بدر الحارثي: قالب الحزن والألم في الأناشيد لن يستمر فالمجــــــتمع يتطـلع للتنويـع

الإنشاد بمفهومه الواسع يوجه رسائل عديدة لا تختص بالجانب الديني فقط –
اجرى الحوار: أحمد بن علي الذهلي –

بدر بن ناصر الحارثي أحد الوجوه العمانية الشابة في مجال الإنشاد بدأ مسيرته في هذا المجال منذ عام 1999 واستطاع ان يشارك في الكثير من الفعاليات والمناشط على المستوى الداخلي والخارجي ، «ملحق روضة الصائم » أجرى حوارا معه حيث يقول:
بدايتي الأولى كانت في قراءة القرآن الكريم عبر الإذاعة المدرسية، ثم سرعان ما التحقت بجماعة الإنشاد في المدرسة، وفي ذلك الوقت ليس هناك صوت عال يطلق عليه الإنشاد بأنواعه مثل اليوم، لذا كانت مشاركاتي بسيطة، الى أن ظهر برنامج «منشد الشارقة» وبفضل الله تم قبولي كأول عماني للمشاركة في البرنامج، واستطيع القول إن هذه المشاركة كانت منعطفاً وانطلاقة حقيقية نهضت باسمي في مجال الإنشاد، ثم توالت المشاركات والدعوات على المستوى المحلي داخل السلطنة وخارجها والحمد لله على هذا الفضل.
وحول الرسالة التي يهدف الإنشاد الديني الى ترسيخها بين فئات المجتمع يرى بدر الحارثي ان للإنشاد رسائل عديدة لا تختص بالجانب الديني فقط، فهناك جوانب أخرى منها الاجتماعية والوطنية والهدف منها كمثال في الجانب الديني الدعوة أو التذكير بالخير ومن الجانب الاجتماعي التشجيع على القيم الإنسانية كالعمل التطوعي ومن الجانب الوطني ترسيخ حب الوطن والانتماء له والعمل على بنائه، فمن وجهة نظري لا نستطيع تسمية الإنشاد بالديني فقط، فالرسائل التي يوجهها الإنشاد تكون في كل الجوانب.

وعن اهم المشاركات التي تعني لك الكثير خلال مشوارك قال: مثلما سردت سابقا، أهم مشاركاتي طبعاً «منشد الشارقة» بنسخته الأولى كأول وجه عماني يشارك في هذه المسابقة التي حظيت بالكثير من المتابعة والتنافس بين المشاركين، ثم شاركت في «مهرجان شدى الدولي» بالمملكة العربية السعودية،وكذلك مشاركتي لثلاث سنوات متتالية بمهرجان «حب المصطفى» في الكويت وأيضا مشاركتي في «نجم الإنشاد العماني» كعضو في لجنة التحكيم. وفي سؤال حول المقومات الاساسية التي يجب ان تتوفر في المنشد الجيد حتى يستطيع الوصول الى الجمهور بسهولة أكد الحارثي ان جمالية الصوت والأداء الجيد له دور في اكتساب ثقة المستمع، وحسن اختيار وانتقاء الأناشيد والتنوع، ناهيك عن شخصية المنشد التي يجب ان تتصف بالتواضع لما لها دور كبير في الوصول إلى الجمهور.

