مقال: دروس وعبر

د.عبدالرحيم الدروشي –

تعد قضية التلاعب بنتائج المباريات من القضايا الشائكة التي طالت عدة رياضات في مراحل مختلفة من تطور الرياضة الحديثة، حيث عُدّت أكبر خطر يهدد الرياضة في القرن الحادي والعشرين؛ هذا الخطر صُنِّف من قبل الخبراء والمختصين في شؤون القطاع الرياضي بأن تداعياته على الرياضة أشد من قضايا أخرى كتناول المنشطات، حيث إن الخطر الثاني يخص الرياضي كفرد فقط، أما الخطر الأول فهو مؤثر على كل المسابقة وتأثيرها يشمل الجميع. في الأسابيع القليلة الماضية تم تداول قضية التلاعب في مباريات الجولات الأخيرة من الدوري العماني لكرة القدم من نواحٍ عدة، وأثيرت حولها مطالبات من الأندية والجماهير العمانية سواء ممن ينتمون للأندية المتضررة أو ممن يحرصون على نزاهة اللعبة؛ وذلك لفتح ملف حول مباريات الجولة الأخيرة بما احتوته من نتائج يراها البعض واقعية ويراها ثلة أخرى بالمفاجئة لاسيما أن بعضها أتت من فرق القمة. أطرح هنا بعض الأحداث التاريخية في التعامل مع التلاعب بنتائج مباريات كرة القدم- بالتحديد في الجولات الأخيرة من الدوري- والآلية التي انتهجتها الجهات المعنية في التعامل معها، وأختتم حديثي برسائل مهمة لما قد يترتب من هذه الممارسات على إدارات الأندية واللاعبين والاتحادات الوطنية. وأؤكد بأنني عطفا على ما يتم تداوله في الساحة الرياضية في السلطنة حاليا لا أدعي وجود تلاعب في الجولات الأخيرة من الدوري، ولا أخفي إمكانية حصوله، بيد أن هذه القضية يتم بحثها من قبل الاتحاد- الجهة المعنية- الآن من خلال اللجنة التي شكلتها الأمانة العامة للاتحاد، ومن غير الممكن لي البت في أي من فصولها دون الاستناد إلى أدلة مقبولة.
تعتبر حادثة التلاعب في مباراة بين مانشستر يونايتد وليفربول في عام 1915- التي قد تبدو غريبة للقارئ- إحدى أشهر هذه الحالات، وتعود الحادثة إلى مساهمة سبعة لاعبين من الفريقين أهمهم قائد ليفربول جاكي شيلدون (لاعب سابق لمانشستر يونايتد)، حيث تلاعبوا بنتيجة المباراة وثبت ذلك باجتماعهم عدة مرات قبيل المباراة في حانة في مدينة مانشستر. انتهت المباراة بفوز مانشستر يونايتد 2- 0 في ملعبه أولد ترافورد، وكانت النقطتان كفيلتان ببقاء مانشستر يوناتيد في دوري الدرجة الأولى، وهبوط نادي توتنهام هوتسبر إلى دوري الدرجة الثانية. الأمر لم يقف هنا فقط؛ حيث قام الاتحاد الإنجليزي بإجراء تحقيق حول الحادثة انتهى بإيقاف اللاعبين السبعة عن اللعب مدى الحياة.
ومن الحوادث الغريبة والمثيرة للضحك في عالم كرة قدم ما جرى في الدوري النيجيري لكرة القدم في عام 2013 حينما تلاعبت أربعة أندية في مباراتين متزامنتين في آخر جولة من الدوري، فاز في المباراة الأولى بلاتو يونايتد فيدرز على نادي أكوبا بنتيجة نظيفة 79-0، في المقابل لم يستطع نادي بوليس مشين تحقيق نفس الرقم ولم يسعفه وقت المباراة إلا بالفوز بنتيجة 67-0 على نادي أكابايو؛ الأمر الذي ترتب عليه صعود فريق فيدرز. ولكن الأمر لم يطل كثيرًا عندما قام الاتحاد النيجيري لكرة القدم بإيقاف الأندية الأربعة لعقد من الزمن.
