إحياء منظمة التحرير .. والبحث عن تكامل أدوات النضال !!

د. عبد الحميد الموافي –
من المـأمول ان تتمكن فتح وحماس من إعادة بناء الثقة بينهما ، وعلى نحو يفسح المجال امام تعزيز وتقوية ادوات النضال الشعبي الفلسطيني ، خاصة بعد اتجاه حركة حماس نحو تبني الوسائل السلمية بشكل اكبر ، وبما يحقق التكامل بين فعاليات مسيرة العودة الكبرى وبين قرارات المجلس الوطني الفلسطيني ،

اليوم الخامس عشر من مايو ، يكون قد مضى سبعون عاما كاملة ، على إعلان قيام دولة إسرائيل فور الإعلان بريطانيا – دولة الانتداب على فلسطين – انسحابها منها في 14 مايو 1948 ، أي قبل يوم واحد ، بل وتسليمها مختلف المواقع التي أخلتها للإسرائيليين لتمكينهم من السيطرة على الارض ، وفي الوقت ذاته اعلنت الولايات المتحدة اعترافها باسرائيل بعد اقل من ساعة من إعلان قيامها . اليوم يوم النكبة ، النكبة العربية في فلسطين ، نعم ، وهو يوم التدخل العسكري العربي في فلسطين ايضا ، فالدول العربية لم تتدخل عسكريا الا بعد اعلان بريطانيا انسحابها من فلسطين ، وبقية القصة معروفة .
ما اشبه الليلة بالبارحة .. فأمس الرابع عشر من مايو 2018 ، تم رسميا نقل السفارة الامريكية في اسرائيل من تل ابيب الى القدس ، تنفيذا لقرار الرئيس الامريكي دونالد ترامب بذلك ولقراره الاعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل ، وبالرغم من كل الرفض الفلسطيني والعربي وحتى الدولي لهذين القرارين الامريكيين ، الا انه يظل لهما تأثير على الواقع والظروف السياسية ذات الصلة بالاوضاع الفلسطينية ، وبفرص وامكانيات وسبل الحل السلمي للقضية الفلسطينية ، خاصة وان هناك مساعي امريكية محددة ، في إطار ما يعرف بـ «صفقة القرن »، او بـ «صفعة القرن » على حد وصف الرئيس الفلسطيني محمود عباس – أبو مازن- لها ، في ظل هذه الظروف الدولية الضاغطة ، والمتأثرة بالانحياز الأمريكي ، غير المسبوق في قوته وجموحه في تأييد اسرائيل ، جاء انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الاخيرة التي عقدت في رام الله بالضفة الغربية المحتلة على مدى اربعة ايام من الاول حتى الرابع من مايو الجاري. على ان الامر الذي لا يقل عن ذلك اهمية ، ويفوقه تأثيرا في الواقع ، فإنه يتمثل في استمرار الانقسام الفلسطيني بين فتح وحماس وتعثر جهود المصالحة الفلسطينية، والأكثر مأساوية ان يدخل المجلس الوطني الفلسطيني واجتماعاته الأخيرة ، الى حلبة الصراع وتبادل الاتهامات ومحاولة كل طرف نزع شرعية الطرف الآخر ، أو على الأقل التشكيك فيها ، بكل ما يترتب على ذلك من مساس مباشر وغير مباشر بالمؤسسات الفلسطينية ، وبما ينبغي ان تتمتع به من ثقة والتفاف حولها من جانب مختلف القوى والفصائل الفلسطينية ، باعتبار ان ذلك هو الطريق الصحيح ، ان لم يكن الوحيد لمجابهة أطماع ومخططات إسرائيل لتصفية القضية الفلسطينية بدعم غير محدود من الإدارة الأمريكية الحالية ، بغض النظر عما يطرح من تسريبات حول صفقات الحل الشامل التي يتم طبخها خلف الأبواب المغلقة والسراديب السرية . على أية حال فإنه يمكن الإشارة باختصار الى عدد من الجوانب ذات الصلة باجتماعات المجلس الوطني الفلسطيني الأخيرة في رام الله وما يمكن ان يترتب عليها من نتائج ، ولعل من ابرز هذه الجوانب ما يلي :
