ندوة المهلب بن أبي صفرة تؤكد أدواره السياسية وعمانيته المنقوشة في أمهات كتب التاريخ

المصادر العمانية أكدت مولده في أدم والكتب المتقدمة نقلت عن مصدر واحد للكلبي –
عبدالعزيز الرواس: الاعتداء على الأموات ليس من شيم الكرام ونحن ننصر الحق والتاريخ –
تابع الندوة : عاصم الشيدي –
أكدت الندوة الدولية «المهلب بن أبي صفرة الأزدي العماني» التي بدأت أعمالها صباح أمس على الدور الكبير الذي قام به المهلب بن أبي صفرة في الفتوحات الإسلامية وفي القضاء على خطر الأزارقة. وأكدت الندوة على عمانية المهلب بن أبي صفرة بتتبع نسبه وبرصد ما كتبته المراجع التاريخية المتقدمة. ورعى حفل افتتاح الندوة التي نظمتها جامعة نزوى ممثلة في مركز الخليل بن أحمد الفراهيدي معالي عبدالعزيز بن محمد الرواس مستشار جلالة السلطان للشؤون الثقافية الذي أكد أن الندوة تأتي «لوقف الاعتداء على أسلافنا وتاريخنا» مشيرا إلى أن التاريخ ليس إرثا لأحد ولكن الشخصيات تعود لأوطانها وانتمائها»، وأضاف مستشار جلالة السلطان للشؤون الثقافية: «تمنينا أن تكون ندوة المهلب بن أبي صفرة هذه لمد جسور الحوار مع الآخرين ليكونوا جزءا من هذه الأرض الطيبة التي تحتوي الكثير، لكنهم تركوا عمانيتهم وذهبوا لشيء آخر، تاهوا في الأرض أربعين عاما وعادوا الآن مرة أخرى يريدون أن يكونوا عمانيين.. على الرحب والسعة ولكن يجب أن نسمي الأشياء بمسمياتها ونعطي الحق لأصحابه». وقال الرواس للصحفيين بعيد انتهاء الندوة «الاعتداء على الأموات ليس من شيم الكرام، ونحن اليوم هنا لنصرة هذا الحق والتاريخ الممتد من مالك بن فهم وإلى ما قبل الملكة شمساء وصولًا إلى عهد حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد-حفظه الله وأيده بالصحة والعافية» مناشدا الجميع «كفى اعتداء على الأموات».

