ندوة المهلب توصي بإنشاء صندوق وطـني لتـمويل البــحـوث العلمــــية

برقية شكر وعرفان لجلالة السلطان من المشاركين –
تخصيص قسم لآل المهلب بالمتاحف العمانية وتذكير الأجيال بمكانتهم –
تابع الندوة: عاصم الشيدي –
أوصت ندوة المهلب بن أبي صفرة في ختام أعمالها أمس بإنشاء قسم خاص في المتاحف العمانية يضم الآثار المادية لآل المهلب خاصة المسكوكات النقدية، كما أكدت توصيات الندوة بأهمية إطلاق اسم المهلب على عدد من منشآت الدولة العلمية والتربوية والبحثية والمنافذ الحدودية في السلطنة لتخليد اسمه في الذاكرة العمانية وتذكير الأجيال به وبمكانته التاريخية.

كما أوصلت بأهمية إنشاء صندوق وقف علمي وطني لتمويل البحوث العلمية والأكاديمية في المجالات الإنسانية: التاريخية والثقافية واللغوية والتربوية ونادت الندوة بضرورة تعميق البحث العلمي حول أصول آل المهلب ونشأتهم في عمان والاعتماد على القرائن التاريخية والشواهد الأثرية.
وكانت الندوة الدولية حول المهلب بن أبي صفرة الأزدي العماني التي انطلقت صباح أمس الأول قد اختتمت أعمالها أمس بتلاوة التوصيات من قبل الباحث يونس بن جميل النعماني. وأكدت الندوة في مجمل أوراقها على الأدوار السياسية التي لعبها آل المهلب خلال الدولة الأموية قبل أن تحل بهم النكبة المعروفة ويتم ملاحقتهم في أصقاع الدنيا من قبل الأمويين، كما توصلت الندوة إلى مسلّمة إن عمانية المهلب لا يعتريها الشك من حيث إنه ولد في عمان ونسب لها وإن اختلف المؤرخون حول مكان ميلاده فإن دبا التي ينسبه بعضهم لها هي أرض عمانية منذ ما قبل الإسلام وإلى اليوم.

وأوصت الندوة بعد يومين من أوراق العمل التي شارك فيها باحثون من السلطنة، وعدد من الدول العربية بتعزيز التعاون بين السلطنة والعراق للتنقيب عن تراث المهالبة في البصرة ودراسة أكاديمية لإخراجه إلى الجمهور، وتفعيل الاستثمار الثقافي في أعلام عُمان ومنهم آل المهلب وذلك بإنتاج مواد تعليمية وثقافية سمعية وبصرية وأفلام كرتونية لترسيخ القيم الحضارية لتلك الرموز الأعلام بما يحقق أهداف التنمية المستدامة.
كما أوصت الندوة بطباعة بحوث الندوة باللغتين العربية والإنجليزية ورقيا وإلكترونيا ونشرها داخل عمان وخارجها، إضافة إلى ترجمة الكتب والدراسات غير العربية المعنية بشخصية المهلب بن أبي صفرة وآل المهلب إلى اللغة العربية.
وجاء في توصيات الندوة تأكيد على أهمية توجيه الباحثين وطلاب الدراسات العليا في الجامعات العمانية لإجراء المزيد من الدراسات والبحوث الرزينة حول آل المهلب لتقديم صورة واضحة عن جهود واضحة عن هذه الأسرة الحضارية.
وجاء في البيان الختامي للندوة «أن في تاريخ الأمم والشعوب، وخاصة الأمم الحضارية، شخصياتٌ أثرت في الحضارة الإنسانية بما خلفتهُ من أعمالٍ ومواقف. وإذا قيست الدول بالعمق التاريخي، فلعمانَ منها نصيب وافر، وإذا قيست بالأهمية الاستراتيجية فلعمان مكانة لا تخفى على أحد، وإذا قيست بالأهمية الحضارية فلعمان عمق حضاري ممتد».
وأضاف البيان: «التاريخُ ليس فقط بماضيه التليد ولكن بإسهاماته الحضارية المتميزة التي يشهد لها القاصي والداني.
وقد تضمنت أعمال الندوة عدة أوراق علمية رصينة قدمها أساتذة متخصصون في مجال الدراسات التاريخية والحضارية، اشتهروا بالنزاهة العلمية، قدموا خلالها ما سطره التاريخ عن سيرة هذا القائد العماني الفذ.
