اجتماعات رام الله واستحقاقات عديدة

ماجد كيالي – كاتب فلسطيني –
المجلس الوطني الفلسطيني كان بالفعل أمام استحقاقات داخلية وسياسية غاية في الأهمية وهي استحقاقات وجودية، وقد حاول التعامل معها في إطار البيئة الفلسطينية والإقليمية الراهنة ومن المأمول أن يتم البناء عليها .

برغم الخلافات والاعتراضات من جانب بعض الفصائل الفلسطينية الا ان القيادة الفلسطينية، وهي هنا قيادة منظمة التحرير الفلسطينية ، والسلطة و”فتح”، حسمت خيارها بشأن انعقاد دورة المجلس الوطني الفلسطيني، التي عقدت بالفعل قبل ايام في رام الله ، والتي تم في اطارها اعادة انتخاب الرئيس الفلسطيني محمود عباس لمنصب رئيس المنظمة والسلطة و”فتح”.
الجدير ذكره في هذا السياق، أن هذا التطور يأتي على خلفية انسداد عملية التسوية السياسية ، كما تم التوافق عليها في اتفاق أوسلو (1993)، لاسيما بعد انهيار الأوهام بخصوص اعتبار الولايات المتحدة راعياً نزيهاً، أو ضامناً موثوقاً، أو وسيطاً محايداً، في تلك العملية، بعد أن أطاح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بها، باعترافه بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل، وبإفراغه ما يعرف بالمرحلة الأخيرة من المفاوضات، المتعلقة بقضايا: القدس واللاجئين والمستوطنات والحدود)، من مضامينها. ومعلوم أن إسرائيل كانت أطاحت بالاتفاق المذكور، منذ قرابة عقدين، أي منذ رفضها تنفيذ استحقاقات المرحلة الانتقالية التي كان يفترض أن تنتهي عام 1999، وإصرارها، في حينه، على الانتقال للتفاوض حول القضايا الأساسية مباشرة، وهو ما جرى في كامب ديفيد الثانية في عام (2000)، حيث تفجّر كل شيء بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
على ذلك فإن المجلس الوطني الفلسطيني في الدورة الأخيرة كان إزاء استحقاقات مهمة، إذ الأزمة الوطنية الفلسطينية اليوم هي من النوع الشامل والمعقد والمتداخل، فهي إلى جانب انسداد الخيارات السياسية، واخفاق خيارات المفاوضة والمقاومة، بعد كل ما جرى، تشمل أيضاً، تقادم الكيانات السياسية الفلسطينية، ناهيك أن هذه الأزمة تشمل اليوم فقدان المعطيات الحاضنة لكفاح الفلسطينيين، بخاصة مع الانهيار في المشرق العربي. وفي الواقع فإن هذه الفترة هي أكثر فترة تجد فيها إسرائيل ذاتها في وضع أمن لعقود، وأكثر فترة تجد نفسها فيها في حل من تقديم أي تنازل للفلسطينيين، أو حتى للعالم العربي، مع علمنا بانزياحات المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين، القومي والديني، ومع وجود إدارة أمريكية غارقة في محاباتها لإسرائيل وتغطية مواقفها وسياساتها الاستعمارية والاستيطانية والعنصرية. على أية حال فإن الفلسطينيين، بعد كل هذه التجربة، وإزاء ما يتعرضون له في المعطيات الراهنة، بحاجة إلى خيارات نضالية جديدة بسبب تآكل أو فوات الخيارات السياسية التي جرى تبنيها أو انتهاجها طوال المرحلة الماضية، أيضاً، والتي اتسمت غالباً بطابع العسكرة، والتركيز على العمل المسلح، والاستخفاف بأشكال النضال الشعبية الأخرى، وضمن ذلك عدم الاهتمام الكافي فيما يتعلق ببناء الكيانات الوطنية وتنمية قدرات المجتمع. ويستنتج من ذلك أن إدراكاتنا للعملية الوطنية الفلسطينية، في ظروفنا الخاصة، يفترض أن تتأسّس على ركيزتين، الأولى، مواجهة إسرائيل وسياساتها الاحتلالية والاستيطانية والعنصرية. والثانية بناء المجتمع الفلسطيني، وتنمية موارد الفلسطينيين وتعزيز كياناتهم وترسيخ العوامل التي تسهم في صمودهم في أرضهم، مع ملاحظة ألا تضر العملية الأولى بالعملية الثانية، وألا تودي العملية الثانية إلى خلق واقع من الاحتلال المريح والمربح لإسرائيل. وبديهي فإن ذلك يتطلب، أيضاً: أولاً، وقف عملية المفاوضات، والتخلص من علاقات التنسيق الأمني والتبعية الاقتصادية مع إسرائيل، بشكل مدروس وحازم، وهو ما تم التقرير بشأنه في اجتماع المجلس المركزي (يناير 2018)، وأكد عليه المجلس الوطني الفلسطيني في اجتماعه الأخير ، والقيام بكل ما من شأنه تنمية اعتمادية شعبنا الفلسطيني على ذاته، وعلى موارده، وتطوير كياناته السياسية والمجتمعية.
