غياب حفتر .. هل يغير خارطة القوى الفاعلة في الصراع الليبي؟

إسطنبول – الأناضول: «غياب» خليفة حفتر قائد القوات الليبية المدعومة من مجلس النواب في طبرق (شرق) عن المشهدين العسكري والسياسي في ليبيا؛ بسبب خضوعه للعلاج بمستشفى «بيرسي» في فرنسا يثير نقاشا على مستويات عدة بشأن مستقبل ليبيا، هل هي في طريقها للتوحد؟ أم لمزيد من الانقسام والتفتت؟.
إذ اختلف المحللون بشأن تداعيات غياب «أهم» الشخصيات التي لعبت دورا في الصراع الليبي، على الوضع الداخلي، وفقا للاستقطابات المحلية والإقليمية والدولية التي تلعب دورا في مسارات الأزمة الليبية، وكذلك الانقسامات السياسية.
وتسود المشهد الليبي عموما، حالة من الانقسام المجتمعي على خلفيات سياسية وقبلية بعد سبع سنوات من غياب العقيد معمر القذافي، والإطاحة به بثورة 17 فبراير 2011م التي لا تزال القوى الأساسية المتمسكة بثوابتها تصارع للخروج من أزمة شائكة عنوانها السعي لسيطرة قوى فاعلة متنافرة على ليبيا باستخدام الوسائل العسكرية بعد فشل حكومات عدة في إرساء أسس الحوار الداخلي في ظل غياب مسار سياسي واضح يرسم العلاقة بين مختلف القوى الليبية الفاعلة.
ويتصارع جانبان على النفوذ والشرعية في ليبيا، الأول حكومة الوفاق في طرابلس (غرب)، المسنودة بالمجلس الأعلى للدولة (تشريعي استشاري)، والثاني القوات التي يقودها خليفة حفتر، المدعومة من مجلس النواب في طبرق (شرق).
قوات حفتر .. إما ذوبان أو زعامات متعددة
ومن المتوقع أن يؤدي غياب حفتر عن ساحة الصراع سواء بسبب المرض أو الوفاة إلى «إرباك الموقف عموما في الشرق الليبي الذي يلعب العامل القبلي الدور الأكبر في المنطقة التي تمثل منطقة نفوذ حفتر منذ ظهوره على ساحة الصراع»، وفقا للإعلامي المتابع للشأن الليبي، ياسين خطاب، في اتصال بـ«الأناضول».
وتاريخيا ظلت القوى القبلية والمناطقية عوامل ترجيح لطرف على طرف آخر؛ وهي قوى حتى الآن لم يتم استيعابها ضمن طرف من طرفي الصراع، كما أنها لا زالت تلعب دوراً أقل من حجم دورها المفترض، وهو ما لا يمكن لها أن تقبل به على المدى البعيد.
لذلك، «سيحاول خصوم حفتر الاستحواذ على بعض ما حققه من مكاسب ونفوذ، لا سيما في الغرب الليبي، وفي الجنوب أيضا»، بحسب «خطاب»، الذي أوضح أن «انتهاء دور حفتر، أو غيابه، سيؤثر على قوة ونفوذ القوات الموالية له في الغرب الليبي».
وحول ما ستؤول إليه الأوضاع في الشرق الليبي معقل نفوذ حفتر رأى الإعلامي الليبي «خطاب» أن تلك القوات «ستذوب في القوات التابعة لفائز السراج (رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق)، أو أنها ستتحول إلى مجموعات مسلحة متعددة الزعامات، وليست تحت زعامة واحدة يقودها حفتر قبل غيابه عن المشهد».
ومن المتوقع أن «تتحول مناطق الشرق الليبي إلى مناطق تقودها مجموعات مسلحة متناقضة الولاءات والانتماءات، بما يدفع الأزمة الليبية إلى مزيد من التعقيد»، وفقا للإعلامي المتابع للشأن الليبي ياسين خطاب.
ومنذ سقوط نظام الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي في 20 أكتوبر 2011، شهدت الساحة الليبية انقسامات سياسية أدت إلى تشكيل حكومتين اثنتين وبرلمانين وجيشين في طرابلس غربي ليبيا، وطبرق (425 كلم شرق بنغازي).
ففي الغرب الليبي تعمل حكومة الوفاق الوطني (المعترف بها دوليا) من العاصمة طرابلس، ولها قوات تتبع لها وتحظى بتأييد المجلس الأعلى للدولة (بقيادة خالد المشري)؛ أما في الشرق الليبي فهناك أيضا حكومة «مؤقتة»، منبثقة عن مجلس النواب في طبرق، وتمارس سلطاتها (الشكلية) من مدينة البيضاء (شرق)، كما أنها تحظى بحماية قوات حفتر.

المؤسسة العسكرية لا تربط مصيرها بشخص

وبعيدا عن «غياب» أو عدم غياب حفتر عن المشهد الليبي ستظل معضلة بناء قوات مسلحة ليبية على أسس المهنية والكفاءة والولاء للمؤسسة العسكرية من بين تحديات عدة ستواجه حكومة الوفاق الوطني؛ لوضع حد للانقسامات الداخلية سياسيا وعسكريا ومناطقيا.ووفق ما قاله الأمين العام للتجمع الوطني الليبي أسعد محسن زهيو للأناضول فإن «حفتر، لعب دورا محوريا في إعادة تشكيل الجيش الوطني الليبي، وترتيب أوضاعه»، وشدد «زهيو»،على «عدم وجوب ارتباط المؤسسة العسكرية عموما بأفراد، لأن هؤلاء ككل البشر إلى زوال».
واعتبر أن «بقاء المؤسسة العسكرية ودورها في ليبيا لا يرتبط ببقاء شخص أو غياب آخر، إنما ينبغي أن يكون الارتباط مع مؤسسات الدولة».
وانتهى الأمين العام للتجمع الوطني الليبي أسعد محسن زهيو إلى القول بوجوب «دعم توحيد المؤسسة العسكرية في ليبيا وفق ضوابط تعتمد المهنية والكفاءة».
أما المفكر الليبي السنوسي بسيكري مدير المركز الليبي للبحوث والتنمية فيرى أن الخيارات المتاحة أمام الأطراف الداعمة لحفتر سيكون عليها مع غيابه عن المشهد الليبي أن «تبحث عن شخصية قيادية تتوفر فيها بعض ما توفر في شخصية حفتر، من مقومات القدرة على تعبئة الجبهة الأساسية التي يقودها، خاصة جبهة الشرق الليبي».
وأشار بسيكري إلى «صعوبة» مهمة «إيجاد البديل القادر على تجميع الجميع»، ومع هذا فإن «شخصية بديلة يتم دعمها سياسيا وماديا يمكن أن تلعب بعض ما كان يقوم به حفتر، من أدوار يؤديها في الساحة الليبية».

4 أسماء لخلافة حفتر

ويتحدث مراقبون أن الأسماء المرشحة لخلافة حفتر تتمثل في عبد الرزاق الناظوري قائد أركان قوات حفتر المدعوم من رئيس مجلس النواب،عقيلة صالح زعيم قبيلة العبيدات كبرى قبائل الشرق، وهو الذي قد يلجأ إلى إلغاء منصب القائد العام للقوات المسلحة الذي يشغله حفتر، مما يعني أن قيادة الجيش تؤول تلقائيا للناظوري الذي تعرض مؤخرا لمحاولة اغتيال فاشلة.
أما عبد السلام الحاسي رئيس غرفة عمليات قوات حفتر المنحدر من قبيلة الحاسة إحدى القبائل البارزة في الشرق الذي تروج وسائل إعلام عربية وأجنبية لأنه الأوفر حظا لمنصب القائد العام للجيش، ويحظى بدعم حلفاء حفتر الإقليميين بالإضافة إلى فرنسا.
بينما يمثل عون الفرجان ابن عم حفتر، ورئيس مكتبه أحد الأسماء المرشحة لخلافة حفتر، خاصة أنه يمثل خزينة أسرار الأخير، وتحيط به شخصيات نافذة من قبيلته تمتلك مفاتيح المال والإعلام في المنطقة، غير أنه لا يحظى بدعم كتائب الشرق (منحدر من قبيلة الفرجان في الغرب الليبي).
كما يمثل خالد حفتر أحد المرشحين لخلافة والده خاصة أنه يقود «الكتيبة 106» إحدى أقوى الكتائب في قوات حفتر التي برز دورها في عملية الهجوم على قوات فرج قعيم في بنغازي، واعتقاله مع العشرات من جنوده، لاتهامهم بالتمرد، والولاء لحكومة الوفاق، إلا أن خالدا لا يحظى بالصيت العسكري الذي يمثله والده وكبار قادة «عملية الكرامة» التي أطلقها خليفة حفتر في 16 مايو 2014.
لذلك وفي ظل الانقسام «المناطقي» ستجد مناطق الشرق الليبي نفسها بحاجة إلى «شخصيات قادرة على ملء الفراغ سواء شخصيات سياسية أو عسكرية أو تيارات دينية أو ليبرالية».
وتضيق خيارات حل الأزمة الليبية مع تعدد القوى الخارجية المتدخلة في عمق الصراع وتناقض أهدافها ومصالحها وعدم توافقها في غالب الأحيان مع المصالح الضيقة للأطراف المتصارعة ما يقود إلى الاعتقاد بالمضي قدما نحو مزيد من التشظي السياسي.