تهدف الندوة إلى رسم صورة واضحة لحياة المهلب بن أبي صفرة وإبراز دوره العسكري والسياسي ودور آبائه في عُمان والحجاز والعراق وإفريقيا وجرجان ودراسة الأدوار التاريخية للمهالبة وتحديد معالمهم الأثرية في ولاية أدم بمحافظة الداخلية.
وشملت الندوة على معرض احتوى على صور وخرائط تكشف حدود عمان التاريخية حيث عرضت خارطة تاريخية لعمان تعود إلى عام 1932م تكشف حدود عمان الممتدة إلى أرض بينونة. كما عرضت صورة للإمبراطورية العمانية في عهد السلطان سعيد بن سلطان البوسعيدي وخارطة أخرى توضح الشرق الأدنى القديم وهي منقوشة على أرضية قاعة التاريخ القديم في متحف الفنون الجميلة في بوسطن بالولايات المتحدة وتوضح خارطة عمان في شبه الجزيرة العربية التي لا تورد أي دولة إلا عمان وتشير إلى صحراء الربع الخالي باسم «عربي». كما كان ملفتا في المعرض عرض صورة تاريخية تعود لعام 1970م يبدو فيها حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم يسير متقدما الشيخ زايد بن سلطان خلال مباحثات بين الطرفين ويبدو في الصورة السيد طارق بن تيمور.
وافتتحت الندوة بكلمة للدكتور محمد بن ناصر المحروقي رئيس اللجنة العلمية للندوة ومدير مركز الفراهيدي بجامعة نزوى الذي أكد أن الندوة تأتي في إطار الجهود الوطنية المبذولة عبر البحث العلمي للإسهام الفاعل في صون الإرث التليد لأمتنا العظيمة بشقيه المادي والمعنوي، مبينا أنه في هذا المسعى تتكامل جهود مركز الخليل بن أحمد الفراهيدي للدراسات العربية والإنسانية بجامعة نزوى عبر سلسلة ندوات تعنى بأعلام عُمان تخليدًا لعطائهم الإنساني الفياض وتمحيصًا علميًا دقيقًا لنزع ما قد يشوبه من دخن الزمان وعوالق الهوى.
وأضاف المحروقي أن علم هذه الندوة هو المهلب بن أبي صفرة الأزدي العماني وهو الشخصية القيادية الفذة التي برعت في فنون الحرب وصنع الانتصارات كما أشرقت في إدارة الأقاليم وترسيخ الملك والذي نشأ في بيت زعامة وقيادة لقومه.
وقال المحروقي: إن المهلب نشأ في بيت عز وجاه مع والده «أبو صفرة سارق بن ظالم العتكي الأزدي الذي وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلن إسلامه وكناه بأبي صفرة ثم وفد على خليفة رسول الله أبي بكر الصديق رضي الله عنه ضمن وفد عُماني رسمي رفيع المستوى بقيادة عبد بن الجلندى وكان خطيب الوفد فألقى كلمة الوفد في مسجد رسول الله كما يحفظ التاريخ لهذا الأب الزعيم درسًا لا ينسى في تربية القادة.
وأكد المحروقي في كلمته أن التاريخ العماني يضرب بجذوره في القدم منذ سبعة آلاف سنة وفي كثير من مراحل التاريخ كانت امبراطورية عُمان قوية سادت بحار العالم وتمددت على أراض آسيوية وهندية وإفريقية «وأنجبت هذه الأرض الكثير من القادة والعلماء العظام والإرث الفكري والحضاري العُماني بمخطوطاته ووثائقه» التي هي شاهد على تلك الإنجازات رغم أنه متوزع في دول العالم في فارس والهند والبرتغال وشرقي إفريقيا حتى جزر القمر ومدغشقر.
وأضاف الدكتور محمد بن ناصر المحروقي رئيس اللجنة العلمية للندوة ومدير مركز الفراهيدي بجامعة نزوى أنه مع الجهود الكبيرة والمقدرة التي تبذلها المؤسسات الرسمية فإن المهمة تعد كبيرة جدًا جدًا داعيًا الجامعات والمراكز البحثية الحكومية والأهلية إلى أن تباشر لتوثيق ذلك التراث وحفظه وعرضه للداخل والخارج في عُمان والعالم وتكثيف العمل لتقديم هذا التراث للنشء حفاظًا على الهوية والأصالة المميزة لعُمان معتبرًا أن الانقطاع عن التراث «خيار من لا خيار له» داعيا إلى إنشاء صندوق وقفي يساهم فيه الجميع ليكون داعمًا لهذه الجهود على أن يسخر ريع هذا الوقف لتمويل الأبحاث العلمية.