*اولا : انه بالرغم من ان انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني ، جاء بعد نحو أسبوعين من القمة العربية في الظهران في منتصف أبريل الماضي ، والتي اطلق عليها اسم « قمة القدس»، والتي رفضت قرارات الإدارة الأمريكية بشأن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها ، ودعت الى مؤازرة الدول العربية للقضية الفلسطينية سياسيا وإعلاميا وماليا ، إلا ان الخلاف بين الفصائل الفلسطينية امتد بشكل سافر ومدمر الى التشكيك ومحاولة نزع شرعية المجلس الوطني الفلسطيني الذي يشكل الاطار التشريعي الفلسطيني الأوسع والأعلى لمنظمة التحرير الفلسطينية ، الذي يحتوي على ممثلي الشعب الفلسطيني ، داخل فلسطين وفي الشتات ، باعتباره بمثابة البرلمان الفلسطيني الأوسع فيما يتصل بتحديد الخيارات والخطوات الفلسطينية وكيفية التعامل مع التطورات المختلفة ، أما المجلس المركزي الفلسطيني واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية – 18 عضوا – فإن المجلس المركزي يقوم بدور المجلس الوطني الفلسطيني في فترات عدم انعقاده ، وتدير اللجنة التنفيذية السياسات الفلسطينية والتعامل مع مختلف التطورات يوما بيوم ، وقد تم انتخاب الرئيس محمود عباس رئيسا للجنة التنفيذية ، وبالتالي رئيسا لمنظمة التحرير الفلسطينية ، وبإجماع اعضاء اللجنة التنفيذية بتشكيلها الجديد ، وهو امر له أهميته ومعناه ، بالنسبة للأوضاع الفلسطينية الراهنة ، وفي مواجهة الهجمة الشرسة من جانب اسرائيل ضد « ابو مازن »، والتشكيك في رغبته ، وفي قدرته على الحل و تحقيق السلام مع اسرائيل .
جدير بالذكر ان خطورة ما تعرض له المجلس الوطني الفلسطيني في اجتماعاته الاخيرة في رام الله ، تتمثل في محاولة جريئة ، وبالغة الجموح واللدد في الخصومة والصراع والانقسام بين فتح وحماس ، وذلك من خلال محاولة حركتي حماس والجهاد الإسلامي بشكل خاص ، والجبهة الشعبية القيادة العامة ، منع انعقاد المجلس في رام الله ، على خلفية الصراع مع حركة فتح والرئيس محمود عباس . ولما لم تنجح هذه المحاولة عبر اعتراض نحو 140 عضوا على انعقاد المجلس في رام الله بحجة أنها تحت الاحتلال الإسرائيلي ، وبعد توافد اعضاء المجلس على رام الله – اكثر من ستمائة وخمسين عضو – لجأت كل من حركتي حماس والجهاد الإسلامي ، وهما غير منتسبتين الى منظمة التحرير الفلسطينية ، لأسباب تعود إليهما كما هو معروف ، الى التشكيك في شرعية اجتماعات المجلس الوطني الفلسطيني ورفضهما المخرجات التي تمخضت عنها الاجتماعات ووصفت المجلس بأنه « مجلس الانفصال والإقصاء » و « المسرحية »
والزعم بأن المجلس « فاقد الشرعية والإجماع الوطني الفلسطيني » على حد وصف المتحدثين باسم حماس والجهاد ، وان مخرجات الاجتماعات « لا تمثل شعبنا وافتقرت الى البعد القانوني وغابت عنها أدنى معاني الديمقراطية وسنسعى بكل قوة مع القوى والفصائل وهي اكثر عددا وقوة وحضورا ممن شاركوا في هذه المسرحية الى حماية المشروع الوطني الفلسطيني وتحصين القضية الفلسطينية من عبثهم » حسبما قال « فوزي برهوم » الناطق باسم حماس على موقع « تويتر ». ومع إدراك ان إسرائيل لا يمكن ان تقول اكثر من ذلك إذا أرادت ، ولكنها لا تستطيع لأنها تدرك ان منظمة التحرير الفلسطينية ، وبرغم ادعاءات اي طرف او فصيل فلسطيني ، هي التي حمت وتحمي المشروع الوطني الفلسطيني ، وهي التي تفاوضت مع اسرائيل وتوصلت معها الى اتفاق