سماحة المفتي: تمتين الصلة بالله تعالى سبيل رقي المسلم بتقواه في الشهر الفضيل

لا يستغنى بأي حال من الأحوال عن رحماته جلَّ وعلا –
أجرى اللقاء: سيف بن سالم الفضيلي –

أكد سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة بأن تمتين الصلة بالله سبحانه وتعالى يرتقي بتقوى المسلم في شهر رمضان المبارك بذكره لنعم الله عليه وقوته جلا وعلا وبطشه الشديد بجانب رحمته الواسعة.
مشيرا إلى أن الإنسان لا يستغني بأي حال من الأحوال عن رحمات الله تعالى كما انه أيضا لا يقوى على بطش الله تعالى الشديد.
داعيا سماحته المسلمين إلى أن يشفقوا على أنفسهم وأن يحرصوا على ما فيه مصلحتهم فلا يقدمون على أمر إلا ببصيرة من الله سبحانه وتعالى فيحرصون على فعل أوامر الله والازدجار عن نواهيه.
وحث سماحته في لقائنا معه المجتمع على التخلّق بأخلاق الإسلام وتجنب ما يؤدي للانحراف، محذرا من الاختلاط بقوله «والاختلاط ينتج عنه بلاء عظيم».
وقال سماحته بأن حظ النفس في الإسلام بتهذيبها بتقوى الله وبالإخلاص له وبمراقبته في السريرة والعلانية، منبها من أن أخطر الرياء وأشده أن يترك الإنسان العمل الصالح بدعوى خوفه من الرياء.

■ رمضان شهر ارتقاء للأتقياء، كيف يرتقي المسلم بتقواه في هذا الشهر الفضيل؟

يرتقي المسلم في شهر رمضان المبارك بتمتين هذه الصلة بالله سبحانه وتعالى بحيث يذكر نعمة الله سبحانه وتعالى عليه ويذكر قوة الله سبحانه وتعالى وبطشه الشديد بجانب رحمته الواسعة وهو لا يستغني بأي حال من الأحوال عن رحمات الله تعالى كما انه أيضا لا يقوى على بطش الله تعالى الشديد؛ فعليه أن يشفق على نفسه وأن يحرص على ما فيه مصلحة نفسه بحيث لا يقدم على أمر إلا ببصيرة من الله سبحانه وتعالى فيحرص على فعل أوامر الله والازدجار عن نواهيه.

■ فتاة تركت متابعة تعليمها بسبب الاختلاط حفاظا على طهارة نفسها وعفّتها، هل تُثاب على ذلك؟

نعم هي تثاب على ذلك أيما ثواب، وما أعظم البلاء الذي ينتج من الاختلاط بين الجنسين وما أحوج الذكور والإناث جميعا إلى أن يتخلقوا بأخلاق الإسلام ويتجنبوا كل ما يؤدي إلى الانحراف عن الحق وكم من أمور شاهدناها وعايشناها واطلعنا عليها سببت خطورة عظيمة على الجنسين جميعا فنسأل الله تعالى أن يقي عباده شرور أنفسهم وسيئات أعمالهم.

■ من المعلوم بأن العلم حق من حقوق الفتاة كما هو للفتى، ما السبيل الذي يمكن أن تسلكه الفتاة لتحصيل العلم دون الحاجة إلى الاختلاط؟

نعم يمكنها ذلك بوجود المدارس حتى في البيوت التي تهيئ الفتيات للعلم النافع العلم الذي ينفع في أمر الدين وفي أمر الدنيا جميعا فبإمكان المرأة أن تواصل مشوراها في التعلم من غير أن تختلط حتى من خلال المدارس التي يمكن أن تستفيد منها من وسائل التواصل في وقتنا هذا فقد أتيحت للناس في هذا الوقت وسائل لم تكن متاحة من قبل، ناهيك عن مؤسسات كثيرة فيها تعليم عن بعد.

■ كيف يمكن التوفيق بين الدراسة وطلب العلم الشرعي؟

نعم، الدراسة لا تنافي العلم الشرعي فاستعداد الإنسان الذهني وهمته مما يوطئ له السبل حتى يتمكن من الجمع بين طلب العلم الشرعي وبين الدراسة في المجالات الأخرى.