قلة الإنتاج الشعري
■ ■ وفي جانب آخر يشير بدر الحارثي الى ان طرقات الحياة ليست جميعها معبدة أو مفروشة بالورود،فثمة عثرات قد تعترض الطرقات،فهناك أحجار صلبة تقف عثرة في طريق بعض من يدخل مجال الإنشاد الديني ومنها: في السابق لم يكن هناك اعتراف رسمي بالإنشاد، ولم يكن هناك استديوهات خاصة تهتم بالإنشاد، حتى الدعم لم يتوفر سواء من المؤسسات الحكومية أو الخاصة، ولم يكن هنالك اطلاع كافٍ من قبل المنشدين على الفنون،وعلم المقامات والموسيقى.
وأضاف قائلا: من أكثر التحديات من وجهة نظري قلة الإنتاج الشعري الذي يتناسب مع الفعاليات أو المناسبات أو موضوع محدد وغيرها مؤكدا أن هناك فرقا كبيرا بين الماضي والوقت الحالي، فاليوم نلاحظ كثيرا من المؤسسات تهتم بالإنشاد بشكل أساسي في إقامة فعالياتها وتقديم الدعم للمنشدين والشعراء.
وقال: هناك ملاحظة تظهر في الأفق، وتتمثل في توجه البعض نحو الإنشاد الديني، لكنه سرعان ما يحيد عن طريقه، ويتجه نحو الغناء وأحيانا يحدث العكس.
ويرى الحارثي أن الدوافع التي تحدث لحدوث تلك المفارقات من وجهة نظره في توجه البعض الى الغناء للبحث عن الشهرة، أو العائد المادي، مشيرا إلى أن الإنشاد في معظم المناسبات يكون تطوعيا، والعائد المادي لا يقارن بما يجده في الغناء، وكذلك شعبية الغناء تفوق شعبية الإنشاد في كثير من الأحيان، فلا أستطيع الجزم بالسبب الرئيسي وراء تلك المفارقات، أما الاتجاه من الغناء الى الإنشاد يكون ربما بتأثر الشخص بالبيئة المحيطة به، فربما لسبب ديني أو لسبب شخصي يمر به الشخص نفسه.

شروط معقدة لمنظمي الفعاليات
■ ■ وردا على سؤال حول استطاع الإنشاد الديني أن يؤثر في المجتمع خاصة مع قلة الإمكانيات، وضعف الإقبال عليه في فترة من الفترات، الأمر الذي دفع عددا من المنشدين إلى ترك هذا المجال بدون عودة أجاب المنشد بدر الحارثي قائلا: للإنشاد تأثير كبير جداً في المجتمع فكما ذكرت سابقاً إن للإنشاد رسائل هادفة وكلمات صادقة نابعة من القلب لها دور كبير في تغيير كثير من الأمور في المتجمع للأفضل رغم قلة الإمكانيات.
وعن سر تلاشي بعض الأصوات رويدا رويدا، حتى تسجل غيابا مفاجئا عن الساحة قال: هنا تختلف وجهات النظر فالبعض يرى ان الإنشاد موهبة والبعض انه هوية تمارس في وقت معين، فأحيانا يربط مشاغل الحياة بهذه الهواية وينقطع عنها بانتهاء تلك الفترة كالدراسة والزواج وغيرها.
وقال: من الأسباب الأخرى لغياب بعض الأصوات الجميلة في الساحة ترجع بشكل مباشر الى المنشد نفسه، حيث يضع شروطا معقدة لمنظمي الفعاليات والتي تكون فوق الاستطاعة المادية التي يمتلكها المنظمون مما يجعلهم يبتعدون او يتجنبون ذلك المنشد والبعض الآخر من المنشدين يشعر بالغرور فلا يشارك في المناسبات الصغيرة والتي لها دور كبير فالنهوض باسم المنشد فكل هذه الأسباب لا تساعد المنشد على الاستمرار والوصول إلى الهدف المطلوب من الإنشاد.
ومن المقترحات التي يراها مناسبة تتمثل في الاستمرارية هي حب ممارسة الإنشاد وعدم ربط عمر الشخص بالإنشاد وتخصيص وقت مناسب لكل الأعمال الأخرى والمشاركة قدر الإمكان في جميع المناسبات سواء كانت صغيرة أم كبيرة وعدم النظر للمادة فالهدف أسمى.
دور كبير في النهوض باسم المنشد
■ ■ بعض المنشدين يعتذرون عن المشاركة في بعض الفعاليات الصغيرة التي تنظمها الفرق الأهلية، على الرغم من أن مشاركتهم في تلك المحافل، وإن كانت بسيطة سوف تسهم في تحفيز الأصوات الناشئة على دخول هذا المجال، فما وجهة نظرك في ذلك؟
– فكما أسلفت أن الفعاليات الصغيرة لها دور كبير في النهوض باسم المنشد لأن الفرق الأهلية والمناسبات والفعاليات الصغيرة كثيرة فتكون بداية ظهور المنشد والصعود لسلم النجاح واكتساب الخبرة في الجانب الإنشادي. وفي بعض الأحيان تكون هناك أسباب لعدم المشاركة كبعد المسافة وقلة الدعم والتنظيم فيعزف المنشد عن المشاركة.
■ ■ هل العائد المادي والشهرة هي سبب مقنع في تغير بعض المنشدين لرسالتهم ومبادئهم في مجال الإنشاد الديني؟
– ربما والله أعلم وربما لأسباب أخرى متعلقة بالشخص نفسه.
■ ■ هل ترى أن هناك نوعا من القصور لدى بعض شرائح المجتمع العماني، وبعض مؤسسات المجتمع المدني في فهم أهمية الإنشاد الديني؟
– نستطيع القول: إن هناك قصورا من المؤسسات وبالإضافة إلى جهل البعض، أما الآن كما نرى يكاد لا تخلو مؤسسة عسكرية من نشيد خاص بها وذلك مثال حي وواضح على أهمية الإنشاد.
■ ■ الفــــــرق الإنشـــــادية عملت على تقيم عدد من الأعمال، والســــؤال هل المنشد يفضل العمل بشكل منفرد أم لا يجد بريقه اكثر عندما ن ينتمي الى إحدى الفرق الإنشادية؟
– شخصياً أُفضّل الاثنين فكل عمل له طابع خاص يمكن إظهاره في الفرق الإنشادية بشكل أرقى وفي بعض الأعمال تظهر بشكل رائع بالانفراد ويجب التنويع في إخراج الأعمال الإنشادية.