اوسلو عام 1993 ، وهي التي قادت حركة النضال الفلسطيني المسلح منذ ما قبل اعلان قيامها رسميا عام 1965 ، اما المنظمات والفصائل المعادية للمنظمة لاسباب ايديولوجية تخصها ، والتي تحاول النيل من المنظمة واختراع بدائل ما لها ، فإنها تدرك انها هي التي تعزل نفسها عن مسار الحركة الوطنية الفلسطينية . وعلى ذلك فإن محاولات النيل من اجتماعات المجلس الوطني الفلسطيني عبر تصريحات لا تخدم سوى اسرائيل ، الباحثة دوما عن كل ما يفت في عضد الفلسطينيين ، لا يمكن ان تكون في صالح الأطراف الفلسطينية التي اطلقتها ، ولا في صالح المصالحة ، ولا القضية الفلسطينية ذاتها ، لأن اسرائيل تعمد دوما الى استخدام وتوظيف مثل تلك المواقف لإضعاف المفاوض الفلسطيني بكل السبل الممكنة . حتى ولو كانت تصريحات يمكن اعتبارها والنظر اليها في اطار اللدد والخصومة والصراع السياسي والإعلامي بين فتح وحماس، وما يجره من نتائج ضارة بالشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية . *ثانيا : انه اذا كان من الطبيعي والمفهوم ايضا ان قرارات المجلس الوطني الفلسطيني تأتي عادة في اطار الثوابت النضالية الفلسطينية ، المعلنة والمعروفة منذ اكثر من ثلاثين عاما ، اي منذ اعلان الراحل ياسر عرفات قيام الدولة الفلسطينية في عام 1988 في الجزائر والعمل على كسب الاعتراف الدولي بها ، فإن اهمية قرارات هذه الدورة تتمثل في جانبين اساسيين : اولهما ان اجتماع المجلس الفلسطيني في رام الله وما تمخض عنه من قرارات قد صبت في مسار ما يمكن تسميته إعادة إحياء منظمة التحرير الفلسطينية ، ووقف مرحلة التراجع بالنسبة للقضية الفلسطينية ، وهي المرحلة التي ظهرت بوضوح مع مرحلة الفوضى التي دخلتها المنطقة تحت وهم الربيع العربي والتحول الديمقراطي ، والتي أدت من بين ما أدت اليه الى ما نحن فيه اليوم من تراجع عربي على كل المستويات . وبالتالي فإن اجتماعات المجلس الوطني الفلسطيني ، وبرغم أي غبار حاول هذا الطرف الفلسطيني أو ذاك اثارته ، أعادت القضية الفلسطينية الى موضعها الطبيعي باعتبارها القضية المركزية بالنسبة للدول العربية ، وان حلها هو المدخل العربي الضروري والمهم لتحقيق الامن العربي وفي المنطقة ككل . أما الجانب الثاني الذي اضفى أهمية على اجتماعات المجلس الوطني الفلسطيني ، فانه يتمثل في انه تمت إعادة انتخاب الرئيس محمود عباس كرئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية ، بما يعنيه ذلك من تجديد الثقة به ، والرد على محاولات إضعافه والنيل منه وحتى اتهامه من جانب اسرائيل بمعاداة السامية ، لتشويه موقفه ، وهي تهمة قديمة سبق لإسرائيل اتهام ابو مازن بها ، كما أعاد المجلس تشكيل اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية من 18 عضوا تم اختيار 15 عضوا منهم ، وفقا لما اراد ابو مازن ، وترك المقاعد الثلاثة الاخرى شاغرة لحماس والجهاد والجبهة الشعبية القيادة العامة ، عندما تقرر الانضواء تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية والانضمام لها . يضاف الى ذلك ان المجلس الوطني الفلسطيني فوض المجلس المركزي القيام بمهامه في فترة عدم انعقاده ، ثم اصبح للمجلس المركزي الفلسطيني اتخاذ قرارات بشأن عضوية اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ، ابعادا وضما ومواجهة لأية ظروف طارئة ، وهو ما يضفي