فقد جالت أوراق الندوة بين التأصيل العلمي لنسب وأصول أسرة المهالبة، وأثر النشأة في تكوين شخصيته، وأهم أعماله الحربية والسياسية من أجل رفعة الأمة الإسلامية.
وألقى الدكتور محمد المحروقي كلمة في ختام الندوة أكد فيها أهمية الندوة والجهود التي بذلت من أجل إنجاحها شاكرا الجميع على جهودهم. كما ألقى الشاعر سليمان العبري قصيدة بالمناسبة.
وكانت الندوة قد استأنفت أوراق عملها صباح أمس بورقة قدمها الدكتور محمد الديباجي أستاذ الأدب العربي والدراسات القرآنية بكليات الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس. وتحدث الديباجي عن وصية المهلب بن أبي صفرة لأبنائه مستقرئا فيها الكثير من الصفات التي تميز بها المهلب سواء ما تعلقت بالأخلاق والقيم أو بقوة الشخصية.
وقال الديباجي: إن من بين الشخصيات التي يحق لعمان والأمة العربية أن تفخر بها شخصية المهلب بن أبي صفرة مشيرا إلى أن هذا المهلب شهد النور في بلده وبلد أجداده أرض عمان المباركة، درج فوق تربتها وليدا وشابا يافعا، وتشبع فيها بالخصال الحميدة والشيم العربية العريقة ولا سيما الشجاعة والحزم، ثم انتقل إلى العراق، ولم يلبث أن أصبح فيها سيدا بعمله وحزمه وذكائه وبعد نظره».
وأضاف: لما نثر عبدالملك بن مروان كنانته ليحارب الأزارقة وقد أرهقوه وكادوا يعصفون بعرشه لم يجد أصلب عودا يرميهم به خيرا من المهلب بن أبي صفرة، فسلّطه عليهم، فما زال المهلب يرميهم سهما بعد سهم، ويقيم عليهم الدائرة بعد الأخرى ست عشرة سنة حتى ظفر بهم وقطع دابرهم، وانتصر عليهم نصرا عزيزا مؤزرا. وبذلك خلص الملك لبني مروان. ولولا المهلب لدك الأزارقة عرش بني أمية وقضوا على ملكهم وهو بعد في مهده.
وقال الباحث: تحدّث المؤرخون ورواة الأدب القديم، لا سيما المبرد وغيره، طويلا عن المهلب وذكائه ودهائه وحسن سيرته وبعد نظره. ولعل خير ما تتجلى لنا فيه شخصية المهلب وصيته لأبنائه حينما نزل به الموت. وقد أورد هذه الوصية أبو العباس محمد بن يزيد المبرد في كتابه «التعازي والمراثي»، وهو كتاب حققه الباحث، وطبعه مجمع اللغة العربية بدمشق قبل ثلاثين سنة. وقال الباحث في ذلك التحقيق وفق ما قاله في الندوة: «إن في هذه الوصية تتجلى شخصية المهلب بن أبي صفرة، ففيها يظهر حزمه وعزمه؛ ففضل الرجل يظهر في فعله لا في أقواله، فالقائد العظيم والإمام القدير هو الذي يفعل أكثر مما يقول. يقول المهلب لأبنائه في هذه الوصية: (يا بنيَّ إني أحب للرجل منكم أن يكون لفعله الفضل على لسانه، وأكره للرجل منكم أن يكون للسانه الفضل على فعله. يا بنيَّ اتقوا الجواب وزلة اللسان؛ فإني وجدت الرجل تعثر به قدمه فيقوم من زلته وينتعش منها، ويزل لسانه فيوبقه وتكون فيه هلكته. يا بني إذا غدا عليكم رجل أو راح فكفى بكم مسألة وتذكرة في نفسه). وفي هذه الوصية يظهر حرصه الشديد على التشبث بالأخلاق الطيبة التي ترفع من قيمة صاحبها ويسود بها. ويوصي أبناءه بالتأدب بأدب الصالحين، ويوصيهم بالشجاعة في الحرب، فالقائد لا يمكن أن يكون قائدا إلا إن كان شجاعا يأخذ بتلابيب الشجاعة التي تؤدي به إلى تحقيق هدفه واكتساب العزة لقومه.