ولما لأهمية توفر عاملي العدالة والنزاهة في أي رياضة، كان من المهم أيضا أن نطرح قضية شائكة حدثت مع نادي مرسيليا الفرنسي في عام 1993. ما يذكره التاريخ أن النادي الفرنسي توج بالنسخة الجديدة الأولى بدوري الأبطال في عام 1993 بفوزه على نادي ميلان الإيطالي. ولكن قبيل ذلك بأيام كان النادي على مقربة من التتويج بالدوري الفرنسي أيضا، حيث واجه نادي فالنسيان في الجولة الأخيرة من الدوري. القضية بدأت حينما طالب كابتن فريق مارسيليا آنذاك- جاكيه إيديل- من ثلاثة لاعبين من نادي فالنسيان بعدم اللعب بجدية، وتسهيل سير المباراة، واللعب بحرص حتى لا يتسببوا بإصابات للاعبي مارسيليا، وذلك لقاء مبالغ وعدهم بالحصول عليها بعد المباراة، وبذلك يتمكن مارسيليا من الفوز بأقل الأضرار لاسيما وأنهم يلعبون نهائي دوري الأبطال بعد أيام قليلة. لم يرضَ اللاعبون الثلاثة بالعرض المقدم من إيديل، وتسببت هذه الحادثة بإيقاف رئيس النادي لمدة سنتين وإيقاف كابتن الفريق لاحقا مدى الحياة، كما تم تجريد نادي مرسيليا من الدوري، وتقرر هبوطه إلى دوري الدرجة الثانية، ومنعه من اللعب والدفاع عن لقبه بدوري الأبطال في الموسم اللاحق.
المثال الأخير يدور حول واقعة أثيرت فيها شكوك بتتويج نادي فنربخشه بالدوري التركي الممتاز عام 2011، وذلك من خلال تلاعبات لها علاقة بشراء فنربخشه لعدد من الجولات الأخيرة من مباريات الدوري التركي الممتاز، الأمر الذي دعا الاتحاد التركي لكرة القدم إلى التحرك والتحقيق في الموضوع مباشرة حيث طالت القضية رئيس مجلس إدارة النادي ونائبه ومجموعة من أعضاء مجلس الإدارة، إضافة إلى ما يربو على 55 شخصا آخر اشتبه في تورطهم في كافة المباريات المذكورة. دعت القضية إلى تدخل من الاتحاد الأوروبي لكرة القدم لطلب تحقيقات حول عدة حوادث لها علاقة بنتائج النادي انتهت بإدانة فنربخشه، ورغم لجوء النادي إلى محكمة كاس إلا أن الحكم صدر باستبعاده لمدة موسمين عن اللعب في البطولات الأوروبية.
ما زاد الأمر سوءًا أن هذه الأحداث توافقت مع مجموعة من حالات تناول منشطات لعدد من الرياضيين الأتراك في ألعاب القوى، الأمر الذي لطخ سمعة الرياضة التركية في توقيت حرج للغاية وذلك قبيل إعلان اللجنة الأولمبية الدولية للمدينة المستضيفة للأولمبياد الصيفي 2020- فازت بها طوكيو بعد منافسة بينها وبين مدن إسطنبول ومدريد- والتي كما يراها البعض أثرت على الملف التركي لاستضافة الألعاب الأولمبية في إسطنبول.
التلاعب بنتائج المباريات قضية لها تاريخ طويل ولا يتسع المجال هنا لطرح أمثلة أكثر من التي اختيرت، والتصدي لها أمر مهم لقطع أي محاولات مستقبلية من قبل الأفراد والأندية للقيام بأي من أشكالها. من الممكن أن ننظر لهذه الأمثلة كدروس وعبر من خلال الآلية التي تعاملت بها الجهات المعنية للعبة حيال الضرر الناتج عن هذه الممارسة، وكيفية التصدي لها وأخذها محمل الجد. ففي المثال الأول- رغم أنه حدث منذ ما يزيد على قرن- كان لزامًا على الاتحاد الإنجليزي الوقوف في وجه اللاعبين المتعاطفين قبل أن تصبح الممارسة عادة مقبولة، وفي الحالة الثانية كان يجب على الاتحاد النيجيري اتخاذ إجراء واقعي على الأندية الأربعة، وكانت النتيجة مؤثرة جدا لشدتها، فإيقاف أندية لعشر سنوات ليس بالأمر الهيّن، وفي الحالة الثالثة رسالة هامة لكل مجلس إدارة في الأندية بأن القوانين واللوائح تنطبق على الجميع، فمهما تحصل النادي على ألقاب وحصل على مكانة مرموقة بين الأندية فإن إنجازه قابل للحساب والعقاب. أما الرسالة الأخيرة والمستخلصة من تجاوب الاتحاد التركي لتداعيات ملف نادي فنربخشه فهي للاتحادات التي لا تحرك ساكنا في مثل هذه القضايا، والتي ربما تطالها عقوبات من الاتحادات القارية تسبب في جرح سمعتها الطيبة، والمستوى المتقدم الذي بنته في سنوات قد يذهب في مهب الريح.