لقاء الذكريات: جلالة السلطان زار المدرسة التي كنت معلما بها وسُر بمســتوى طـلابها وأمر بمكرمة سامية للمدرسة

الشيخ علي المعيني في حديث خاص لـ روضة الصائم:-
اجرى الحديث: خميس بن علي الخوالدي –

استقبلني في منزله الكريم بصحار وفسح لي المجال للحديث معه رغم أن صحته لا تسمح بإجراء حديث صحفي ولكن العمانيين كعادتهم نبلاء وكرماء ولا يبخلون على من أراد بالاستئناس بالجلوس معهم، كلفت بالبحث عن أعلام ومؤلفين ومعلمين للقرآن الكريم بولاية صحار قبل النهضة المباركة وأول من قفز إلى ذهني هو الشيخ علي بن إبراهيم المعيني؛ لأنه جمع بين كل ما كنت أبحث عنه فقد اشتغل بتعليم القرآن وبالتأليف وبإمامة المصلين وكان ضمن الذين لهم الفضل الكبير في نشر العلم قديما والتحق به الصبية والبنات لتعلم مبادئ الحساب وحفظ القرآن الكريم والأحاديث النبوية وهو أحد العلماء البارزين في صحار وفقهائها ويرجع إليه الكثيرون لسؤاله عن المسائل الفقهية والاستفادة من علمه والاستنارة برأيه في الكثير من مسائل الدين والحياة.
وُلِد في صحار في عام ١٣٤٩هـ وختم القرآن الكريم على يد المعلم أحمد بن علي بن محمود الفارسي وتلقى علوم القرآن واللغة ومبادئ الدين كالفقه والعقيدة على يد والده الشيخ إبراهيم بن علي بن إبراهيم المعيني وعلى يد عدد من علماء تلك الفترة في صحار من أمثال العلامة الشيخ عبدالرحمن بن محمد بن حافظ والشيخ محمد بن عبدالله المرشدي ثم سافر إلى أبوظبي فدرس على يد العلامة الشيخ محمد بن أحمد الخزرجي سنة واحدة في الفقه واللغة.
الحديث مع الشيخ المعيني كان ثريا جدا وتطرق إلى الكثير من المحطات الرئيسية في حياته منذ بدء تعلّم القرآن في صحار ثم مرحلة تعليمه القرآن وعلوم الدين في حلة الصبارة بصحار حيث يأتي إليه الطلبة من مختلف القرى بالولاية، ثم انتقاله بعد ذلك لتعليم القرآن في منطقة الطريف، وإلى مرحلة التدريس مع بدء عهد النهضة الحديثة، كما تطرق الحديث إلى عدد من المحطات الأخرى حيث عاد بنا الشيخ المعيني إلى فترة ما قبل عهد النهضة المباركة حيث كان التعليم يقتصر في مجمله على تعليم القرآن الكريم وعلوم الدين ومبادئ الكتابة والحساب، غير أن تلك الفترة -كما يقول- كانت تشتهر أيضا بوجود العديد من معلمي القرآن في كل قرية من قرى ولاية صحار.
عندما سألته عن المبلغ الذي كان يتقاضاه معلم القرآن في تلك الفترة عاد بذاكرته إلى فترة الخمسينات والستينات من القرن الماضي قائلا: كان المعلم آنذاك يتلقى أجرة التعليم من أولياء الأمور بعد ختم الطالب للمصحف الشريف، ويختلف قدر المكافأة بحسب استطاعة أولياء الأمور، فمنهم من يكافئه بعشرة قروش فرنسية، أما الميسورون فأكثر من ذلك، هذا بالإضافة إلى ما يحصل عليه المعلم من كل طالب كل أسبوع بمقدار بيسة أو بيستين وهو ما كان يسمى «خميسية» إذ يقوم الطلاب بدفع هذا المبلغ كل يوم خميس.
وأضاف: إن المعلم له تكريم عام من أهل القرية بعد ختم كل طالب للقرآن الكريم، حيث تُقرأ القصائد المسماة بالتأمينة يقرأها المعلم وبعض أصحابه وكبار الطلبة بصحبة جميع الطلاب من البنين والبنات ويمرون على بيوت الأغنياء في القرية التي يقيم بها الطالب والقرى المجاورة وينال المعلم من كل بيت هدية نقدية لا سيما من بيت ولي أمر الطالب الذي ختم القرآن وتابع قائلا: ربما يكون ذلك مجزيا له آنذاك.