وأضاف الباحث: إن المهلب يبدو في وصيته رجلا قوي الشخصية إذا وعد وفى وإذا قال فعل.
بعد ذلك قدم د. محمـود بن ناصــر الصقـــري ورقة حملت عنوان «الحركة الأدبية في بلاط المهالبة» بدأها باستعراض نسب المهلب ومكان مولده وميلاده وصفاته التي اتصف بها مؤكدا أنه كان فارسا محنكا مقداما من أشجع الناس وأدهاهم، برز في مجال الحرب والقتال، وكان أيضا سيدا جليلا ونبيلا وحكيما».
تحدث الصقري عن عمانية المهلب بن أبي صفرة مفندا ما روي عن انتسابه إلى أهل دبا بالقول إن دبا كانت تابعة إلى عمان وما زال جزء منها ضمن عمان حتى اليوم.. لكن الصقري ذهب للقول إن المهلب من أدم مستندا على ما كتبه الشيخ سيف البطاشي، وفي سياق ذلك فند حديث ردة أهل دبا محاولا وضع الرواية في سياقها التاريخي الحقيقي.
ثم تحدث عن المؤثرات في الحياة الأدبية في عصر المهلب بن أبي صفرة مشيرا إلى أنها مؤثرات سياسية مشيرا في سياق ذلك إلى الخلافات التي حدثت خلال نقل الأمويين حكمهم من الحجاز إلى بلاد الشام وتحويله إلى حكم وراثي وهو ما فتح عليه الكثير من الجبهات خاصة جبهة الخوارج والأزارقة منهم بشكل خاص.
وأشار الباحث إلى أن الأدب العربي في عصر بني أمية بصفة عامة وفي بلاط المهالبة بصفة خاصة وجد بيئات جديدة غير بيئة الجزيرة العربية مهده الأول فتلون الأدب بألوان البيئات الجديدة وتأثر بها.
وأضاف الباحث: كان لبلاط المهالبة الصدى القوي في الحياة الأدبية في ذلك العصر، فنشط الشعراء والأدباء وكل يتسابق في بلاط بني المهلب يمدحونهم ويبالغون في إطرائهم ليظفروا بالعطايا والصلات».
وأكد الباحث أن المهالبة أجزلوا العطاء للشعراء وذلك ما شجع فن المدح ليكون الفن الأول في الشعر العربي.
كما قدم الباحث عبدالله بن سعيد الحجري ورقة بعنوان «أدب المهالبة: القيم الأخلاقية، والخصائص الفنية». قال فيه: إن المطالع لكتب الأدب القديمة يشده ما يجده مبثوثا في صفحاتها من أقوال رائقة، ومعان عجيبة تُعزى إلى آل المهلب بن أبي صفرة في حالَي السلم والحرب. وهي مع جزالة لفظها وحسن سبكها تفيض حكمة، وتتفجر بالقيم الأخلاقية النبيلة كالشجاعة، والحزم، والأنفة، والرجولة، والجود، وتنم عن كبَر نفوس آل المهلب، وعلوّ هممهم، وما اكتسبوه من حِكَم من سبقهم، وخبرتهم في الحياة التي ذاقوا حلوها ومرها، تابعين ومتبوعين، أمراء وقادة جيوش. ومن تلك الأقوال وصية المهلب لبنيه، ورسائله إلى الحجاج، وخطبة يزيد بواسط، وخطبة كعب الأشقري أمام الحجاج التي وصف فيها أبناء المهلب.
وحاول الباحث أن يجمع ما في بطون الكتب التي عنيت بتراث المهالبة، مثل البيان والتبيين للجاحظ، ومحاضرات الأدباء للأصفهاني، ونثر الدر للآبي، وأدب الكاتب للصولي، وغيرها؛ لدراستها وتحليلها، ويلفت نظر الباحثين إلى استقصائها ودرسها. ومن الخصائص الفنية التي اتسمت بها تلك النصوص في مجملها صدق العاطفة وعمقها واستمراريتها وسموها، وموضوعية الأفكار والمعاني وعقليتها، أما الخيال فيظهر في بعضها فقط، ويغلب عليها الأسلوب الإنشائي جزل الألفاظ واضح العبارات.