الفاعل مختل عقليا ونفسيا

 

معظم الحالات غير خطرة وبعضها يصاب بالإحباط والأفكار الانتحارية  –
تحقيق: عبدالله بن سيف الخايفي –

فلان مختل عقليا أو مختل نفسيا.. عبارة كثيرا ما تستخدم لدرء تهمة أو جرم عن أحدهم وربما تصل إلى منحه صك البراءة من فعلة اقترفها.. ورغم حدة الصفة والتي تثبتها فقط الفحوصات الطبية وعدا ذلك مجرد محاولات لصرف الأنظار عن الشخص المعني لكنها قد تكون أخف وطأة من وصمة عار أبدية أو إدانة بجريمة قد تلقي بصاحبها خلف القضبان وربما تصل إلى حد الإعدام.
لا تتكرر كثيرا في مجتمعنا الآمن حوادث تتعلق بالمختلين عقليا أو نفسيا وان حدثت فهي حالات نادرة ولعل إشكالياتهم هي الأخرى تبقى حبيسة أسوار منازل أهلهم وذويهم أو أجنحة وغرف المستشفى المتخصص ولكن تظل هذه الفئة بإشكالياتها جزء من المجتمع قلت أو كثرت.
التحقيق التالي يتناول المختلين عقليا ونفسيا ويبحث في أوضاعهم وظروف حياتهم وجهود احتوائهم وعلاجهم ومتابعتهم، كما نطرح تساؤلات حول ما إذا كانت حالات الاختلال العقلي والنفسي تشكل مخاطر معينة وكيف يمكن التعامل معها ؟ ومدى توفر مرافق العلاج والرعاية واحتواء المصابين بهذا النوع من الاختلال العقلي أو النفسي وإمكانية دمجهم في المجتمع في حالة استجابتهم للعلاج وشفائهم أو حماية المجتمع منهم عندما تكون حالاتهم تشكل خطورة على المجتمع وعلى أنفسهم أيضا.

أين توجد حالات المختلين عقليا ونفسيا ؟ أخلف الأبواب المغلقة في منازل أهلهم أم المستشفى المتخصص بعلاج هذه الحالات أم طليقون يجوبون الطرقات؟ هل تسعى الجهات المختصة إلى احتواء المختلين عقليا أم تتركهم لأهلهم فهم أقدر على احتوائهم ورعايتهم؟ وهل أهلهم مع تعدد مسؤولياتهم وما قد يصيبهم من ملل وربما ضيق أو ضعف مادي قادرون على الوفاء بمتطلبات الرعاية والعناية بهم؟
لم يكن من السهولة البحث عن عائلات لديها حالة مختل عقلي أو نفسي ،وبعد بحث مضن سواء على المستوى الخاص أو الرسمي تعذر الوصول إلى نماذج من العائلات يمكنها أن تتحدث عن تجارب حياتية بشأن معايشتهم لحالات لديها اختلالات عقلية أو نفسية فرغم توصلنا لعدد ضئيل جدا من الحالات لكن التواصل مع عائلاتهم كان أمرا أكثر تعقيدا فجاء الرفض من البعض والاعتذار من آخرين لاعتبارات مقدرة تتعلق بالرغبة في إبقاء ظروف حياة تلك الحالات في أضيق نطاق ممكن وهو الأسرة فما كان منا سوى احترام رغباتهم.

الجانب الاجتماعي

وزارة التنمية الاجتماعية أوضحت أنه ليس لديها أرقام وإحصائيات بحالات المختلين عقليا ونفسيا لكون الرعاية العلاجية لهؤلاء ضمن اختصاص وزارة الصحة.
وقال مبارك بن سليمان القاسمي مدير دائرة خدمات الأشخاص ذوي الإعاقة بوزارة التنمية الاجتماعية: إن الوزارة تقدم رعاية ضمانية ومعالجات اجتماعية للحالات غير القادرة على العمل والتي ليس لديها مصدر دخل أو قريب ملزم قادر وفق اشتراطات قانون الضمان الاجتماعي وتكون تحت فئة العجز عن العمل.
وزارة التنمية الاجتماعية قامت خلال عام 2015م بتنفيذ استبيان عن طريق دوائر التنمية الاجتماعية بالمحافظات لرصد حالات المختلين عقليا ونفسيا «الذين يجوبون الشوارع» وذلك للوقوف على عددهم وأوضاعهم الاجتماعية ومدى انتشارهم في المجتمع، وأظهرت نتيجة الاستبيان عن وجود أعداد فردية على مستوى المحافظات ولم تكن تشكل ظاهرة مجتمعية مؤرقة.

