هوامش ومتون: «سقطرى» بعد خراب «مكونو»!

عبد الرزّاق الربيعي –

تألّمتُ عند سماعي إعلان اللجنة العليا للإغاثة التابعة للحكومة اليمنية «سقطرى» محافظة منكوبة نظرا لما تسبّب به إعصار «مكونو» من أضرار، وعادت بي الذاكرة إلى عام 2004 عندما تلقّيتُ دعوة لحضور الملتقى العربي الألماني للرواية، الذي أقامته وزارة الثقافة اليمنيّة ضمن فعاليّات صنعاء عاصمة للثقافة العربيّة، في تلك الزيارة جرى مركز غراس للعمارة الطينية في قصر السلام بحضرموت الذي حمل اسم الكاتب، والشاعر غونترغراس الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1999م اعتزازا بزيارته، واطلعنا خلالها على المعالم الأثرية، والعمرانية لمدينة شبام القديمة، والقصور الطينية في مدينة تريم ومعالمها الأثرية.
وفي المساء أبلغتنا اللجنة المنظمة أن نستعد صباح اليوم التالي للتوجّه إلى (سقطرى) الجزيرة النائية، المعزولة جغرافيا، الواقعة عند نقطة التقاء المحيط الهندي بالبحر العربي، وشرق أفريقيا، وأوّل ما تبادر إلى ذهني هو مشاهدة شجرة «دم الأخوين» التي اختصّت بها، فلا تنبت بأيّ مكان في العالم سوى في هذه الجزيرة التي تلقّب بالعذراء، لبكارة الطبيعة فيها، ولأن البحر يفصل بين حضرموت، وبينها كان من الطبيعي أن نصل إليها بواسطة طائرة حلّقت بنا عاليا، فوق المياه، وتحت قبّة السماء الزرقاء، مددت بصري، وسرحت بعيدا، حيث الجزيرة التي سمعتُ عنها كثيرا، جلست إلى جواري الشاعرة أمل الجبوري والمطربة اللبنانية جاهدة وهبة، التي دندنت بكلمات قصيدة غونترغراس (لا تلتفتوا إلى الوراء)، فلم نلتفت إلى حضرموت التي اختفت تماما، كان صوت (جاهدة) يختلط بصوت محرّك الطائرة، فيعلو عليه، مثلما تعلو الطائرة فوق الغيوم، ويخفّف من ضجيج المحرّك، وحين حطّت الطائرة في المطار، وجدنا مجموعة من وجهاء الجزيرة بانتظارنا، وعلى الفور نقلونا بسيارات ذات دفع رباعي، لتنطلق بنا في الجزيرة، في الطريق أخبرنا الدليل أن (سقطرى) واحدة من خمسة جزر تؤلف أرخبيلا حمل اسم الجزيرة، التي تعدّ من أكبر الجزر العربية إذ يبلغ طولها 125 كيلو مترا وعرضها 33 كيلو مترا.
وما أذكره من تلك الزيارة أن الطريق كانت وعرة، وضيّقة، ومما زاد من طول الرحلة أنّ السيارة التي يستقلها (غونترغراس) تتقدّمنا، وكان الموكب بين حين، وآخر يقف، ويترجّل (غونترغراس) ليلتقط العديد من الصور من كاميرا كانت تتدلى من رقبته، أو يفرش أوراقه التي تستند على لوحة خشبية ليرسم تخطيطات أوليّة لبعض المناظر التي نمرّ بها وسط طرق جبليّة وعرة، وكانت أحاديث جمال الغيطاني، وطرائف د. عبد الملك مرتاض اللذين كانا معي في السيارة التي أقلتنا تخفّف الكثير من تعب الرحلة، فيما كان (غونترغراس) يبدو في كامل حيويّته، وعندما شاهدنا عمّالا يُعبّدون الطرق فرحنا، لأنّ هذا من شأنه أن يخفّف من متاعب الطريق، لكنّ الأمر لم يكن كذلك بالنسبة لـ(غونترغراس) الذي طلب الرئيس الراحل علي عبدالله صالح عدم مواصلة تعبيد الطريق، «لكي لا تُمس بكارة الطبيعة بسوء!»، كما نُقل لي حرفيّا، وقد نجحت الحكومة اليمنية عام2008 بطلبها من منظمة (اليونيسكو) إدراج سقطرى في قائمة المحميّات الطبيعية العالمية، فالعلماء يؤكّدون أنّها «تحتوي 700 نوع من النباتات، والحيوانات، والطيور، منها 293 نوعا من النباتات المستوطنة، والنادرة على المستوى العالمي»، وهذا جعل الجزيرة متحفا للتاريخ الطبيعي، فجرى تصنيفها واحدة من الجزر العشر الغـنية في العالم، كما أشار المركز العالمي لمراقبة شؤون البيئة.
كان التجهّم يبدو على شجرة (دم الأخوين) التي تُحاك حولها حكاية قتل قابيل لأخيه هابيل قربها، فسال الدم، وظلّ يتساقط منها، كلّما تُجرح، سائل يشبه الدم، يُستخدم كنبات طبّي لعلاج عدد من الأمراض، وقربها طلبتُ من الشاعرة أمل الجبوري أن نلتقط صورة، فقالت لي مازحة: ماذا تقصد؟ وتبادلنا الضحكات، وبعد قليل وجدت (غونترغراس) يحوم حول الشجرة، اقتربتُ منه، وأخذت حديثا سريعا معه بمساعدة مترجم يمني، عبّر من خلاله عن السعادة التي تغمره، وهو يرى الطبيعة البكر، في أرقى تجلّياتها، والنباتات النادرة التي لا توجد في أيّ مكان آخر في العالم، مؤكّدا على وجوب المحافظة عليها، والاهتمام بها.
فهل عاثت يد الإعصار بها فسادا، وقضت على تلك النباتات التي لا تنبت في أي مكان آخر من العالم؟
هذا السؤال ربما سيشكّل هاجسا للكثير من علماء الطبيعة، لأنه يعني إتلاف كنز طبيعي!!