نوافـذ: سـر نجـاح الهنـود

عبدالله بن سالم الشعيلي –
Twitter:@ashouily –

سوندار بيتشاي الرئيس التنفيذي لشركة جوجل عملاق شركات التقنية في العام، وصل إلى هذا المنصب في العام 2015 بعد أن كان يشغل منصب نائب الرئيس التنفيذي في نفس الشركة، ينحدر من أصول هندية حيث ولد في ولاية تاميل نادو في العام 1972 ودرس حتى الجامعة في بلاده الهند ثم سافر إلى الولايات المتحدة ليكمل دراسته ما بعد الجامعية إلى أن أصبح اليوم رئيسا تنفيذيا لهذا العملاق مثله مثل كثير من نظرائه الهنود ممن أصبحوا رؤساء تنفيذيين في شركات التقنية العالمية مثل: ساتيا ناديلا في مايكروسوفت وسنجاي ميهروترا في سان ديسك وراجيف سوري في نوكيا وشانتانو نارين في أدوبي وغيرهم الكثير، وبالنظر إلى هذه الطفرة التي حققها الهنود في خارج بلادهم وتبوئهم لمناصب قيادية في الشركات العالمية وليس فقط في شركات التقنية الحديثة يثار التساؤل عن سر نجاح الهنود في العالم وليس فقط في الولايات المتحدة أو أوربا وإنما حتى في بلداننا العربية والخليجية تحديدا؟
شخصيا، أعمل وسط مجموعة من الهنود في مناصب مختلفة وألتقي يوميا بمئات غيرهم في قطاعات مختلفة فهم يديرون شركات للقطاع الخاص ويعملون في كل مجال ابتداء من التخطيط الاستراتيجي والإدارة وانتهاء بكنس وتنظيف الشوارع، فهم يعملون طوال اليوم منذ شروق الشمس وحتى بعد غروبها من دون كلل أو ملل وربما هذا ما يفسر بعضا من سر نجاح الهند ونجاح شعبها في ريادة بيئة الأعمال وإصرارهم على التميز عن غيرهم من الشعوب في العالم قاطبة.
الهند اليوم تختلف عن هند الأمس والهنود اليوم يختلفون عن هنود البارحة، التغيير ابتدأ من داخل الأسرة الهندية فهي لم تعد بتلك الأسرة الكبيرة الممتدة إلى الجد والجدة والأبناء والأحفاد والتي قد يصل عددها الى بضع عشرات من الأنفس تحيا تحت سقف واحد ولا يوجد لديها سوى مصدر واحد للدخل قد يكون مزرعة أو حقل أرز، تغيرت الأسرة الهندية لتصبح أسرة نووية صغيرة لا يحيا فيها سوى الأب والأم واثنان من الأبناء فقط لا غير وبذلك استطاعت هذه الأسرة الصغيرة من توفير التعليم الجيد لأبنائها وهو السبب الآخر لنجاح الهند والهنود، فمنذ أن آمن الهنود بأن نهضتهم لن تقوم ودولتهم لن ترتقي إلا بتطور التعليم وتجويده بدأت بوادر التغيير تحدث في المجتمع الهندي التقليدي وبات العامل الهندي البسيط في حقله أو شارعه يقتل نفسه في عمله لكي يحظى ابنه بتعليم جيد وأصبح التعليم خصوصا التعليم باللغة الإنجليزية التي وعى الهنود أنها اللغة الأولى للعلم والمعرفة هو المطلب الأساسي لحياة الأسرة الهندية التي كرست كل جهدها كي يحصل أبناؤها على تعليم جيد سواء في داخل الهند أو خارجها.
أحد أسرار الخلطة الهندية الممزوجة بتوابلهم الحراقة لتحقيق النجاح (الصبر والمثابرة) والجد وعدم استعجال حصد النتائج بسرعة كبيرة، فمن الطبيعي أن ترى هنديا يقضي يومه منذ الصباح وحتى لما بعد المساء في محل صغير بانتظار مبلغ قليل من المال قد لا يكفيه لشراء وجبة غداء أو عشاء لكنه يعاود الكرة في اليوم التالي حتى وان تكررت نفس النتيجة، لا يستسلم أو يسأم أو يترك عمله الى عمل آخر أو يشتكي من قلة الدخل أو ضعفه، بل تراه بكل نشاط يبدأ يومه كما ينهيه. افتعلت حديثا مع أحدهم لمعرفة ما يجني من مال جراء عمله اليومي فأجاب بأن لا فائدة مما يقوم به لكنه مجبر على فعله ولن يتركه لأنه يؤمن بأن يوما ما سيأتي وتتحسن فيه تجارته.
في كتاب أسمته كاتبته «أمة من العباقرة» ناقشت فيه مؤلفته آنجيلا سايني كيف فرضت العلوم الهندية سيطرتها على العالم قائلة إن «الهند أمة من العباقرة والكادحين والمهرة، إذ إن كل واحد من خمسة من جميع العاملين في حقل الرعاية الطبية في المملكة المتحدة من أصل هندي، وثلث المهندسين العاملين في منطقة وادي السليكون من أصل هندي، كما يدير الهنود 750 شركة من شركات التقنية». وتناقش المؤلفة في كتابها الرائع هذا بعضا من أسرار عبقرية الهند وتعزوها في جزء كبير منها الى الثقافة الهندية التي تؤمن بالتنوع والتعدد ففي الهند ما يربو على ست ديانات رئيسية وغيرها من المعتقدات، إضافة الى أكثر من ألف من اللغات وهذا ما منحها قوة في الثقافة والمعرفة وتاريخها القديم يشهد بذلك.
لست مغرما بالهند أو بالهنود ولا أعتقد أن الهنود أذكياء بدرجة حادة تميزهم عن غيرهم من الشعوب وليسوا أيضا متفوقين على الآخرين، لكن ما جعلهم مختلفين عن غيرهم هو سر الخلطة الهندية التي ضمنت تفوقهم.