خطة متابعة للحالات التي تجوب الشوارع

وقال مدير دائرة خدمات الأشخاص ذوي الإعاقة: إن وزارة التنمية الاجتماعية قامت بدراسة ظروفهم ومعالجة أوضاعهم على المستوى الأسري والمجتمعي. كما وضعت خطة متابعة فردية للحالات التي رصدت تجوب الشوارع وذلك بعد دراسة وتحليل أوضاعها، مشيرا إلى انه تم العمل والتنسيق مع كافة الأطراف المجتمعية المعنية بتقديم الخدمة والرعاية في مختلف الجوانب الاجتماعية والمعيشية والصحية والنفسية.
المسؤول بوزارة التنمية الاجتماعية أكد أن التوجهات لا تزال فاعلة باستمرارية متابعة تلك الحالات إلا أن الوزارة اعتبرت أن الدور الأكبر يقع على الأسر في احتواء هذه الحالات والوقوف معها نفسيا واجتماعيا.
وحول ما يمكن أن تمثله حالات الاختلال العقلي والنفسي من مخاطر قال القاسمي: إن الإهمال في الرعاية وعدم الانتظام على تناول العلاج الطبي للحالات التي شخص بها اعتلالات عقلية ونفسية له تداعيات شخصية ومجتمعية سلبية.
وأوضح أن تقديم الرعاية والعناية للحالات التي تعاني من ظروف عقلية ونفسية هي مسؤولية مؤسسات المجتمع بأسره، وعلى الأسرة الدور الأكبر في متابعة العلاج الطبي وتناول الأدوية في أوقاتها بانتظام.

رعاية طبية مباشرة للحالات الشديدة

وبشأن احتواء هذه الفئة ورعايتها في أماكن خاصة ومدى توفر مثل هذه المرافق قال: إن الحالات الشديدة تكون عادة تحت الرعاية الطبية المباشرة وهي ضمن اختصاصات المؤسسات الصحة حتى تستقر أوضاعها، أما الاحتواء المؤسسي بمعنى الإيواء فان مثل هذه الحالات قد يزيدها سوءا وعزلة وبالتالي لا تؤيده السياسات الوطنية ومن الأجدى أن يكون التأهيل في الإطار المجتمعي بالتعاون مع الأسرة.

1155 حالة توحد

وعن حالات التوحد المسجلة لدى الوزارة والأعمار التي تتركز بها قال: عدد حالات التوحد المسجلة ببطاقة معاق حتى تاريخ 1/‏‏2/‏‏2018م في قاعدة بيانات الوزارة بلغت (1155) حالة تتراوح أعمارهم من سنتين إلى 30 سنة. وقال: إن دور وزارة التنمية الاجتماعية يشمل تقديم البرامج التأهيلية في التربية الخاصة بجانب الخدمات المساندة كعلاج النطق والعلاج الوظيفي والتأهيل النفسي والسلوكي في المراكز الحكومية والخاصة وفق متطلبات كل حالة.
كما تقوم الوزارة بتقديم برامج الإرشاد الأسري، وتعزيز الكادر البشري بالبرامج الإنمائية والتأهيلية المتجددة للتعامل مع حالات التوحد، وتقديم برامج التأهيل المهني للحالات فوق 18عاما، والتعاون مع وزارة التربية والتعليم في دمج حالات اضطراب طيف التوحد بمدارس التعليم العام فضلا عن توعية المجتمع باضطراب طيف التوحد وكيفية التعامل معه وبالخدمات المؤسسية المتوفرة.

حالات التوحد لا تشكل خطرا

وقال مدير دائرة خدمات الاشخاص ذوي الاعاقة بوزارة التنمية الاجتماعية: ان حالات التوحد لا تشكل خطرا على الآخرين، ويعمل التأهيل المبكر على سرعة التكيف والاندماج مع المجتمع.

اعتماد بناء المركز الوطني للتوحد

وأشار إلى وجود (28) مركزا حكوميا و(24) مركزا خاصا تعنى بتأهيل ذوي حالات اضطراب طيف التوحد، إضافة إلى الجمعيات الأهلية مثل جمعية التدخل المبكر وجمعية رعاية الأطفال المعاقين والتي تضم أحد عشر فرعا تنتشر على مستوى محافظات السلطنة. كما تم اعتماد بناء المركز الوطني للتوحد والمزمع إنشاؤه في القريب العاجل.

الجانب الصحي

الدكتورة منى بنت سعيد الشكيلية استشاري طب نفسي أطفال ومراهقين بمستشفى المسرة قالت: قبل كل شيء يجب علينا أن نضع تعريفا واضحا لمعنى المختل العقلي، حيث إن الاختلال في الشيء يعني الاضطراب مشيرة إلى أن هناك العديد من الاضطرابات النفسية التي قد تصيب المرء منها الشديدة والمزمنة مثل: الفصام والاضطرابات التي قد تصيب المرء بين فترة وأخرى وتختلف شدتها ومنها الاكتئاب وغيره.

حالات خاصة في المتابعة والعلاج

وأوضحت: إن كل حالة من هذه الحالات تعامل كحالة خاصة من حيث المتابعة والعلاج فعلى سبيل المثال يتلقى مريض الفصام عقاقير مضادة للذهان بينما يتلقى مريض الاكتئاب العلاج النفسي وربما مضادات الاكتئاب بحسب درجة الاكتئاب وشدته وكذلك الحال مع بقية الاضطرابات النفسية وكذلك مدة المتابعة تكون بحسب الحالة واستقرارها.

إحباط شديد وأفكار انتحارية

وأوضحت إنه في معظم الحالات لا تكون هنالك خطورة واضحة بحيث لا يشكل الاضطراب النفسي خطورة على المريض أو الآخرين من حوله ولكن في بعض الحالات قد تصيب المريض بالاضطراب النفسي حالات من الإحباط الشديد وفقدان الأمل وأفكار انتحارية وقد يشكل خطورة على الآخرين أيضا، حيث إن بعض حالات الذهان والوهم قد يستشعر منها المريض خطورة من البعض وشكوك قد تراوده من خلالها أفكار إيذاء الآخرين وقد يتصرف على حسب هذه الأفكار.

الحالات الشديدة

لكن من المسؤول عن هذه الحالات وهل هناك جهات محددة مسؤولة عنهم أم يبقون ضمن إطار أسرهم ؟
أجابت الدكتورة منى: الحالات تنقسم أيضا من حيث المسؤولية فبعضها يكون فيها المريض قادرا على اتخاذ قراره بنفسه، حيث إن الاضطراب النفسي لدى هذه الفئة لا يؤثر سلبا على مقدرة الشخص على تقدير الخطأ والصواب كما وأن بعض الحالات وخصوصا الشديدة منها يكون المريض غير قادر على اتخاذ قرار سليم بحكم الاضطراب الذي لديه فيخول الأهل لاتخاذ القرار بحسب ما يقرره الطبيب المعالج.

إشكالية صحية

وحول احتمال أن تشكل هذه الفئة إشكالية صحية وكيفية احتوائها ورعايتها في أماكن خاصة وأهمية ومدى توفر مثل هذه المرافق قالت الدكتورة منى الشكيلية: بالطبع هنالك إشكالية صحية ولكن معظم هذه الحالات وخصوصا التي تستجيب بشكل جيد للعلاجات النفسية تكون قادرة على العيش بشكل شبه مستقل وطبيعي، كما أن بعض الحالات تكون مزمنة ومتى ما كانت هذه الحالات شبه مستعصية فهي بحاجة للعناية بشكل متواصل ورعاية من قبل الأهل، حيث يكون دورهم إشرافيا على هذه الحالات، وهناك مراكز تابعة لوزارة التنمية لتقديم الرعاية والتأهيل لحالات خاصة ومنها حالات الإعاقة الذهنية والتوحد كما أن هناك مراكز خاصة تعنى بتأهيل حالات التوحد تحت إشراف وزارة التنمية الاجتماعية.

مستشفى المسرة

لكن ما هو مستوى الرعاية المتوفر في مستشفى المسرة لهذه الفئة؟ قالت الدكتورة منى: يوجد بمستشفى المسرة العديد من الأقسام تعنى بعلاج الاضطرابات النفسية بشتى أنواعها ومنها أقسام الطوارئ وكبار السن والأطفال والإدمان والبالغين وقسم الطب النفسي الجنائي كما توجد عيادات مختصة لمتابعة الحالات وتشخيصها وتوجد أقسام للتنويم متى ما استدعت الحالات ذلك.

حالات التوحد

أما حالات التوحد فأوضحت أن معظمها وخصوصا تلك التي يتم التدخل في علاجها بفترة مبكرة تكون نسبة الاستجابة أفضل مشيرة إلى أن التوحد عبارة عن طيف أي أن الحالات لا تكون مصابة بنفس الحدة من الأعراض، حيث إن بعض هذه الحالات تكون قادرة على الاهتمام الذاتي والعيش بصورة مستقلة نوعا ما ولكن هنالك بعض الحالات لا سيما وأنها قد تكون معرضة للإصابة باضرابات نفسية أخرى مثل الإعاقات الذهنية وصعوبات التعلم وهذه الحالات قد تكون عدائية وعنيفة بعض الأوقات، وقد تشكل خطورة على المريض أو من حوله. وقالت انه توجد ببعض المستشفيات أقسام لتشخيص وتأهيل حالات التوحد، كما قد يتدخل الطبيب النفسي في علاج بعض الحالات ذات السلوكيات المستعصية وتوجد كذلك أقسام للعلاج الوظيفي وعلاج النطق والعلاج الطبيعي.