مرونة على العمل الفلسطيني خلال الفترة القادمة . جدير بالذكر انه الى جانب ما يتصل بإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية ، ورفض قرارات ادارة ترامب حول القدس ونقل السفارة الامريكية اليها ، فإن المجلس الوطني الفلسطيني سار خطوة هامة للأمام ، حيث قرر الانتقال من المرحلة الانتقالية ، أي من مرحلة سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني ، وفقا لاتفاقية اوسلو والاتفاقيات الاخرى ذات الصلة، الى مرحلة الدولة التي تناضل من اجل استقلالها وبدء تجسيد سيادة الدولة الفلسطينية بعاصمتها القدس الشرقية على حدود الرابع من يونيو عام 1967 ، باعتبار ان الهدف المباشر هو استقلال دولة فلسطين ، خاصة وان اسرائيل لم تف بالتزاماتها بهذا الشأن . ومن ثم اعلن المجلس رفض الحلول المرحلية والدولة ذات الحدود المؤقتة ، ودولة غزة ، ورفض إسقاط ملف القدس واللاجئين والمستوطنات تحت اي مسمى، أي رفض ما يتردد حول صفقة القرن ، كما اكد على وجوب تنفيذ قرار المجلس المركزي الفلسطيني في دورتيه الأخيرتين بوقف التنسيق الأمني مع إسرائيل بأشكاله كافة ، والتحرر من علاقة التبعية الاقتصادية مع اسرائيل ، والعمل على تعليق الاعتراف الفلسطيني بدولة اسرائيل الى ان تعترف بدولة فلسطين على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية ، والعمل على انهاء الاتنقسام الفلسطيني وتحقيق الوحدة لمواجهة التحديات القائمة ، والسعي الى محاسبة اسرائيل على جرائمها ضد الشعب الفلسطيني باستخدام أدوات القانون الدولي المتاحة. وتحمل هذه القرارات بوضوح رغبة فلسطينية كبيرة ، في الانتقال الى مرحلة اكثر فاعلية في مواجهة إسرائيل ، برغم الأوضاع الفلسطينية والعربية والإقليمية والدولية السائدة الآن . *ثالثا : انه بالرغم من ان اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية اجتمعت بتشكيلها الجديد عقب انتهاء اجتماعات المجلس الوطني الفلسطيني مباشرة ، واعلن صائب عريقات امين سر اللجنة التنفيذية انه تم بحث « سبل وضع آليات وجداول زمنية لبدء تنفيذ قرارات ومخرجات المجلس الوطني » وانها تواصل جهودها «لانهاء الانقسام وتحقيق الوحدة لمواجهة التحديات المختلفة»
، الا ان عملية تنفيذ قرارات المجلس الوطني الفلسطيني ، سواء فيما يتصل بالعلاقة مع اسرائيل والانتقال الى مرحلة الدولة ، أو فيما يتصل بالمصالحة ، لا يتوقف فقط على رغبة الرئيس الفلسطيني واللجنة التنفيذية ، ولكنه يتوقف على رغبة واستعداد وقدرة ومصالح اطراف عديدة فلسطينية واسرائيلية وعربية ودولية . وعلى سبيل المثال طالبت السلطة الفلسطينية برفع دعوى امام المحكمة الجنائية الدولية لمحاسبة اسرائيل على جرائمها ضد الشعب الفلسطيني ، الا ان الطلب شيء ، وتفعيل الدعوى شيء آخر . وعلى أية حال فانه من المـأمول ان تتمكن فتح وحماس من إعادة بناء الثقة بينهما ، وعلى نحو يفسح المجال أمام تعزيز وتقوية ادوات النضال الشعبي الفلسطيني ، خاصة بعد اتجاه حركة حماس نحو تبني الوسائل السلمية بشكل اكبر ، وبما يحقق التكامل بين فعاليات مسيرة العودة الكبري وبين قرارات المجلس الوطني الفلسطيني ، اما وضعهما في مواجهة بعضهما البعض كجزء من الصراع واللدد في الخصومة فإنه لن ينفع سوى إسرائيل فقط ومن شأن ذلك ان يلقي بمسؤولية كبيرة على عاتق كل القيادات الفلسطينية اليوم وغدا .