له وقع خاص – أيام قليلة ويهل شهر التقوى والعبادة وتهذيب للسلوك

استطلاع – سعاد السنانية و رحاب الهندي –

أيام قليلة ويهل شهر رمضان الكريم علي المسلمين والعرب حاملا بطياته العبادة والرحمة والغفران، شهر كل عام تختلف فيه الأجواء والنفسيات، ويتألق غالبية الناس بفرحه خاصة تجمعهم عبر إيمانهم بالخالق المعبود بورع خاص يزداد في الشهر الفضيل.
كثير من الناس تستعد لشهر رمضان بكل سياقاته من التبضع بمختلف المواد الغذائية، يشجعهم تلك العروض المغرية في جميع الأسواق، لكن الكثيرون ينظرون إلى الشهر الفضيل أنه شهر العبادة والتنوع في المتطلبات أكثر من كل شهور العام. فكيف تستقبل العائلة العمانية الشهر الفضيل؟ في إستطلاع مرايا لهذا الأسبوع إلتقينا مع كثير من العائلات التي تمنت أن يكون شهر الخير قادما بكل الخير للسلطنة والأمة العربية والإسلامية .

حول كيفية استقبال رمضان التقت « مرايا » بفضيلة الشيخ الدكتور إبراهيم بن راشد الغماري فقد حدثنا قائلا: شرع الله تعالى الصوم لأجل تحقيق التقوى في المؤمن نفسه، لذا ذيل الله تعالى فريضة الصوم بذكر التقوى فقال: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»، فالصوم موصل للتقوى التي تحتم على صاحبها الالتزام بالواجبات والتسابق في صنوف القربات والطاعات ومجانبة المحرمات والاجتهاد في ترك المكروهات، ولا صوم مع مزاولة الحرام وفعل الموبقات وترك المفروضات.
وأضاف قائلا: حينما نتأمل آيات شرعية الصيام نجد أن الله تعالى يبين أن رمضان هو الشهر الذي أنزل فيه القرآن فمن شهده فإنه يلزمه صومه قال تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصمه) وفي هذا دلالة على الربط بين القرآن والصيام اللذين بفضلهما اكتسب رمضان الخيرية على سائر أشهر العام، فعلى المسلم أن يستغل هذا الموسم العظيم لينهل من فيوض القرآن قراءة وحفظا وتدبرا وعملا وتزكية.
وتابع موضحا: قد يظن امرؤ أن الصيام مظهر من مظاهر العنت في الدين، حيث يشق على المكلف مانعا له أهم الضروريات إليه، وهذا وهم منه وقصر نظر وعدم فهم لحقيقته؛ إذ بالتأمل في آيات الصيام نجد مبدأ التيسير في الشريعة اﻹسلامية ماثلا فيها، حيث رفع الله تعالى عن المكلف المشقة البالغة فيبيح للمسافر والمريض اﻹفطار في نهار الصيام، ومن مظاهر التيسير في الصوم أن الله تعالى لم يفرضه علينا إلا في شهر واحد طيلة العام، ولم يندبه لنا في غير رمضان إلا في أيام يسيرة.
وتابع قائلا: قد يشتد بنا الجوع في نهار رمضان والطعام بين أيدينا ولا نقدر على تناوله، ويضطرم في بطوننا اﻹحساس بالجوع المؤقت، حينها سنذكر أن هناك من إخواننا المسلمين من يقاسون الجوع ويعانون الحرمان، وإننا لنكبر من شأن أولئك الفتية الذين أخذوا على عاتقهم خدمة الناس فتنوعت برامجهم بين إفطار صائم أو أسرة مسلمة وكسوة العيد ونسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم وأن يجعلنا عونا لعباده. وفي الحديث المروي من طريق أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب فإن سابه أحد، أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم» فيترفع الصائم عن مقابلة السب بالسب والقتال بالقتال مذكرا ذلك المعتدي قدسية الصوم ومبينا له سماحة الإسلام.
و أضاف: ليس اعتباطا أن ترد آية الدعاء في وسط آيات الصيام حيث يقول الله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) [سورة البقرة 186]. ففي ذلك تنويه أن شهر رمضان موسم خصب للدعاء أكثر من غيره من شهور العام.
ولذا كان النبي العظيم يجتهد فيه ما لا يجتهد في غيره ويجتهد في العشر الأواخر منه ما لا يجتهد في غيرها، وهذا يعني أن يزداد اجتهاد المرء كلما أو أوشك الشهر على الانتهاء.
ورمضان هو شهر التوبة، وهذا يعني أنه شهر تتهيأ فيه النفس للطاعة وترك المعصية فطوبى لمن استغله لتزكية نفسه وتهذيب سلوكه فأقلع عن معاصيه التي طوقت عنقه والتزم الواجبات التي طالما أهملها وقصر فيها وتقرب فيه بصنوف القربات.
و أضاف قائلا: ورد في الحديث القدسي الذي يرويه أبو هريرة عن الرسول- صلى الله عليه وسلم- عن الله تبارك وتعالى: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به» فالله تعالى نسب الصوم له، وفي هذا ما يدل على شرف الصوم ومنزلته عند الله تعالى.

