يستنكف من تمكين الخاطب من النظر إلى موليته، فليس في ذلك أي غضاضة أو سوء للمرأة أو الرجل، وإنما هو تشريع شرعه الله تعالى، والمؤمن شأنه الانصياع لأمر الله تعالى كما قال تعالى: (وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا..)، على أن هذا النظر يمكن أن يكون كذلك باستخدام الوسائل الحديثة وهي الصور الضوئية، التي يُقتصر فيها على الحاجة فقط.
ومما لا غنى عنه في حال نظر الخاطب للمخطوبة وجود المحرم الذي يكون حاضرا أثناء هذا اللقاء، لأن لقاء الخاطب والمخطوبة لوحدهما أمر محرم، إذ هو خلوة محرمة لا تباح حتى في مثل هذا الحال، فكم أدى تساهل بعض الأولياء في ذلك إلى حدوث الكثير من المفاسد الخطيرة، وقد جاء في الحديث: «ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم»، وما كان هذا النهي إلا لأن الباعث الفطري للرجل تجاه المرأة باعث قوي، فعندما لا يُوجد المحرم حاضرا قد تهيج الغرائز وتثور الشهوة فتقع الكارثة الخطيرة بينهما والله المستعان.
ومما ينبغي التنبيه إليه أن يكون الرجل جادا في موضوع الزواج أثناء مشاهدته للمخطوبة، بحيث لا يكون متمتعا بالنظر إلى المرأة من دون قصد للارتباط بها، لأن الله لا تخفى عليه خافية، فهو يعلم ما يكون في القلوب والضمائر.
ومن المسائل المهمة كذلك في موضوع النظر للمخطوبة أن يكون النظر للوجه والكفين فقط، وما عدا ذلك فالأصل فيه المنع؛ لأن الله تعالى نهى عن إظهار الزينة، كما قال تعالى: (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها)، فما ظهر من الزينة هو الوجه والكفان، وما عداه يُعتبر عورة يجب ستره على الأجانب؛ ومن ضمنهم هذا الخاطب الذي يكون النظر مسموحا به في حاله للوجه والكفين، وما عداه يعود إلى أصله.
ومما قد يسأل عنه بعض الناس مدى جواز النظر إلى المخطوبة دون علمها، والصواب أنه لا حرج في ذلك؛ كما جاء عن أبي حميد مرفوعا: «إذا خطب أحدكم امرأة فلا جناح عليه أن ينظر إليها إذا كان إنما ينظر إليها لخطبته وإن كانت لا تعلم»، وهذه الأحكام إنما جعلت حفاظا على الستر والصيانة، وليكون بناء البيوت على الفضيلة والأدب القويم الذي تصلح به المجتمعات وتزدهر.