■ ما هو حظ النفس في الإسلام؟

حظ النفس بأن يهذبها بتقوى الله سبحانه وبالإخلاص لله عز وجل وبمراقبة الله في السريرة والعلانية فإن هذا هو حظ الإنسان وقد قال الله سبحانه وتعالى: «وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا»، وقالوا بأن نصيب الإنسان من الدنيا هو ما يتزوده للدار الآخرة.

■ حب الإنسان نفسه هل هذا جزء من الفطرة أم هو خلل؟

الإنسان بطبعه يحب نفسه، لا يكره الإنسان نفسه ولو لم يحب نفسه لما اشتغل بما يسعدها وبما يرقّيها وبما يبصّرها بعيوبها وبما يبصّرها بالواجب بينها وبين ربها، ولكن هذا كله من حب النفس، ومن حب الإنسان نفسه أن يحرص على سعادته وأن يتجنب أسباب الشقاوة.

■ من يترك العمل الصالح خوف الرياء كيف يمكن وصفه؟

هذا هو أخطر الرياء وأشده، أن يترك الإنسان العمل الصالح بدعوى أنه يخاف من الرياء، عليه أن يتوكل على الله وأن يغالب النفس الأمارة بالسوء وان يحرص على تجنيب نفسه الرياء ومهما عرضت له عوارض الرياء فعليه ان يكابرها ويمضي قدما في طاعة الله تعالى.

■ هل للوالد أن ينظر في أحوال كل ولد ويتخذ اللازم في سبيل الإعانة؟

نعم، الوالد مطالب بأن يربي أولاده على الخير وأن يحرص على أن يعم خيره جميع الأولاد من غير أن يفرط بينهم ويميّز بينهم وعليه العدل والإنصاف، وهذا يعني مع وجود الحاجة في بعض الأولاد دون بعض عليه ان يراعي هذا الجانب أيضا.

■ «وأما بنعمة ربِّك فحدث» هل يفترض في الإنسان أن يحدّث عن نفسه وعن نعمه؟

يحدث بنعمة الله تعالى من غير أن يزكي نفسه فإن الله تعالى يقول: «ولا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى».

■ حينما يجد الإنسان سرورا في نفسه بإنجازاته قد تفوق أقرانه، هل هذا من الغرور؟ وما النصيحة؟

إذا كان سروره هذا يدعوه إلى التواضع لله وشكر الله سبحانه وتعالى وإخباته لله سبحانه فذلك من استذكار نعمة الله التي أنعمها عليه.

■ ما قيمة التدين مع هبوط الأخلاق من وجهة نظر شرعية؟ وما الذي توجهون إليه كل متدين؟

