بين استراتيجية التنمية وسياسات التوازن المالي

د. صلاح أبونار –
في توقيتات متقاربة شرعت بلدان الخليج العربية في إعلان موازناتها المالية لعام 2018، كانت الموازنات جميعها وللعام الرابع علي التوالي، تواجه معضلة التكيف البناء مع عالم ما بعد الوفرة النفطية.معضلة الحفاظ على التوازن المالي، ووتيرة النمو الاقتصادي، ومعدلات التنمية الإنسانية، في ظل التراجع الحاد في أسعار النفط منذ أواخر 2014.

معضلة ازدادت حدتها بفعل النتائج الإيجابية لأربعة عقود من التنمية المتواصلة في ظل الوفرة النفطية. ونعني بالتحديد التحضر وتكوين فئات وسطي جديدة وواسعة، وسيطرة الطابع الشبابي على البنية الاجتماعية، واتساع قاعدة التعليم، والقفزة الهائلة في الأوضاع الصحية، والثورة الاتصالية، وصعود التوقعات الاجتماعية. أضحت كل النتائج تشكل صلب البنيان الاجتماعي، واصبح من الحتمي إمدادها بالدماء الجديدة ليس فقط لكي تحافظ علي حياتها ومعها حياة الجماعة الوطنية، بل أيضا لكي تمنح المزيد من النمو. في الوقت الذي تشهد فيه موارد الدولة تراجعًا حادًا، بينما لا تملك تلك الجماعات الموارد والتنظيمات الذاتية الكافية لكي تؤمن وجودها ونموها.
استشرفت عمان خطورة تلك المعضلة من قبل تبلورها الحاد مع أزمة 2014، ولهذا انطلقت مسيرة مواجهتها في توقيت اسبق كثيرا من هذا التاريخ، يمكننا إرجاع بداياته إلى خطة التنمية الخمسية الأولى 1975-1980. انطلقت البداية في ظل الموجة الأولى من الوفرة النفطية التالية على قفزة أسعار النفط في سياق حرب 1973، ولعب الوعي المبكر بمحدودية الموارد النفطية العمانية دورًا مهمًا في تكونها. إلا أنه لم يكن العامل الوحيد. كان هناك أيضا الوعي المبكر بدور التخطيط واستراتيجيات النمو المتوازن في تجارب التنمية المعاصرة، وهذا الحس التاريخي العميق بخصوصية التكوين العماني ومواريثه والحضارية.
ومع نهاية الخطة الخمسية الرابعة 1995 شهد هذا الوعي، بداية نوعية جديدة بإطلاق استراتيجية «رؤية عمان 2020»، التي شكلت رؤية تنموية متكامله على مدى ربع قرن. طرحت تلك الرؤية عدة مسارات تنموية، تسعى لتحقيق تنمية مستدامة تدفع بالقطاع النفطي ومعه العائد النفطي ودور الدولة الاقتصادي والقوى العاملة الوافدة بعيدًا عن صدارة المشهد الاقتصادي، لصالح تنمية اقتصادية تقوم على التنويع الاقتصادي والتنمية الإنسانية ودور مركزي للقطاع الخاص وتعمين القوي العاملة.
انطلقت «رؤية عمان 2020» في سياق مسار تنموي إنساني أعم أكسبها أبعادها الاجتماعية الكلية. وسنجد مؤشرات هذا المسار في تواريخ أساسية: تأسيس جامعة السلطان قابوس 1986،انطلاق عمل مؤسسات التعمين 1988، تخرج أول دفعة من جامعه السلطان قابوس 1990، وتكوين مجلس الشورى 1991، وإنجاز أول تعداد سكاني عام 1993، وصدور النظام الأساسي للدولة 1996، وتكوين مجلس الدولة ومن ثم مجلس عمان 1996.
والحاصل أن موازنة 2018 تشكل امتدادًا لمسعى ممتد استهدف بناء اقتصاد متنوع متوازن يتراجع فيه الريع النفطي عن دوره المركزي الراهن. لكنها تشكل أيضًا مواجهة نوعية لتداعيات تراجع أسعار النفط منذ أواخر 2014. ويتعين إلقاء نظرة مقارنة علي تداعيات هذا التراجع، قبل الشروع في تحليل الموازنة وكيف سعت لمواجهته.
هبط سعر البرميل من 104 دولارات في يونيو 2014 إلى 75 دولارًا في نوفمبر 2014، ليصل في فبراير 2015 إلى 26 دولارًا للبرميل، وحتى يوليو 2016 لم يرتفع عن 27 دولارًا للبرميل. ولكن في النصف الثاني من 2016 شرعت الأوبيك في تخفض معروضها، فأخذت الأسعار في الارتفاع نسبيًا من أغسطس عام 2016 ليصل السعر إلى نحو 51 دولارًا للبرميل في ديسمبر 2016. ورافق ذلك تأثر موازنات كل دول الخليج العربية ومواجهتها نسب عجز متفاوتة.
ولكن من يناير 2017 بدأت منظمة الأوبيك في تطبيق صارم لاتفاقية نوفمبر 2016 لتخفيض الإنتاج بالنسبة للدول المنتجة للنفط من داخلها، وعدد من الدول من خارجها أيضا، ونتج عن ذلك، ثبات الأسعار مع تحسن متراوح وطفيف لم يتخط حدود 55 دولارًا للبرميل بقيه العام .وفي هذا السياق أخذ خلل الموازنات في التحسن. فانخفض خلل الموازنات في دول الخليج العربية، مع تحسن العائدات النفطية بالطبع، ومن المتوقع تتواصل تلك التطورات في عامنا الجديد 2018. ووفقًا لتقديرات الأوبيك، فإنه من المتوقع استقرار السعر في حدود 60 دولارًا للبرميل. وهو توقع تدعمه توقعات صندوق النقد الدولي الإيجابية للنمو العالمي، ومعه ارتفاع الطلب العالمي علي النفط هذا العام.
وفي ظل هذا الوضع سعت الموازنة العامة للدولة لهذا العام إلى تحقيق هدفين: هدف تنموي وآخر مالي. يسعى الهدف الأول والأساسي لمواصلة وتأمين مسيرة النمو الاقتصادي في حدود معدل 3%، والحفاظ على مستوى الخدمات الاجتماعية المقدم للمواطنين والتوسع فيها تبعا للاحتياجات النامية. وفي سعيها لمواصلة النمو اتجهت لتوفير الاعتمادات المالية للقطاعات المعززة للنمو الاقتصادي، ورصد الاعتمادات المطلوبة لتمويل البرنامج الوطني لتعزيز التنويع الاقتصادي(تنفيذ)، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتوفير مخصصات الصيانة للأصول والمرافق، ودعم المؤسسات الاقتصادية المتوسطة والصغير من خلال التمويل وإسناد حصة من المشاريع الحكومية إليها وتوفير القروض لصندوق رفد وبنك التنمية. وفيما يتعلق بهدف مواصلة الخدمات الاجتماعية للمواطنين، سعت الموازنة لذلك عبر توفير الاعتمادات اللازمة للإنفاق الاجتماعي العام، والتمويل اللازم لبرامج تدريب الشباب، ومخصصات الدعم الاجتماعي.
ويسعى الهدف الثاني الى تحقيق واستمرارية أقصى درجات التوازن بين الموارد والنفقات، في حدود الأمان وبما لا يتجاوز 10% من الناتج القومي الإجمالي. وسعت لذلك من خلال الاستمرار في خفض الإنفاق الجاري، عبر أسلوب قابل للاستدامة. وتنشيط الإيرادات غير النفطية، مع السعي لرفع مساهمتها في الإيرادات الحكومية إلى ما لا يقل عن 30% من الإيرادات العامة.
وقد وصل إجمالي الإيرادات المتوقعة في الموازنة الجديدة إلى 9.5 مليار ريال عماني بزيادة تبلغ 3% عن إيرادات 2017 الفعلية. وكان صافي إيرادات النفط والغاز المتوقعة 6.78 مليار، ووصلت مساهمة الإيرادات الجارية وأغلبها ضرائب ورسوم إلى 2.56 مليار.
وعندما نقارن الإيرادات بالموازنات السابقة سنلاحظ ما يلي. وصلت إيرادات 2014 إلى 14.068 مليار ريال. وهو عام وفرة نفطية نسبية؛ لأن إيرادات الموازنة قدرت بأسعار 2013، وكان متوسط الأسعار خلاله 105.78 دولار للبرميل . وحتى يونيو 2014 كان سعر البرميل 104 دولارات، وعندما بدأ الانخفاض كان أدنى انخفاضاته إلى 75 دولارًا للبرميل في نوفمبر، بمتوسط أسعار 96.49 للعام كله.
وفي العامين التاليين وقع التراجع الهائل في أسعار النفط ، وهكذا تراوحت بين 26 دولارًا في فبراير 2015 و27 دولارًا للبرميل في يوليو 2016، بمتوسط 49.49 لعام 2015، و40.76 لعام 2016. وفي ظل التراجع الهائل في أسعار النفط تراجعت إيرادات موازنه 2015 إلى 8.92 مليار ريال، وواصلت إيرادات موازنة 2016 التراجع إلى 7.35 مليار ريال. ولكن إيرادات عام 2017 ، مع التحسن في أسعار النفط شهدت صعودا فوصلت إلى 8.70 مليار، وهكذا اقتربت من إيرادات 2015 لكنها تظل أقل كثيرا من إيرادات 2014.
وصلت النفقات في موازنة هذا العام إلى 12.5 مليار ريال عماني بعجز مقداره 3 مليارات ريال عماني. ورغم ارتفاعها بمقدار 23% عن نفقات 2017 المقدرة، تظل أدنى من نفقات الأعوام السابقة. ففي 2014 كانت 15.17 مليار، وفي 2015 كانت 13.69 مليار، وفي 2016 كانت 12.65 مليار.
كان هذا التخفيض ضرورة لا مفر منها، لكن الموازنة في المقابل حافظت على مستويات الإنفاق، المرتبطة بهدفيها الأساسيين. فخصصت 3.88 مليار ريال عماني للصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية وضمنها الإسكان الاجتماعي والدعم، وهي اكبر حصص الإنفاق. وخصصت 2.74 مليار ريال للمصروفات الاستثمارية. منها 1.2 مليار للمشاريع الاستثمارية مثل ميناء الدقم ومنطقته الصناعية، وذهبت البقية للنفقات الاستثمارية الموجة إلى بنود البني التحتية مثل مطار مسقط الدولي والطرق مثل طريق الباطنة الساحلي وإنفاق وادي العق وشبكات المياه والكهرباء، والبنى التحتية للخدمات الاجتماعية مثل بناء المستشفيات والمدارس.
وصل عجز الموازنة إلى 3 مليارات ريال عماني، وهو رقم يصل إلى ما يقرب من 25 % من الإيرادات. لكن الموازنة من جهة أخرى تمكنت من تحقيق نجاح كبير، بتخفيض نسبة العجز من 4.5 مليار عام 2015 إلى 3.5 مليار ريال عماني عام 2016.، ويقدر أن عجز 2017 يصل أيضا إلى نحو 3.5 مليار.
وتضع السلطات الاقتصادية في بؤرة اهتمامها تخفيض هذا العجز، ليصل إلى أقصى حدود الأمان مع الدعم القوي لعمليات النمو الاقتصادي وآليات توفير الخدمات الاجتماعية .
وهي تعي جيدًا، وعن صواب، أن الطريق الأساسي لهذا الهدف يمر عبر مواصلة استراتيجيات النمو والتنويع والتعمين والتنمية الإنسانية. لكنها بالتوازي مع ذلك طورت حزمتين من السياسات الداعمة. حزمة أولى لتنشيط الإيرادات غير النفطية وترشيد النفقات، وحزمة ثانية لتطوير القدرات والمؤسسات والتشريعات الحكومية في مجالات الإدارة المالية والضريبية والاستثمار الحر.