أفضل الاستماع للأناشيد الهادئة
■ ■ هناك اعتقاد لدى بعض أفراد المجتمع بأن تطور الإنشاد الديني ساهم في الخلط بينه وبين الغناء خاصة بعد إدراج الموسيقى في العديد من الأناشيد والمؤثرات الصوتية بشكل لافت. كيف تردون على ذلك؟
– أداء الإنشاد سابقا كان بسيطا جدا فقد كان بدون مؤثرات صوتية أو إيقاعات أما الآن الفرق شاسع ويظهر تطور النشيد، فالمؤثرات الصوتية والآهات البشرية تضيف لمسة جميلة في النشيد، وتساهم في جذب المستمع لها والبعض يرى ان الموسيقى لها دور كبير أيضاً في إظهار النشيد فلا أخوض في فتاوى تحريم أو تحليل الموسيقى.
وأضاف: مما سبق ذكره اعتقد ان الفرق واضح بين النشيد والأغنية، فالصخب والكلمات الهابطة لا تدخل في الإنشاد ولا يمكنها إيصال رسائل إيجابية ولا تدعو للخير فالمستمع يختار ولا يمكن إرضاء الجميع. وشخصياً أفضل الاستماع للأناشيد الهادئة والتي لا تكون فيها الكثير من المؤثرات والإيقاعات.
■ ■ هناك نظرة تشاؤمية لدى البعض في أن الإنشاد يحمل في مضمونه عبارات الوعيد والترهيب، ويبتعد عن أسلوب الترغيب والتحفيز خاصة وأن العديد من المنشدين يتبنون قالب الحزن والألم والعذاب في الكثير من أعمالهم؟
-هذا زمن قد ولّى، فنادراً ما تجد أناشيد الترهيب والوعيد في وقتنا الحالي، أما بخصوص قالب الحزن والألم فهذا النوع من الأناشيد من رأيي لا يستمر لأن المجتمع يريد التنويع فكلمات الفرح والتحفيز لها طلب وإقبال لما لها من تأثير على نفسية المستمع.
■ ■ وسط الفضائيات المنتشرة، هل نحتاج إلى إطلاق قنوات إسلامية تبث مواد إنشادية على غرار قنوات الأغاني أم أن الموجود يكفي بالغرض؟
– نعم نحن بحاجة لهذه القنوات ويجب أن تكون هذه القنوات مهتمة بالنشيد بعيدة عن التشدد والمذهبية، ليس كما ظهر في بعض القنوات بتفضيل منشدين محددين ينتمون لمذهب محدد!!! فمن أهداف النشيد جمع شمل الأمة وتوحيد كلمة الحق ونشر السلام وتوصيل الرسائل الإنسانية.
■ ■ هل يتحمل كتاب الشعر جزءا من قلة المنتج في مجال الإنشاد الديني أم أن هناك وفرة من الشعر واللوم يلقى على بعض المنشدين وعزوفهم عن التنويع في الأعمال التي يقدمونها؟
نعم، فنحن بحاجة لشعراء مختصين لكتابة شعر الأناشيد تختص بكل مناسبة ولا ننسى الأوبريتات الإنشادية التي تحتاج لطابع خاص من الشعر بحيث تكون كلمات تسهل على المنشد إنشادها تتوافق مع لحن أو إيقاع معين.