الأخلاق هي مدار التدين، كل الدين يدور حول الأخلاق فما من كلية من كليات الدين أو جزئية من جزئياته إلا وهي مرتبطة بالأخلاق، لو جئنا إلى أركان الإيمان لوجدناها مرتبطة بالأخلاق فالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره من الله من دواعي الأخلاق الفاضلة لأنه إن آمن بالله تواضع لله سبحانه وعرف حق الله تعالى، ومن تواضع لله تواضع للناس وانسجم مع عباد الله تعالى ولم يترفع على عباد الله في أي شيء وأحسّ بالانسجام التام بينه وبين عباد الله تعالى المؤمنين كما يوحي بذلك قول الله تعالى (إنّما المُؤمِنون إِخوة) ويوحي إليه قول الرسول صلى الله عليه وسلم (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) والإيمان بملائكة الله سبحانه هو أيضا داعٍ إلى الأخلاق لأن الإنسان يحس أن هؤلاء الملائكة مع ما آتاهم الله سبحانه وتعالى من مزايا في الخلق بحيث إن احدهم يستطيع أن يقلب الأرض في لحظة واحدة ومع ذلك هم متواضعون لله سبحانه لم يدفعهم الغرور إلى إن يتمردوا على أمر الله بل هم منقادون (لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) ومع ذلك أيضا يحس بأن في وظائف الملائكة ما يدعوه إلى التخلق بالأخلاق الفاضلة فمن ذلك أن الملائكة منهم من هو رقيب عليه في حركاته وسكناته يسجل عليه أعماله ما قل منها وما كثر وما جل منها وما حقر هذا كله مما يدعوه إلى التخلق بالأخلاق الفاضلة وعدم معاملة الناس إلا بالحسنى.
كذلك أيضا من الملائكة من يتولون توفيه عندما يحين حينه وهذا بطبيعة الحال يدعوه إلى الاستعداد لذلك اليوم. وعلى أي حال كل هذا مما يدل عليه الإيمان، والإيمان بكتب الله والإيمان برسل الله تعالى إنما ذلك هو عين الإيمان بالله وتوجيهاته وبأوامره وبنواهيه لأن الكتب هي حافلة بأوامر الله تعالى ونواهيه. وكذلك الرسل والله تعالى يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، فجميع تعاليم الحق التي جاء بها الرسل والتي حفلت بها الكتب إنما هي تدور حول هذا المحور فعليه أن يزكي نفسه ويدربها على الأخلاق الفاضلة.
والإيمان باليوم الآخر هو متمم للإيمان بالله لأن الإيمان بالله إنما هو إيمان مبدأ بالمبدأ والإيمان باليوم الآخر إنما هو الإيمان بالمصير، والإنسان إن آمن بالمبدأ والمصير حق الإيمان عرف حق المُبدئ سبحانه وتعالى ودفعه ذلك إلى الاستعداد لحياة المصير وهذا بطبيعة الحال يقتضي التخلق بالأخلاق الفاضلة.
والإيمان بقضاء الله وقدره أيضا يجعله يتخلق بالأخلاق الفاضلة لأنه ينظر إلى الأمور كلها أنها تجري وفق أوامر الله ووفق تقدير الله ووفق إرادة الله وهذا يجعله يتواضع لله.
أما أركان الإسلام فلا ريب أنها جميعا أيضا تقتضي الأخلاق الفاضلة، فالشهادتان تؤديان إلى حسن الخلق عند الإنسان إذا شهد أن لا إله إلا الله، فمعنى هذا أن ذلك عهد بينه وبين ربه سبحانه وتعالى أن يطيعه ولا يعصيه وأن لا يخالف له أمرا وألا يخرج عن حسن العبادة له.
كذلك الشهادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالرسالة تعني وجوب الاقتداء به عليه الصلاة والسلام واستلهام الخير من طريقه صلوات الله وسلامه عليه وهذا مما يدعوه إلى حسن التخلّق.
كذلك إقام الصلاة، كل كلمة من كلمات الصلاة ينطقها الإنسان من لدن التكبير إلى التسليم، كل كلمة من هذه الكلمات تفيض معانيَ سامية في نفس الإنسان تدربه على الأخلاق الفاضلة فضلا عما فيها من التواضع لله تعالى بالركوع والسجود والقيام والقعود فإن كل ذلك مما يدعوه إلى الأخلاق وإلى تعامل الإنسان مع الآخرين بانتظامه معهم في صلاة الجماعة ذلك أيضا مما يدعوه إلى الأخلاق لأن انتظام الناس جميعا على اختلاف طبقاتهم في عبادتهم هذه لله سبحانه وتعالى بحيث يؤدونها معا وكلهم حركاتهم منتظمة وراء الإمام يركعون في وقت واحد ويرفعون في وقت واحد ويسجدون في وقت واحد ويرفعون أيضا في وقت واحد، هذا مما يؤدي إلى الأخلاق ويؤدي إلى تبخر جميع النعرات والخلافات بين الناس حتى تكون قلوبهم كقلب رجل واحد.
وكذلك إيتاء الزكاة مما يفجر في نفس الإنسان مشاعر الرحمة تجاه إخوانه ويؤدي به ذلك إلى أن يشعر بمشاعرهم ويحس بأحاسيسهم فيسعى إلى سد حاجة محتاجهم.
وكذلك أيضا الصيام كما قلنا هو مدعاة لتقوى الله تعالى، والحج هو من باب أولى ولذلك ذُكر مقرونا بالتقوى في أكثر من موضع وأكثر من غيره من العبادات.
وكذلك جميع الأوامر والنواهي في الإسلام إنما تدور حول الأخلاق، وعلى أي حال التدين هو سبيل الى الأخلاق الفاضلة التي يجب على الإنسان أن يتزكى بها وقد قال الله سبحانه وتعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا).