تواصل: تويتر ما صائم !

تونس المحروقية –
Perthmuscat@gmail.com –
hlaa202020 @ –

أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا لا يتجزأ من حياة الكثيرين من مستخدميها، إذ يظهر في التفاعلات اليومية في تلك القنوات ملامح متعددة من الخصائص العامة للشخصية ومستوى الفكر وأسلوب الحياة وذلك من خلال المنشورات المكتوبة في مختلف الحسابات طوال العام، لكن في شهر رمضان ستتوقف طويلاً في محاولة منك لفهم ما يجري من تفاعلات في هذه القنوات وتحديدا تويتر وستقول لنفسك مرارا وتكرارا خلال الشهر الفضيل: ما الذي يحدث هنا؟
ستصحو في صباح اليوم الأول من رمضان لتجد “التايم لاين” في تويتر فارغ جدا لدرجة أنك ستشك أنه مصاب بخلل مفاجئ من الشركة المسؤولة عن إدارته، ثم ستنتبه أن حسابات المواقع الأجنبية تغرد باعتيادية فتسأل: ما الخطب؟ أين ذهب المغردون المحليون الذين اعتدنا تدفق تغريداتهم صباحا ؟
ستدرك لاحقا أن الأغلب منهم لن يغردوا في صباح اليوم الأول من رمضان، ربما لأنهم نائمون أو لأنهم يعتقدون أن التغريد والتفاعل يستهلك طاقتهم ويجعلهم عرضة للجوع أو ربما كانوا ينتظرون تدفق تغريدات الآخرين كي يعرفوا نوع التغريدات التي تصلح لهذا اليوم، وقد يكون السبب الأقوى لغيابهم أنهم قد عاهدوا أنفسهم في هذا العام ألا يفسدوا صومهم بفتح قنوات التواصل الاجتماعي التي تكثر فيها المهاترات والتي قد تبطل الصوم بحسب قناعاتهم، لكن لا تقلق فعهودهم تلك مع أنفسهم ستنقض في ساعات متقدمة من اليوم وسيعودون للمشاركة مع مراعاة ألا يخطئوا، سيحاولون ذلك لكنهم غالباً سيروا ما يجعلهم يميلون لفكرة اعتزالهم الصباحية التي لن يستطيعوها أبداً !
في رمضان ستدخل عبر تويتر منازل أغلب المغردين الذين ربما لم يلتقطوا صورة واحدة منذ أن تابعت حساباتهم وستشاهد “اللقيمات” التي تتميز بإعدادها والدة فلان و”السمبوسة “التي طبختها عمة فلان و”البسبوسة “التي جاءت في طبق من جيران علان، ستشاهد ولائم ربما لم تشاهدها في حياتك ثم بعد عدة أيام ستجدهم يبدأون في نشر منشورات تدعو لعدم الإسراف وعدم التباهي بكثرة الطعام مراعاة لشعور من لا يجد ما يفطر به خلال هذا الشهر الفضيل !! يقولون ذلك بعد أن تكون قد وصلت لشعور أنهم يعملون كمساعدي طهاة في أحد الفنادق الراقية.
في رمضان تظهر وسوم” هاشتاجات” كثيرة عن المسلسلات والبرامج المعروضة خلال هذا الشهر ودعوات لمشاهدة تلك المسلسلات ومتابعة يومية للأحداث التي حصلت في تلك المسلسلات أو البرامج وفي المقابل ستجد من يدعو لاستغلال هذا الشهر في العبادة وصلة الرحم وقراءة القرآن وترك ما دون ذلك وكلا الطرفين سيشحذان همتهما لبرهنة أهمية رأي كل منهما، لكن غالبا ستكون الوسوم الأبرز والأكثر تداولا من نصيب العناوين الخاصة بالمسلسلات والبرامج !
ستشاهد عبارة “ اللهم إني امرؤ صائم “ عشرات المرات في كثير من الحسابات وكأنهم بها يترفعون عن التوغل في النقاش غير المجدي والذي بدأت بعض الكلمات غير اللائقة تخرج من بعض المشاركين فيه، وقد يقول البعض من المشاركين في تلك الحوارات أنهم سيعودون للنقاش بعد الإفطار كي يتفاعلوا براحتهم ودون قلق على صيامهم الذي يخافون فساده إن أمعنوا في تلك النقاشات صباحا، وكأن الصوم الذي يفترض به أن يهذب الأخلاق يزول تأثيره بمجرد تناول تمرة الإفطار الأولى !
إن كنت امرأة ولديك حساب في تويتر تضعين فيه صورة لك وأنت متزينة بأحمر الخدود والشفاه على وجهك، فلا تنصدمي عندما تجدين أن هناك من سيعتبر أمر هدايتك مسؤوليته الأولى خلال هذا الشهر، فهو لن يتوانى عن دعوتك للاحتشام والستر، سيقول لك ذلك صراحة، ثم ينتظر منك رداً فإن لم يجد عاد مجددا لنصحك، وإن لم تكوني في صورتك تلك واضعة لمساحيق التجميل على وجهك فهذا أيضاً لن يعفيك من النصح ودعوتك لوضع صورة مستعارة بدلاً من استعراض جمالك الذي قد يفتن البعض فيخسرون بسبب صورتك صيامهم !
في رمضان تويتر أيضا يكثر سرد المواقف الإنسانية التي حدثت في المسجد والتي تعكس قيم الإسلام بمختلف صورها، كما تنتشر صور المساجد والحديث عن ازدحامها اليومي بالمصلين حتى يبدأ ذلك الازدحام يخف تدريجيا قبل العشر الأواخر من الشهر، ستجد من يتساءل عن الأسباب ويضع وسوماً لمناقشة ذلك مع أن الأغلب يدركون أن الأسواق سحبت أغلب الناس باتجاهها فهم يشعرون حينها أنهم في سباق مع الزمن للحصول على ملابس العيد بالشكل الذي يضمن لهم أناقتهم يومها كما يريدون لا كما أتاح لهم تأخرهم عن التسوق للعيد !
ستشاهد تفاعلات كثيرة في تويتر خلال رمضان بعضها تتعارض مع ما تؤمن به وأخرى تتفق مع مفاهيمك وقد تكتفي بالتفرج وملاحظة أنه كلما توغلت أكثر في أيام الشهر الفضيل يبدأ جو الالتزام والتهذيب في الكلمات والرقي في الحوار- من متصنعي ذلك – في الزوال، لتجد نفسك خلال تلك الأيام وبعد قراءة بعض الحوارات تسأل نفسك : “هذيلا ما صائمين ؟” ثم تعود لنفسك لتغلق متابعتك لتفاعلاتهم وربما تطبيق تويتر حتى حين وتقول: اللهم إني امرؤ صائم !