الاستمرارية والتجديد في الطرح
■ ■ في الآونة الأخيرة كثرت برامج المسابقات للإنشاد الديني، وترصد جوائز قيمة للفائزين، من وجهة نظركم ما هي الجوانب الإيجابية التي تقدمها والمقترحات لتطويرها؟
– هذه البرامج مهمة جداً فهي تصقل موهبة المنشد فإن مشاركة المنشد في مثل هذه البرامج تفتح له فرصة التعرف على منشدين المعروفين ومنشدين آخرين جدد فيتعلم ويكتسب خبرات في العالم الإنشادي ولا ننسى المحكمين في هذه المسابقات فهم من يقوى نقاط الضعف في المنشد فيظهر بصورة أقوى. وأضاف: أما المقترحات لهذه المسابقات الاستمرارية والتجديد في الطرح والعرض والتجديد في الجوائز بحيث تكون مرضية للمشاركين وأيضا ان تكون هناك أعمال مسجلة للفائزين تقدم كجائزة من بعض شركات الإنتاج لان عملية التسجيل تكون عادة مكلفة فهذه الجوائز تساعد المنشد وتحفزه للمشاركة.
■ ■ ومن وجهة نظرك: ما هي المنطلقات التي يركز عليها شعراء أو الملحنون في تقديمهم للأعمال التي تخص الإنشاد الديني؟
– موضوع النشيد، فمثلا يعرض المنشد موضوع معين للشاعر فيبدأ في صياغة الكلمات وكذلك للملحن يجد موضوع الشعر يتناسب مع لحن معين أو العكس. فموضوع النشيد أو المناسبة من أهم المنطلقات في تقديم العمل الإنشادي.
■ ■ هل كل صوت إنشادي له سمه تميزه عن غيره أم أنهم ينطلقون من قالب واحد ويستطيعون تأدية كل ما يقدم إليهم ؟
– كل منشد له خامة صوت مميزة وينطلقون من قوالب متعددة وأهداف متعددة لكن يبقى فالأخير لكل منشد ميزة خاصة في أدائه وتعامله مع النشيد والشعر واللحن.

الاهتمام بنقاء الصوت
■ ■ وسط الكثير من الفعاليات والمناشط،هل يمكننا أن نقول إن الإنشاد الديني حقق جميع أهدافه التي يسعى إليها، إما أن الطريق طويل لبلوغ المدى؟
من وجهة نظري لا. لم يحقق جميع الأهداف فالإنشاد بحاجة للبروز والظهور أكثر في ضوء وجود الكثير من الأعمال الغنائية. فما زلنا نسعى في إظهار النشيد بصورة أوضح لنحقق جميع الأهداف بإذن الله، ويرى بدر انه لا يوجد سقف محدد للطموحات، فتحقيق طموح واحد يزيد من حماس المنشد لبناء طموح آخر واستمراره.
■ ■ ما هي أوجه الدعم التي تراها مناسبة حتى يستطيع الإنشاد الديني النهوض والانطلاقة بشكل افضل ؟
– الدعم المعنوي والمادي والتشجيع وإبراز المواهب وتسهيل عمليات التسجيل في الأستوديوهات الموجودة. إقامة دروس وحصص للنشيد لتطوير إمكانياتهم وأدائهم. إقامة المهرجانات الإنشادية وتوفير جوائز مناسبة مما تساعد في النهوض بالمنشدين والإنشاد. وتوجه بدر الحارثي في ختام حديثه بجملة من النصائح لكل مبتدئ وهي أن الصوت نعمة من نعم الله فعلينا استغلاله فيما يرضيه. الاهتمام بنقاء الصوت مهم للظهور في العالم الإنشادي، المشاركة في الفعاليات وأخذ راحة ونوم كاف قبل كل المشاركة، والتدريب على الأداء بطبقات الصوت الطبيعية لكي لا يظهر نشازا أو خللا في الصوت وممارسة تمارين التنفس التي لها دور كبير في الأداء والغذاء الجيد له دور في تحسين الصوت فهذه من أهم النصائح التي يجب الاهتمام بها.