وقفات مع تاريخ عمان

واستبق الدكتور سعيد بن محمد الهاشمي من قسم التاريخ بجامعة السلطان قابوس تقديم أوراق العمل التي سيشارك فيها لاحقا بتقديم إضاءات من التاريخ العماني تحدث فيها عن جغرافية عمان
مشيرا أنها كانت تمتد إلى منطقة سلوى وأرض بينونة التي تفصل بين الأحساء وعمان وحدد موقعها بالخط 50 شرقا وفق اعتماد الدولة العثمانية وبريطانيا عام 1913 وفي الجنوب إلى بلاد الشحر. واستعار الهاشمي مقولة للمقدسي تقول: «عمان كبيرة وعرضها 50 فرسخا» ومن ابن خلدون قوله: «عمان إقليم سلطاني يمتد إلى البحرين وحضرموت».
وتحدث عن عمان قبل التاريخ في ظل دولة السومريين مشيرا إلى أن المصادر تقول أن امراة كانت تحكمهم اسمها شمس أو شمسة كما تقول المصادر المتأخرة.
ثم تحدث عن تاريخ عمان بعد التاريخ مشيرا إلى مالك بن فهم ومرحلة معولة بن شمس بعده مرورا بالإمامة الأولى والثانية والثالثة والرابعة استمرت فيها عمان كيانا سياسيا متحدا وثابتا.
ثم تحدث الهاشمي عن 7 إضاءات موجزة ولكنها عميقة عن التاريخ العماني وكأنها مراحل فاصلة في التاريخ العماني القديم كانت عن وصول مالك بن فهم لعمان وتحريرها من الاحتلال الفارسي في معركتي سلوت وقلهات، ثم دخول الإسلام لعمان ثم إضاءة للقرن الثالث الهجري والإمامة الثالثة التي ظهرت فيها كتب فكرية وفقهية ونظام إداري وصناعة تمثلت في صناعة السفن وتوحيد عمان تحت راية الإمامة الصلت بن مالك الخروصي وتحرير سقطرى، ثم إضاءة لدولة اليعاربة التي نجحت في طرد البرتغاليين ليس من عمان والخليج بل من المحيط الهندي، ثم إضاءة الإمام أحمد بن سعيد الذي أعاد توحيد عمان بعد أن ساد الدولة الضعف في نهاية حكم اليعاربة، ثم إضاءة للإمبراطورية العمانية في عهد السيد سعيد بن سلطان حيث ظهرت كتب كثيرة، ثم إضاءة للنهضة العمانية الحديثة التي قادها جلالة السلطان قابوس بن سعيد -حفظه الله ورعاه-. وهي إضاءات حاول من خلالها الهاشمي أن يقف على المفاصل المهمة التي مر بها التاريخ العماني.

لولا المهالبة لسقطت «الأموية»

وكانت أولى الأوراق العلمية في الندوة تستقصي دور آل المهلب بن أبي صفرة في المشرق الإسلامي خلال العصر الأموي قدمها البروفيسور العراقي فاروق عمر فوزي.
وبدأ البروفيسور ورقته بوضع أرضية لتفاصيل المشهد الذي كان سائدا في عهد المهلب بن أبي صفرة، والظروف التي قادت إلى نكبة المهالبة. وقال الباحث إن ما جاء للمهالبة من نكبة لم يكن عادلا حيث لولاهم لما بقيت دولة بني أمية. وتحدث الباحث كثيرا على التقسيمات التي كانت سائدة في الحجاز والعراق التي كانت تحت سيطرة عبدالله بن الزبير وبلاد الشام التي كانت في يد المروانيين ومقسمة إلى أجناد. وأشار الباحث إلى جهود المهلب بن أبي صفرة في القضاء على الخوارج الأزارقة. وفي السياق نفسه تحت الباحث عن المهلب الذي لم يكن يتدخل في الفتن التي كانت سائدة في ذلك الوقت والتي ظهرت بين القبائل حيث عزل نفسه عن الفتنة زمن عبدالله بن الزبير وكذلك عزل جماعته الأزد. لكنه أشار إلى أن المهلب بن أبي صفرة عندما كان يكلف بمهمة عسكرية من قبل الدولة القائمة في ذلك الوقت كان ينفذها ثم بعد ذلك يعود إلى قاعدته البصرة. وأشار الباحث إلى أن عبدالملك بن مروان أوصى الحجاج بالمهلب وأمره أن يعتمد عليه كمستشار الأمر الذي لم يعجب الحجاج لأنه رأى في ذلك تمكينه فوقه، فيما كان المهلب متزنا في مواقفه.
المهلب في المسكوكات الإسلامية.

بعد ذلك قدم الباحث جمال بن محمد الكندي قراءة في تاريخ آل المهلب من خلال استقراء المسكوكات الإسلامية. مؤكدا في بداية حديثه عن دور مثل هذه الآثار في قراءة التاريخ وفي كشف الحقائق نظرا لما تتسم به من قطعية الدلالة وقال الكندي «تعتبر النقود بصفة عامة والمسكوكات الإسلامية بصفة خاصة من أقوي وأهم أشكال الوثائق الأخرى: الحجرية والجلدية والخشبية والورقية، لما لها من والحقب الزمنية». ثم تحدث عن أبرز المسكوكات التي سكّها المهالبة والتي كان في مقدمتها «درهم المهلب بن أبي صفرة» الذي ضرب بيشابور سنة 76هـ. وهذا
الدرهم وفقا للباحث من الطراز الساساني المعرّب عليه اسم «المهلب» باللغة الفهلوية. والتعريب هو إضافة المأثورات مثل: بسم الله – الله أكبر – ربي الله – الحمد لله – وكذلك شهادة التوحيد. على طوق الدرهم الخارجي «الهامش». وحسب الباحث فإن هذا يثبت أهمية المهلب كونه أحد كبار قادة الجيوش، وهو أمير وسياسي محنك، يشد أزره أتباعه من قبائل الأزد العمانية. ثم تحدث عن درهم «يزيد بن المهلب» وهو درهم ساساني معرّب أيضا. وهذا الدرهم مسكوك في كرمان ومكتوب عليه «قوة يزيد بالله»، ثم عُرض درهم آخر ليزيد مكتوب عليه هذه المرة باللغة العربية اسم يزيد بن المهلب وهو مسكوك عام 84هـ. ثم عُرض فلس لروح بن حاتم ضرب في صحار سنة 141هـ، وروح بن حاتم هو من أحفاد المهلب بن أبي صفرة وكان واليا على صحار. وهذا «الفلس» محفوظ بجامعة توبنجن الألمانية. وهو من النوادر. ويدل على دور آل المهلب في عمان. وروح بن حاتم تم تعيينه من قبل الخليفة العباسي عبدالله السفاح في بداية حكمه سنة 132هـ بعد القضاء على دولة بنو أمية، بمساندة من آل المهلب. ومن المرجح أن هذا السك وقع بعد استشهاد الإمام الجلندى بن مسعود.
ثم عُرض درهمان نادران ضربا على الطراز الساساني الطبرستاني سنتي 146 و147هـ وهما أول سك يظهر بعد فتح طبرستان. وهنا يأتي دور آل المهلب في قيادة الجيوش والفتوحات الإسلامية. وهذا الدرهم لم يضرب بالطراز الإسلامي العباسي بل بالطبرستاني، والمأثورات فيه باللغة العربية والخط الكوفي.

المهالبة في جورجان

وقدم الباحث الدكتور إبراهيم بن عبدالمنعم سلامة أستاذ التاريخ في جامعة الإسكندرية ورقة بعنوان «أضواء جديدة على دور المهالبة السياسي والثقافي في جرجان. مشيرا إلى أن دبا التي تورد بعض المصادر انتماء المهلب بن أبي صفرة لها كانت قصبة عمان أي عاصمتها. وقال الباحث «اعتمدت الحكومات المركزية والمستقلة منذ قيام الدولة العربية الإسلامية في تدبير شؤون الحرب والسياسة والإدارة على النابهين من رجالات الأسر الشريفة. وكان آل المهلب العمانيون أسرة ذات رياسة ونباهة منذ فجر الإسلام، فقد كان لهم دور بارز في الفتوحات الإسلامية على الجبهة الشرقية في عهدي الخليفتين عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان. كما شاركوا مثل غيرهم من العشائر والقبائل العمانية في فتوح فارس والسند، منذ استقرارهم بالبصرة في خلافة عثمان بن عفان. وكانوا في حزب الخليفة علي بن أبي طالب بعد معركة الجمل ضد خصومه. وقد اشتهر المهالبة كما يذكر العوتبي بالتزام طاعة أولى الأمر، فالتحقوا بخدمة الأمويين وصاروا من رجالاتهم، وارتفعت مكانتهم لديهم، فقد عهدوا إلى المهلب بن أبي صفرة رأس هذه الأسرة بعدة مهام عسكرية كبرى في خراسان والسند وبلاد ما وراء النهر. كما أوكلوا إليه وأولاده مهمة التصدي لخطر الخوارج الأزارقة والقضاء عليهم. وقال الباحث إن المهلب وأولاده، وأشهرهم يزيد بن المهلب، تقلدوا أرقى المناصب الإدارية والعسكرية في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان وولده سليمان، وبلغت جهودهم في الفتوحات بلاد فارس وبلاد ما وراء النهر مشيرا غلى أن رجال منهم برزوا وذاع صيتهم في الآفاق، بما اتصفوا به من علم، وحزم وشجاعة، وكفاية إدارية، وجُود وكرم. وفي ذلك يذكر ابن خلكان «وخلّف المهلب عدة أولاد نجباء كرماء أجواد أمجاد».
ثم تحدث الباحث عن جُرجان مشيرا أنها اليوم مدينة إستراباذ من أعمال مازندران في جمهورية إيران الإسلامية شأن عظيم في التاريخ العلمي الإسلامي، لشهرتها بكثرة النابغين من علمائها وشيوخها وفضلائها. وكان للمهالبة دور سياسي وثقافي مهم بها؛ فهم الذين فتحوها بين سنتي 97-98هـ، ومَصرّوها، ونشروا الإسلام بها. وكانت من ولاياتهم زمن الأمويين، كما تقلد خالد بن يزيد ولايتها وقيادة جيوشها في عهدي المهدي وولده الهادي العباسيين. وقد استقر بعضهم هناك وتناسلوا بها. ومن أشهرهم: عقب مخلد بن يزيد بن المهلب، وأبناء عمه أبي عُيينة بن المهلب وأحفادهم، وأسباطهم. وقد برز من هؤلاء المهالبة علماء في الفقه، والحديث، ورواية الأخبار، وكان منهم أيضا شعراء، وزهاد. ومع ذلك فلم يوجه الكُتاب المحدثون لدورهم هذا ما يستحقه من اهتمام، فلم يفردوا له بحثًا قائما بذاته، وكل ما كتب عنه لا يعدو نتفًا متفرقة عن فتح يزيد بن المهلب لجرجان، وبنائها في ثنايا الحديث عن الفتوحات الإسلامية. بينما أغفلوا إسهاماتهم الثقافية الأخرى هناك، ولم يأتوا عليها، مما دفعني لمعالجة هذا الموضوع في هذه الدراسة مستهدفًا إبراز ملامح هذا الدور وأهميته، وتسليط الضوء على بعض مآثر آلِ المهلب ومناقبهم المنسية، بتوظيف بعض المصادر المنشورة والمُحققة التي لم توظف من قبل بالقدر الذي يتناسب وأهميتها، منها: الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، والمُعجم في أسامي شيوخ أبي بكر الإسماعيلي لأبي بكر الإسماعيلى الجرجاني، وتاريخ جرجان للسهمي الجرجاني.

 

الباحثون: المهلب عماني بتوقيع التاريخ ولولاه لسقطت الدولة الأموية – 

نسب المهالبة

ثم بعد ذلك قدم الدكتور سعيد بن محمد الهاشمي ورقة بعنوان أصول المهالبة نسبا وموطنا. ومنذ البداية قال الهاشمي إن العتيك هو الجد السابع للمهلب بن أبي صفرة، ورغم أن بعض المصادر ترجع ميلاد المهلب إلى السنة التاسعة الهجرية إلا أن تحقيق الهاشمي أكد أن الميلاد حدث في عام 8 هجرية وفي ولاية أدم وليس دبا كما ذهب المتقدمون الذين اعتمدوا على ما جاء في كتاب ابن الكلبي في كتابه جمهرة النسب وعنه نقل كما يقول الهاشمي صاحب كتاب الطبقات وابن قتيبة وصاحب كتاب الاشتقاق والمسعودي وابن حزم والعوتبي، إلا أن الشيخ محمد بن شامس البطاشي فند هذه الرواية وأرجع مولد المهلب إلى مدينة أدم في داخلية عمان كما فند الأقوال التي قالت إن المهلب من عجم عمان.
وقال الدكتور الهاشمي إن الإشارة التي أوردها الواقدي عن معركة الردة التي حصلت في دبا وإن أبو صفرة كان حاضرا فيها وكان غلاما فأسروه لا تستقيم مع ثبات مقابلة أبو صفرة مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وكان معه عشرة من أبنائه أصغرهم المهلب ولذلك لا تستقيم رواية الواقدي. وتساءل الهاشمي من كان في دبا إذن؟ ليجيب كان بها ذو التاج لقيط بن مالك. وقال الهاشمي إن هند بنت المهلب التي فرت بعد نكبة المهالبة جاءت إلى عمان واستقرت في موطنها أدم.
كما قدم الباحث العراقي الدكتور حيدر بن عبدالرضا التميمي ورقة بعنوان «دور العماني الأزدي المهلب بن أبي صفرة في الفتوحات الإسلامية» منطلقا من حربه على الخوارج في استقراء ذلك الدور.
مشيرا إلى أن عمان ساهمت في صناعة التاريخ الإسلامي من خلال ما قدمته لهذه الأمة رجلات كان لهم دور سياسي وعسكري واقتصادي وديني مؤثر في تاريخ الدولة العربية الإسلامية. وأشار التميمي إلى أن الأزارقة أطلقوا على المهلب بن أبي صفرة اسم «الساحر». وقال التميمي إن كل المصادر أثبتت أن المهلب بن أبي صفرة عماني مستشهدا بمقولة المختار الثقفي الذي قال: لقد اخترناك أيها الأزدي العماني لمحاربة الخوارج. مشيرا إلى أن محاولة نسبة المهلب لغير عمان يأتي كجزء من التفاخر القبلي بنسبة شخصية المهلب لديها نظرا لمكانتها في النسب وفي القيادة العسكرية.

رأي الشيخ البطاشي

وفي الجلسة المسائية قدمت ثلاث أوراق عمل بدأها الدكتور سالم بن سعيد البوسعيدي بورقة حملت عنوان «المهلب بن أبي صفرة العتكي، حياته، وشخصيته قراءة في كتابات الشيخ سيف بن حمود البطاشي».
وقال البوسعيدي: تمثل كتابات الشيخ البطاشي وتصحيحاته التاريخية إسهاماً بارزاً في المتابعات التاريخية العمانية، بشكل يجعل تجاوزه أمرا صعباً. وقد حضر المهلب بن أبي صفرة في كتابات الشيخ البطاشي بشكل ملفت، وكان للشيخ اجتهادات وآراء حول هذه الشخصية تستحق النظر والتأمل والتقدير.
وعرف الباحث في مقدمته بالشيخ البطاشي وإسهامه التاريخي وكتاباته حول شخصية المهلب. ثم درس المحور الأول حياة المهلب في كتابات البطاشي، متناولا نسبه مكان ولادته وأهم أعمال المهلب ودليل عمانيته. وتناول في المحور الثاني من بحثه شخصية المهلب في كتابات البطاشي، فيبرز جوانب فصاحته وشجاعته وأخلاقه وحكمته ودهائه. ثم قدم الدكتور سليمان بن سالم الحسيني ورقة بعنوان «المهلب بن أبي صفرة في بعض المصادر الغربية» وتتبع الحسيني المصادر والمراجع الغربية، المكتوبة باللغة الإنجليزية والمنشورة من قبل دور نشر أوربية أو أمريكية، التي تناولت شخصية القائد العماني المهلب بن أبي صفرة للتعرّف على الجوانب التي تناولتها تلك المراجع بالدراسة والتحليل عن شخصية المهلب، وتأثير أصوله العمانية على توجهه الفكري، وإسهاماته في الأحداث السياسية والعسكرية في الدولة الأموية، لا سيما وأنه كان قائدا عسكريا، وزعيما قبليا شارك في الحرب على الخوارج الأزارقة، وقاد الجيوش الإسلامية في فتوحات فارس والهند وأفغانستان، وترك ذرية تولّت المناصب العسكرية والإدارية في العراق وشمال إفريقيا وعمان وشرق إفريقيا. وتوصل الحسيني من خلال تتبعه إلى القول إن المهلب بن أبي صفرة شخصية عمانية اكتسبت شهرة عالمية نتيجة أدوارها الفاعلة في الصراع العسكري والفكري في عهد الدولة الأموية، وعلاقته الوطيدة بالوالي الأموي الحجاج بن يوسف، وإسهاماته في الفتوحات الإسلامية التي شملت فارس وباكستان والهند وأفغانستان. وترك سلفا وذرية ساهمت في الأحداث التاريخية للأمة الإسلامية خدمة للدولة الأموية. وعلى المستوى العماني كان لهم دور كبير لا تزال أصداؤه تتفاعل حتى الآن. واستنتجت الدراسة إلى أن عدة عوامل منها الزمان والمكان والوعي الفكري للمجتمع الذي ينتمي إليه المهلب بن أبي صفرة تفاعلت في إنتاج شخصيته وكونت المجموع الكلي لسيرته وإنجازاته. ورأت الدراسة إلى أن عالمية المهلب بن أبي صفرة تأبى احتكاره لجهة معينة أو أيديولوجية معينة، فهو من حيث البعد التاريخي يشكل أهمية لمن أراد أن يتناوله بالدراسة والتحليل من أبناء الدول التي وطأت أقدامه ترابها والشعوب التي أثّر في تأريخها وتراثها، فهو عماني الأصل والنشأة، وأهميته التاريخية عربية إسلامية أموية فارسية هندية باكستانية أفغانية، وقد تناوله الباحثون والمؤلفون في هذه المناطق وغيرها بالدراسة والتدوين.

المهالبة في بلاد المغرب

واختتمت الجلسات المسائية أوراقها بورقة بعنوان «الجانب الحضاري للمهالبة في بلاد المغرب» للدكتور ناصر بن علي الندابي. وهدفت الورقة لإبراز الجانب الحضاري الذي قام به المهالبة في بلاد المغرب حين قدموا إليها ولاة من قبل الدولة العباسية، مركزين على الآثار الاجتماعية والاقتصادية التي تركوها في تلك البلاد. وكذلك الدور الريادي الذي قاموا به من أجل توطيد بلاد المغرب، وإبقائها جزءاً، لا يتجزأ من جسم الدولة العباسية. وجمعت الدراسة بين المنهج الاستقرائي والتحليلي والمقارن. وتحدث الباحث عن الفترة الزمنية التي تولى فيها المهالبة بلاد المغرب، وتحديد الأسباب التي جعلت من بني العباس يفضلونهم لقيادة الدولة في شقها المغربي، منذ عام 151هـ وحتى عام 178هـ، بدءًا من تعيين الوالي عمر بن حفص بن عثمان المهلبي، وانتهاء بولاية الفضل بن روح المهلبي.
كما تحدث عن الدور الحضاري الذي قام به المهالبة في بلاد المغرب، وإشاعتهم الأمن والاستقرار الذي ساد البلاد في عهدهم. واهتمامهم بالعلم والعلماء، وتركيزهم على جانب العمران والنشاط الزراعي، على وجه الخصوص، والجانب الاقتصادي بوجه عام. ثم تحدث عن علاقة المهالبة بموطنهم الأم، ومدى تأثير عمانيتهم على بلاد المغرب، وعلى علاقتهم بالمجتمع المغربي بشتى شرائحه وأطيافه، مركزين على الآثار الاجتماعية التي أحدثها المهالبة في هذا الجزء من أراضي الدولة العباسية، ومدى دور شخصيات الولاة في تماسك أفراد المجتمع وانضوائهم تحت لواء واليهم.