ثانياً، إعادة ملف القضية الفلسطينية إلى الأمم المتحدة للقيام بمسؤولياتها، في هذا الشأن، على اساس قرارات مجلس الامن والجمعية العامة، ذات الصلة، سيما أن تلك القرارات لم تترك شيئاً لم تقله بخصوص مختلف جوانب الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ما يجعل الاستمرار في عملية المفاوضات مجرد ملهاة لفرض إملاءات إسرائيل على الفلسطينيين، والتهرّب مما قررته المرجعية الدولية، على نحو ما حصل في اتفاق أوسلو (1993)، الناقص، وهو ما ندفع ثمنه اليوم بعد ربع قرن على توقيع ذلك الاتفاق.
ثالثاً، تعزيز الجهود على الصعيد الدولي لتكريس عزلة إسرائيل، وفضح طابعها الاستعماري والعنصري، ومقاطعة مؤسساتها، السياسية والاقتصادية والعسكرية، وتعزيز العمل في أوساط المجتمع الإسرائيلي، لتنمية الاتجاهات المعادية للصهيونية، ولإسرائيل الاستعمارية والعنصرية، وإيجاد قواسم مشتركة لحل يتأسس على الحقيقة والعدالة والحرية والديمقراطية والمواطنة، في كل فلسطين.
رابعاً، التحول نحو الوسائل الشعبية في الصراع ضد إسرائيل، على نمط الانتفاضة الأولى (وليس الثانية)، حيث توفرت العوامل المناسبة، بالاعتماد على إمكانيات شعب فلسطين الخاصة، ووفقا لقدراته، وتجربته وخبراته، لأن هذا الشكل اثبت جدواه في تلك الانتفاضة، ولأنه يفوّت الفرصة على إسرائيل استدراج شعبنا لأية مواجهات تستخدم فيها قوتها العسكرية لاستنزاف المجتمع الفلسطيني وتقويض قدراته واضعافه، بالنظر للتجارب السابقة. وهذا يفيد بترشيد أشكال الكفاح ضد إسرائيل، وعدم البقاء أسرى أشكال نمطية، وعاطفية، وارتجالية، وفوق القدرات.
خامساً، يحتاج الفلسطينيون، أيضاً، إلى خيارات، أو رؤى سياسية جديدة، لأن السقف السياسي المطروح، والمتمثل في خيار الدولة الفلسطينية في الضفة والقطاع، ليس فقط لم يتحقق، إلا في صيغة “حكم ذاتي” للسكان، رغم مضي ربع قرن على أوسلو، وإنما لأن هذا الخيار لا يجاوب على مجمل أسئلة الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن تواجده، إذ هو فقط يشكّل استجابة لأوضاع الفلسطينيين تحت الاحتلال (1967)، في الضفة والقطاع. وكما أثبتت التجربة فإن هذا الخيار لا يجيب على التساؤل المتعلّق بحلّ قضية اللاجئين الفلسطينيين في مناطق اللجوء والشتات، والذين يشكّلون نصف الشعب الفلسطيني، ويمثّلون جوهر القضية الفلسطينية، ولا على التساؤل المتعلق بهذا الجزء من شعب فلسطين الذي بقي صامداّ في أرضه (1948). هذا مع العلم أن إسرائيل تصارع الفلسطينيين أيضاً على ما تعتبره حقا لها في الضفة والقدس الشرقية، وهو الواقع المرير الذي وصفه الرئيس الفلسطيني ذاته، باعتباره أن السلطة لا سلطة لها فالسلطة للاحتلال، وأن قيام السلطة على هذا النحو اوجد واقعا مريحاً لإسرائيل ولاحتلالها.
المجلس الوطني الفلسطيني كان بالفعل امام استحقاقات داخلية وسياسية غاية في الأهمية وهي استحقاقات وجودية، وقد حاول التعامل معها في اطار البيئة الفلسطينية والاقليمية الراهنة ومن المأمول ان يتم البناء عليها .