عادات عمانية
كما التقينا بالأستاذ حمد بن سليمان المعولي حيث حدثنا قائلا: رمضان فرصة طيبة لمحاسبة النفس وترويضها على طاعة الله تعالى وذكره وشكره وحسن عبادته وتلاوة كتابه وحفظه ومراجعته وتدبره وتعلمه، ورمضان يمنحنا قوة روحية تجعلنا نقترب من الله تعالى ونبتعد عما لا يرضاه بالتوبة النصوح والعمل الصالح، وهو فرصة لتقارب القلوب وتصالح النفوس وإزالة الشحناء وترك القطيعة.
كما أن شهر رمضان يمنحنا فرصا كثيرة للعطاء والتعاون على البر والتقوى والنظر في أحوال الضعفاء والمحتاجين وتقديم العون لهم، وأيضا يمنحنا فرصا للانقطاع للعمل الصالح والتنافس في الطاعات واغتنام الأجور وتهذيب النفس وتنقيتها من الشوائب.
وتابع قائلا: هذه الأمور كلها أجدها في قرانا ومجتمعاتنا، كما ألاحظ العناية بحلقات الذكر والتلاوة والتعلم في أمور الدين، ويتسابق أبناء المجتمع في مسابقات متنوعة للحفظ والتلاوة وغيرها من الأنشطة الثقافية والعلمية، وعلى استغلال وسائل التواصل الاجتماعي والتقنية الحديثة في كل ذلك.
من المهم في هذا الشهر الفضيل العناية بالنفس تزكية وتهذيبا وإصلاحا وترك المشاغل الأخرى والاهتمام بالذكر والتلاوة وعدم الالتفات للمشتتات التي تصرف الإنسان عن اغتنام فرصة أوقات الشهر الفضيل المميزة والتي لا تعوض.
وأضاف: من الجميل نشاط الفرق التطوعية في هذا الشأن والتي تهتم بالمسابقات القرآنية وتنظيم الفعاليات التي تعزز الجانب الروحي والقيمي في نفوس الناشئة والشباب من الجنسين.
ومن أروع ما يميز مجتمعاتنا والحمد لله أصحاب المبادرات الذين يسعون بجهدهم وأموالهم وعطائهم لخدمة كتاب الله والمتنافسين في حفظه في هذه الأيام المباركة حيث ينفقون ابتغاء مرضاة الله ويرون العناية بكتاب الله من أفضل القربات ووجوه الإنفاق.
وتقول سميرة بنت ثني السنانية: على الصعيد الشخصي فإننا نقوم بالاستعداد لاستقبال الشهر الفضيل، أولا بشراء المواد الغذائية التي نحتاجها لإعداد الوجبات المميزة للشهر الفضيل، كما أننا نجتمع مع الأسرة كلها خلال شهر رمضان، ونتبادل الأحاديث والزيارات ونحث أبناءنا على المحافظة على الصلاة وزيارة أرحامهم، وأيضا نوزع على الجيران والقارب جزء من طعامنا، فالعادات العمانية عادات جميلة تتصف بالرحمة والألفة وتماسك المجتمع.

تدريب النفس
كما التقينا بالطفل أنس بن طالب السناني فقد حدثنا قائلا: إن شهر رمضان شهر فضيل فقد نزل فيه القرآن: «فلا بد لنا أن نستقبل هذا الشهر بالطاعة وأن نستعد له بالصيام في شعبان لندرب أنفسنا على الصيام في شهر رمضان المبارك، وللصيام أجر عظيم حيث يقول رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه».
أما عن برنامجي اليومي في شهر رمضان، فأستيقظ قبل الفجر وأصلي ركعتين ثم أتسحر، فالسحور بركة كما قال رسول الله (ص): «تسحروا ففي السحور بركة»، وبعدها أقرأ القرآن إلى أذان الفجر، ثم أصلي في جماعة، وأقرأ ما تيسر لي من القرآن إلى أن تشرق الشمس، ثم أصلي صلاة الشروق وأعود إلى البيت وأنام وأريح جسدي حتى يقوى على العبادة، ثم أتوجه الى المسجد لتلقي دروس العلم وحفظ القرآن الكريم، ثم أعود إلى المنزل، وبعد صلاة الظهر أقرأ ما تيسر من القرآن، كما أشاهد في رمضان برامج مفيدة، فينبغي على المؤمن أن يستغل أوقات رمضان فيما يعود عليه بالخير والأجر.
وأضاف قائلا: أنصح زملائي بأن يحافظوا على أوقات شهر رمضان فهي غالية ونفيسة وعليه أن لا يضيعوا أوقاتهم فيما لا فائدة منه، كالنوم الذي به ضياع الصلوات، وأن يتجنبوا مشاهدة المسلسلات الهابطة والبرامج الهدامة، حتى لا يضيع عليهم رمضان وقد ملئت صحائفهم بالذنوب، فأيام رمضان أيام معدودات، فينبغي أن يستغل المؤمن كل دقيقة فيما يرضي الله، وأن يحرص في هذا الشهر على زيارة الأرحام وعلى فعل جميع وجوه الخير من ذكر وقراءة القرآن والتوبة والاستغفار والصدقات.

شهر مختلف
أكدت عائشة البلوشية (ربة بيت) أن شهر رمضان شهر مختلف في كل شيء، بدءا من العبادة والتسوق والطعام وأسلوب الراحة والتسلية، وقالت: أحرص بشدة على أولادي أن يسامحوا جميع زملائهم في المدرسة ويتصالحون معهم لبدء صفحة جديدة من حياتهم، وحين يعودون من المدارس أطلب منهم أن يرتاحوا قليلا قبل المذاكرة، ثم وقبل الأذان يحمل الأولاد الطعام للمسجد، بينما البنات يساعدن في تحضير طعام العائلة، ومن خلال هذه السلوكيات يتعلمون الحرص على إطعام الصائم في المسجد ومشاركتهم بأكل التمر وشرب اللبن، والصلاة قبل أن يعودوا للمنزل لتناول طعام الإفطار، طبعا يشاركهم والدهم، ونصلي أنا والبنات في المنزل قبل أن نجتمع كلنا على مائدة الإفطار، ونخصص غالبا أنا ووالدهم وقتا للجميع لقراءة القرآن وتفسيره، وهكذا تمر أيام الشهر الفضيل علينا وعلى جميع المسلمين بالخير والبركة.

سحر خاص
تقول بدرية الأزكية (ربة بيت): اللهم بلغنا رمضان ونحن وجلالة السلطان بخير وكل الأمة الإسلامية والعربية، دعيني أقول لك أن لهذا الشهر سحرا خاصا سبحان الله خاصة في بلدنا الحبيب، حيث إنني قضيت الشهر الفضيل أثناء دراسة زوجي في إحدى البلدان العربية أكثر من مرة، وأود أن أقول نحن جميعا كعرب ومسلمين لا نختلف بممارسات الشهر الفضيل، لكن أكرر أن لشهر رمضان سحر خاص في بلادنا خاصة في الولايات والقرى التي تتحول طوال أيام رمضان إلى أسرة واحدة يجمعها نداء الأذان بالصلاة وهو يرتفع من مئات المآذن التي تنتشر في البلاد.
ومن الطقوس الخاصة برمضان الإفطار الجماعي في المساجد، حيث يجتمع أفراد العائلة في بيت أكبرهم سنا ويلتقي الصغير والكبير على مائدة الإفطار مجتمعين في حلقة واحدة. وغالبا ما يفطر الصائم على التمر والماء واللبن رغم كل ما يصنع في المنزل من وجبات.
ولا بد من صنع القهوة التي لا تغيب عن مائدة إفطار رمضان، حيث أصنعها يوميا صنعا متقنا، مضيفة إليها أنواعا من الرياحين كالهيل، والزعفران، وماء الورد، وأرسل منها للمسجد ليشرب منها الصائمون. وطبعا أستعد للشهر الفضيل في شراء ما أحتاجه من المواد الغذائية المختلفة وخاصة مستلزمات السمبوسة والهريس والشوربة (تضحك) الكل يهتم بالمواد الغذائية، ولا أنسى شراء ما يحتاجه الأطفال في احتفالية قرنقشوه وأشجع أولادي للمشاركة، كما أنني ما زلت أتبادل مع جيراني أطباق رمضان المختلفة، أرجو من الله أن يديمها عادة بيننا وكل عام وأنتم بخير.

شهر الخير والبركة
طلال العريمي (عمل خاص) يقول: رمضان هو شهر الاختلاف لا الخلاف، وكما تربينا من أبائنا وأجدادنا على احترام الشهر نربي أولادنا كذلك، أنا شخصيا أحرص على متابعة أبنائي في الشهر الفضيل بتشجيعهم على حفظ أجزاء من القرآن الكريم كل ومستواه طبعا، وتوزيع السور الكريمة تكون قبل رمضان، حتى إذا هل علينا الشهر نخصص في اليوم ساعة وأكثر لمسابقة الحفظ، وهناك جوائز تشجيعية للجميع.
كما أحرص على اختيار مجموعة من الكتب للقراءة لجميع أفراد المنزل، والحرص على أداء الصلاة في أوقاتها، وأحب أن يشارك أولادي الإفطار الجماعي في المسجد في بعض أيام رمضان، إنها فعلا أيام خير وبركة للجميع.