قرارات المجلس الوطني ومستقبل القضية الفلسطينية

د.أحمد سيد أحمد –
تحديات تفرض على الجانب الفلسطيني بكل فصائله ومنظماته ضرورة الإسراع في تحقيق الوحدة وتنحية الاعتبارات السياسية والأيديولوجية وتغليب المصلحة الوطنية الفلسطينية العليا عبر تقديم كل طرف لتنازلات حقيقية وتوافر الرغبة الصادقة في المصالحة وتنفيذ خطواتها

انعقد المجلس الوطني الفلسطيني في الأول من مايو لأول مرة منذ 22 عاما في ظروف وتحديات صعبة تواجه الجانب الفلسطيني خاصة بعد قرار الرئيس الأمريكي ترامب بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس والاعتراف بالقدس كعاصمة إسرائيل، كما أنه جاء في ظل تعثر جهود تحقيق المصالحة الوطنية الفلسطينية بين حركتي فتح وحماس وبقية الفصائل، إضافة إلى استمرار العدوان الإسرائيلي المستمر على المقدسات الإسلامية في القدس واستمرار حصاره للشعب الفلسطيني. وكلها تحديات مركبة ومعقدة تفرض على الفلسطينيين التحرك بفاعلية لمواجهتها للحفاظ على ما تبقى من القضية الفلسطينية.
ولاشك أن القرارات التي اتخذها المجلس الوطني الفلسطيني في بيانه الختامي رغم أنها ليست جديدة حيث تعد ذات القرارات التي اتخذها المجلس المركزي الفلسطيني في يناير الماضي إلا أنها تعكس أمرين:
الأول: هو التأكيد على الثوابت الفلسطينية المتمثلة فى حق إقامة الدولة لفلسطينية المستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ووفق حل الدولتين، والتأكيد على هوية القدس العربية والإسلامية ورفض سياسة الأمر الواقع الإسرائيلية في تغيير هويتها وتغيير تركيبتها الديمغرافية ونشر المستوطنات بها، كذلك التأكيد على حق العودة للشعب الفلسطيني.
الثاني: هو أن عملية المصالحة الفلسطينية وتحقيق وحدة الصف الفلسطينى لا تزال عملية طويلة وتواجه تحديات كبيرة أظهرتها مقاطعة حركتي حماس والجهاد لاجتماعات المجلس ورفض قراراته، وهو ما يمثل حجر عثرة كبيرة أمام إنهاء الانقسام الفلسطيني والارتقاء إلى مسؤولية مواجهة التحديات الضخمة أمام الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة.
فقد كانت أبرز قرارات المجلس الوطني هي أن التزامات الفترة الانتقالية وفق اتفاقات أوسلو والقاهرة وواشنطن لم تعد قائمة ورفض الحلول المرحلية والدولة ذات الحدود المؤقتة ودولة غزة وكلف المجلس اللجنة التنفيذية تعليق الاعتراف بإسرائيل إلى حين اعترافها بدولة فلسطين على حدود عام 1967 وإلغاء قرار ضم القدس الشرقية ووقف الاستيطان، ورفض المجلس قرار ترامب بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس ودعا إلى العمل لإسقاط القرار الأمريكي الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، كما حض على وقف التنسيق الأمني بأشكاله المختلفة مع إسرائيل والتحرر من علاقة التبعية الاقتصادية للاحتلال. وأكد اللجوء إلى أدوات القانون الدولي من أجل محاسبة إسرائيل على انتهاكاتها، وارتكابها جرائم حرب في غزة ، وتعجيل فتح تحقيق قضائي لمحاسبة ومعاقبة المسؤولين عن ذلك. وهذه القرارات تشير إلى أن المجلس الوطني أعلى جهة تشريعية فلسطينية لم يتخذ القرارات الفورية وإنما أوكل تنفيذ معظم هذه القرارات إلى اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، فالمجلس لم يدع إلى سحب الاعتراف بإسرائيل وإنما تعليق الاعتراف وهو ما يعني رسالة واضحة للمجتمع الدولي وللطرف الأمريكي أن الجانب الفلسطيني لا يريد أن يصل إلى طريق مسدود وإنما رهن تنفيذ قرارات بتغير الموقف الأمريكي والإسرائيلي.
غير أن النقطة الأهم في قرارات المجلس الوطني هو رفض الإدارة الأمريكية كراعٍ لعملية السلام، والدعوة إلى مؤتمر دولي كامل الصلاحيات برعاية دولية جماعية لرعاية عملية السلام، وتمكين دولة فلسطين بعاصمتها القدس على حدود 1967 من ممارسة استقلالها وسيادتها وحل قضية اللاجئين وفقا لقرار الجمعية العامة للامم المتحدة رقم 194. وهذا الموقف أعلنه في السابق الرئيس محمود عباس أبو مازن كرد فعل على افتقاد الولايات المتحدة للموضوعية والحيادية في رعايتها لعملية السلام وانحيازها للجانب الإسرائيلي بشكل واضح سواء في قرارات مجلس الأمن الدولي التي تدين العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني وأجهضتها الولايات المتحدة بحق الفيتو، أو عبر الدعم المتواصل المادي والعسكري لإسرائيل، ثم الأخطر حسم الإدارة الأمريكية لمصير القدس قبل أية مفاوضات واعتبارها عاصمة لإسرائيل مما يعني عمليا انتهاء عملية السلام.
ولا شك أن خيار تدويل رعاية عملية السلام وعدم تركها للانفراد الأمريكي الذي أثبت انحيازه الكبير لإسرائيل مما عرقل تقدم هذه العملية، يمثل خطوة مهمة وضرورية لتحقيق تقدم على مسار عملية السلام وذلك بإدخال أطراف أخرى مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وبعض الدول الكبرى مثل روسيا والصين، والتي أبدت تفهمها وانحيازا واضحا للحقوق الفلسطينية المشروعة ورفضها قرار ترامب بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس والتأكيد على حل الدولتين، غير أن هذا الخيار يواجه بعقبات كبيرة أبرزها رفض أمريكا التخلي عن رعاية عملية السلام ، أو إشراك أطراف أخرى معها، كذلك التعنت الإسرائيلي ورفض وساطة أو رعاية أطراف أخرى، كما حدث في عام 2016 ، عندما رفضت إسرائيل المبادرة الفرنسية لاحياء عملية السلام وفق حل الدولتين، اضافة إلى ذلك رفض إسرائيل التخلي عن القدس ورفض حق عودة اللاجئين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة ومحاولتها ، إسرائيل، الموافقة فقط على دولة فلسطينية أشبه بكنتونات ذاتية الإدارة ، منزوعة الصلاحيات، وهو ما يعني أن أية رعاية دولية متعددة الآلية سترتطم بصخرة التعنت الإسرائيلي وتكرار سيناريوهات السنوات السابقة في أن تظل عملية السلام محاولة لإضاعة الوقت بينما تستمر إسرائيل في سياسة فرض الأمر الواقع والقضاء على ما تبقى من القضية الفلسطينية عبر سياسات التهويد ونشر المستوطنات.
وقد قرر المجلس الوطني رفع الإجراءات العقابية عن قطاع غزة. والعمل الفورى على إعادة صرف الرواتب للموظفين والمستحقات في قطاع غزة، مؤكداً أن تأخر صرفها قد حدث لأسباب فنية. وشدد المجلس على ضرورة إنهاء الانقسام، وحل كافة أزمات القطاع، ورغم أن هذا القرار يمثل خطوة مهمة لتخفيف معاناة شعب قطاع غزة الذي يصل لمليوني شخص يعيشون تحت الحصار الإسرائيلي ونقص الموارد، لكن المجلس الوطنى لم يقرر خطوات عملية على الأرض لإنهاء الانقسام وإتمام المصالحة، خاصة بعد رفض حركة المقاومة الإسلامية حماس مخرجات المجلس الوطني الفلسطيني، مؤكدة أنها لن تعترف بها، وتسعى مع الفصائل لحماية المشروع الوطني وتحصين القضية الفلسطينية. ورغم أن المجلس الوطنى انتخب أعضاء اللجنة التنفيذية الخمسة عشرة برئاسة الرئيس أبو مازن وترك ثلاثة مقاعد شاغرة لعودة الحركات المقاطعة مثل حماس، إلا أن هذا يعكس استمرار حالة عدم الثقة بين الفصائل الفلسطينية وافتقاد الرغبة الجدية والحقيقية في انهاء الانقسامات وتحقيق المصالحة الوطنية مع استمرار تعثر تطبيق اتفاقات وتفاهمات المصالحة السابقة التى رعتها مصر وتقضي بتسليم قطاع غزة كاملا ومعابره الحدودية للسلطة الفلسطينية، وأن تتولى كامل الصلاحيات والمسؤوليات عن القطاع.
ولا شك أن الجانب الفلسطينيي في أضعف حالاته مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي والانحياز الأمريكي ونقل السفارة الأمريكية والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وفي ظل الظروف والمتغيرات التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط مع استمرار التوتر والعنف في العديد من الدول العربية مثل سوريا والعراق وليبيا واليمن، إضافة إلى الانشغال العالمي بملفات ساخنة مثل البرنامج النووي لإيران بعد الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي وكذلك الملف النووي والصاروخي لكوريا الشمالية، إضافة إلى ذلك استمرار الانقسام الفلسطيني وكلها تحديات تفرض على الجانب الفلسطيني بكل فصائله ومنظماته ضرورة الإسراع في تحقيق الوحدة وتنحية الاعتبارات السياسية والأيديولوجية وتغليب المصلحة الوطنية الفلسطينية العليا عبر تقديم كل طرف لتنازلات حقيقية وتوافر الرغبة الصادقة في المصالحة وتنفيذ خطواتها من أجل مواجهة تلك التحديات الكبيرة خاصة المترتبة على قرار نقل السفارة، كذلك توظيف حالة الزخم الدولي التي ترتبت على قرار ترامب ورفض المجتمع الدولي والقوى الكبرى والأمم المتحدة له، والعمل على تكثيف الجهود من أجل التحرك بفاعلية على كل المستويات الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني، وبدون ذلك ستكون قرارات المجلس الوطني تكرارا لقرارات المجلس المركزي الفلسطيني في يناير الماضي مجرد حبر على ورق، بينما تستمر إسرائيل في سياستها في القضاء على ما تبقى من القضية الفلسطينية.