وفي عام 1970م تم تعيين الشيخ علي بن إبراهيم المعيني معلما للتربية الإسلامية بمدرسة خلفان بن جميّل السيابي بصحار وعن هذه الفترة يقول: كانت لي زمالة طيبة مع العديد من المعلمين العمانيين وغيرهم من المعلمين الوافدين وكانت هذه المدرسة تطل على البحر أمام قلعة صحار والتدريس كان في الخيام والصفوف المبنية من سعف النخيل وفي ضحوة يوم مبارك حطت طائرة جلالة السلطان أمام قلعة صحار وبعد أن زار جلالته القلعة تشرفت المدرسة بزيارته لها وقد سُر بمستوى طلابها وكان ذلك يوما مشهودا غمرت فيه الفرحة الطلاب والمعلمين وأمر جلالة السلطان -حفظه الله- بمكرمة سامية للمدرسة.
وفي شهر يونيو من عام 2016م ترك المعيني مجال الإمامة والخطابة بعد أكثر من 50 عاما عمل فيها خطيبا وإماما في جامع الشيزاو بصحار منذ بداية الستينيات من القرن المنصرم وحتى شهر يوليو من عام 1978م عندما أصبح إماما وخطيبا لجامع الشيخ خليفة بالطريف واستمر في هذا العمل 38 سنة قدم للناس في كل أسبوع موضوعا جديدا وثريا يناقش فيه إحدى القضايا التي تشغل المجتمع والناس.
وإضافة إلى اشتغاله بالخطابة والإمامة والتعليم بمدرسة خلفان بن جميّل السيابي وتعليم القرآن الكريم وتقديم دروس الفقه بجامع الشيخ خليفة في الطريف أثرى الشيخ علي بن إبراهيم المعيني المكتبة العمانية بإصدارين الأول هو كتاب «بهجة الناظرين في تراجم فقهاء صحار المتأخرين» الذي تناول فيه مشايخ القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين، والثاني اعتناؤه بكتاب «الفتاوى المعتمدة» للعلامة الشيخ حبيب بن يوسف العماني الفارسي المتوفى في عام 1329هـ حيث قدّم للكتاب وترجم لمؤلفه.
وأردف قائلا: لقد استعنت ببعض المخطوطات التي تركها جدي ووالدي رحمهما الله وما زالت موجودة إلى الآن واستعنت ببعض المعلومات من خلال زيارتي لبعض أقارب العلماء في منازلهم وأخذت منهم الشيء الكثير شفهيا واعتمدت عليها ومعظم الكتب ورثتها من جدي ووالدي، وجدي كان فقيها في البلد تتلمذ على يد الشيخ حبيب بن يوسف.
وأضاف: إن أقدم الكتب التي قراتها وتأثرت بها وأعجبت فيها هو كتاب الأنوار في أعمال الأبرار للشيخ يوسف الادربيلي وهو من الكتب الفقهية الثرية؛ لأنه يحتوي على عبارات مختصرة وإيجاز في العبارة والمعنى، كما قرأت في كتب الإباضية ومنها كتاب تحفة الأعيان في سيرة أهل عمان للعلامة عبدالله بن حميد السالمي إضافة إلى مؤلفات كثيرة للشيخ أحمد بن حمد الخليلي وغيرها من أمهات الكتب العامرة بها مكتبة منزلي.
وسألته عن الود المتبادل بينه وبين سماحة المفتي فقال: إن الشيخ أحمد الخليلي رجل متواضع ومحب للناس وكان صديقا لوالدي ويزوره في منزله بولاية بركاء ومكتبتي عامرة بكتبه ومؤلفاته توصلني أول بأول.
وفي ختام الحديث سألته: ما هي النصيحة التي تقدمها للأجيال فيما يختص بتعليم القرآن وعلومه؟ فأجاب قائلا: نصيحتي للأجيال أن يجدّوا ويجتهدوا في تعلم القرآن الكريم وحفظه وحفظ علومه ولا يشغلهم عنه شاغل فهو المنهج القويم والصراط المستقيم وشفاء للصدور، وهو حبل الله المتين ونوره المبين، لا يشبع منه العلماء ولا يمله الأتقياء، وخير هذه الأمة من تعلم القرآن وعلمه، والماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة.