5 آلاف سنة مختزلة فـي وجه قــائـد

عاصم الشيدي –

عاشت عُمان أمس حقيقة العيد، رأته متجليا كما لم تره من قبل، شامخا يطاول السماء، ومشرقا كأنه البدر في ليلة تمامه. قرأت في تفاصيل وجهه حكاية أمة عمانية راكمت التاريخ أكثر من 50 قرنا من الزمان بدءا من اللحظات التي كان الإنسان العماني يخط فيها أولى أبجديات الحضارة في منطقة شبه الجزيرة العربية وينحت على قمم الجبال لحظات البداية وإلى أن صار اليوم علامة من علامات المنطقة العربية والإقليم المحيط وربما العالم الذي يبحث عن نماذج تحمل إنسانيتها في ظل التحولات الجوهرية التي أفقدت العالم إنسانيته والكثير من قيمه وأخلاقه.
كان السلطان قابوس بما حمله من نياشين عُمان على صدره أمس هو العيد الذي انتظره كل العمانيين، وكان وجهه المشرق هو الكتاب الذي قرأنا فيه تاريخنا ومجدنا وعظمة ما أنجزه أجدادنا عبر القرون الماضية، وبعد رؤيته كان الجميع يقولون بقلوبهم قبل أي شيء: بدا العيد وظهر واكتملت الفرحة إلى حد الشعور بحقيقة العيد وحقيقة مغزاه.
لا يختزل التاريخ في صفحة، ولا تكتب الأمجاد في مجلدات مهما كانت عظيمة ولكن يحدث أن يختزل كل ذلك في قسمات وتفاصيل وجه بشري خبِر الزمن وخبر سيرورته، ويمكن أن يختزل كل ذلك في وقفة شموخ واحدة تطاول نخيل عمان الباسقات وتطاول قمم جبالها الشاهقة. ورغم أن عُمان كانت تحتفل بمرور 47 سنة على بداية نهضتها الحديثة إلا أنها كانت تحتفل أيضا بتاريخ طويل أكبر من ذلك بكثير، تاريخ تعرفه المنطقة ولا يمكن نسيانه أو تجاوزه لأنه هو من وضع خطوط الطول والعرض وهو من رسم أبعاد السماء وعرض بحارها، والتاريخ لا يدفن ولا يموت ولكنه يتراكم في أفعال البشر وفي ثقافتهم وفي قيمهم وفي وجوههم أيضا، ولما كان تاريخ عُمان ومجدها متراكم في وجه سلطانها المعظم فإن احتفال عمان أمس لم يكن بمرور ما يقرب من العقود الخمسة بل ما يزيد على 5 آلاف قرن من الزمان.. ويحق لها أن تحتفل بكل ذلك، ويحق لها أن تستذكر كل ذلك، ويحق لها أن تنشر الرايات خفاقة في سماوات المجد لما أنجز طوال تلك القرون وما ساهمت به في تاريخ البشرية.
وليس غريبا أن تكون عُمان اليوم نموذجا مختلفا في المنطقة، مختلفا في الخطاب السياسي وفي الخطاب القيمي والمدونة السلوكية فالتاريخ بكل أبعاده هو السبب وراء ذلك.. فلا تعيش عمان، في هذا السياق، تجارب جديدة، بل هي تنهل من تاريخها المتخم بالتجارب والمتخم بالعبر، التاريخ الممتد بتماسك والذي لا يكاد تشبهه أي تجربة من التجارب في المنطقة.
في تفاصيل وجه العيد/‏ قابوس، إذن كانت عُمان تختزل كل ذلك التاريخ وكل تلك التجارب التي تصنع اليوم ما نحن فيه على هذه البلاد العظيمة.
ولذلك كان العمانيون ينتظرون من العيد رؤية الرجل الذي صنعه لهم تاريخ قديم قدم الإنسانية في منطقة شبه الجزيرة العربية، كانوا ينظرون الرجل الذي تراكمت فيه كل تلك الأمجاد وتلك الثقافات وتلك التجارب وعندما رأوه أدركوا حقيقة العيد فابتسموا وقروّا عينا.
فرحت عُمان برؤيتك إذن يا سيد عُمان لأنها قرأت تاريخها، ونظرت في لمعة عينك مستقبلها المشرق، فأمثالك لا يكتبون إلا المفاخر ولا يخطون إلا الأمجاد الشاهقة.
واليوم تبدأ صفحة أخرى من صفحات أمجادك يا وطني، يمتد فيها التاريخ معانقا المستقبل في ديمومة وسرمدية لن تنتهي أبدا.